سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

إدلب الحلقة الأخيرة في الأزمة السوريّة؟

رامان آزاد –
إدلب ساحة المعركة الأخيرة قبل نهاية الأزمة السوريّة، في البُعد العسكريّ على الأقل، ورغم سعي تركيا لتوحيد الجماعات المسلّحة بإدلب في تشكيلٍ موحّد، وتوزيع المهام القياديّة والقتالية بينها، إلا أنّ اتجاهات الفعلِ الرئيسةِ في مكانٍ آخر بالبحث عن حلٍ سياسيّ والمساومة وتجاوز التحدّيات، وقد يثبت مجدداً أنّ الأزمة السورية ميدانٌ تسقط فيه التقديرات والرهانات والتكهنات!
تُمثّل إدلب ساحةَ اختبارٍ لجُملةِ تطوّراتٍ في سوريا وحولها، من شأنها الإطاحةَ بتفاهمات أستانا وسوتشي، والثلاثي الضامن (روسيا وإيران وتركيا)، حيث أنجزت نقطة انطلاقٍ لتفاهُماتٍ إقليميةٍ ودوليةٍ تتجاوز الأزمة السوريّة، وليبدو أنَّ تفاهمَ هلسنكي بوتين- ترامب، هو أساسُ حلّ الأزمة
الترقّب يسودُ إدلب مع أنباء عن معركة وشيكة
تعيش إدلب حالة ترقبٍ على وقع أنباء عن عملية وشيكة لقوات النظام بمساندة جويّة روسيّة، ودخلت معها الفصائل المسلّحة مرحلة الاختبار النهائيّ، بالأخذ بالاعتبار العملياتِ العسكريّة التي تمّت بالغوطة الشرقيّة ودوما ودرعا والضربات الجويّة بمحافظة السويداء، لإنهاءِ وجود مرتزقة داعش بعد المجزرة المروّعة، وبذلك يسودُ القلق تحسباً لمعركة حاسمة، وتناقلت وسائل إعلام «معارضة» إعلانَ النفير بين قواتهم وحشدها بجبهةِ موحّدة، قبل المعركة المرتقبة مع قواتِ النظام وأشارت المصادر أيضاً إلى ارتفاع أصوات مطالبةٍ بضرورة إيجاد صيغة تفاهمٍ تجنّب الشمال السوريّ ما أسموه «شرَّ القتال»، ومنع تكرار سيناريو الغوطة ودرعا الذي بدأ بالمعارك وانتهى بالتسوية. الجانب الروسيّ استبق المعركة بنصحِ الفصائل المسلّحة بدرعا خلال مفاوضتها، بعدم الخروج إلى إدلب لأنّ المعركة ستبدأ فيها، وستلقى المصير نفسه كما بالجنوب, والحديث نفسه نُقل عن أبي علي محاميد القياديّ فيما يُسمّى بالجيش الحر. فيما أكّدت مصادر النظام على نية استمرار المعارك حتى استكمال السيطرة على كلّ المناطق التي تحت سيطرة الفصائل الإرهابيّة. ودعت لخروج «القوات الأجنبيّة» الموجودة بسوريا بصورة لا مشروعة. بالمقابل صرّح وزير الخارجيّة الروسيّ لافروف من سنغافورة، الخميس، بأنّه يجب القضاء على الإرهابيين بإدلب بالتزامن مع حلّ مسألة عودة اللاجئين إلى سوريا. وقال لافروف: «العملُ يجري على قدمٍ وساقٍ، ولا يزال هناك الكثير للقيام به». وقالت المتحدثة باسم مفوضية الأمم المتحدة: من المهم أن تكون عودة اللاجئين السوريين طوعيّة. بالتوازي مع ازدياد الحديث عن حشود عسكريّة لقوات النظام على محاور إدلب يواصل مرتزقة «جبهة النصرة» الإرهابيّ عمليات ملاحقة وتصفية من يسعى للمصالحة، فشُنّت حملة مداهمة واعتقالات بالمحافظة، واُعتقل العشراتُ واقتيدوا إلى أماكن مجهولة بتهمةِ التواصل مع النظام السوريّ ومركز المصالحة الروسيّ، كما اُعتقل وجهاءٌ من الريف الجنوبي بنفس التهمة. ونقلت وكالاتٌ عن شهود إعدامَ مرتزقة النصرة» 12 شخصاً ذبحاً على محور جبل التركمان بريف اللاذقية، بتهمة النية بتسليم أنفسهم لقوات النظام والتسوية.
وكان الأشخاصُ من المجموعات المسلّحة التي تسيطر على قريةٍ بجبل التركمان، وبعضُهم جاء من دمشق وريفها. كما شهدت المحافظة مؤخراً حملة اغتيالات طالت «أمراء» وقياديين بارزين بينهم «أبو همام اللاذقانيّ» القائد العسكريّ في «هيئة تحرير الشام»، «أبو إسلام الأوزبكي» قائد التدريب العسكريّ بالهيئة، والقياديّ «أبو بكر المصريّ»، كما أكّدت المصادر فرارَ أعدادٍ كبيرةٍ من مرتزقة الهيئة باتجاه الحدود التركيّة تحسباً للمعركة القادمة.
إصرارّ روسيّ على المعركة
وإذ تمضي موسكو المنغمسة كليّاً بالحرب السوريّة في سياستها بدون تحديد سقفٍ زمنيّ لبقاء قواتها في سوريا، فإنّ عقباتٍ تمنعها من سحبها، إذ ترى انسحابَها المبكر مخاطرةً كبيرةً قبل القضاء على الإرهابيين من مواطنيها. ولكن التدخّل الروسيّ النوعيّ راكم إنجازاتٍ غيّرت معادلاتِ الميدانِ، فأمنّ الغطاء الجويّ الكثيف لتستعيدَ معه قوات النظام السيطرة على مساحات جغرافيّة كبيرة، ولتدفعَ موسكو بتركيا للعمل تحت مظلة أستانه، والقبول بمشروع خفض التصعيد, حيث انعكس تفاهم الطرفين على الأرض بعقدِ صفقات لصالحهما وعلى حساب الشعب السوريّ, ونجم عنها حصر المرتزقة في بقعة معينة. بدأت معالم التحوّل واحتواء التناقضات في العلاقة الروسيّة التركيّة تتضح أكثر مع صياغة نموذج أستانه لما اُصطلح تسميته بالثلاثيّة الضامنة لوقف إطلاق النار بسوريا، وعقدِ الجولةِ الأولى لأستانه، في 23/1/2017م بعد اتفاق وقف إطلاق النار عقب إخلاء المعارضة المسلّحة أحياء حلب الشرقيّة، ولم يكن بإمكان النظام استعادة السيطرة على حلب لولا الدورُ التركيّ، فشكّلت تجربةُ حلب أساساً لتوافق مبادلة المصالح بين روسيا وتركيا. وخلال 2017م عُقدت ثماني جولات «أستانه»، وتشكّلت مجموعة عمل ثلاثيّة (روسيّة وتركيّة وإيرانيّة)، لمراقبة نظام «وقف الأعمال القتاليّة»، وصِيغَ مشروعُ إنشاءِ مناطق خفض التوتر. وبالوصول إلى الجولة العاشرة كان الانتقال إلى سوتشي لتأكيدِ حصريّة القيادة الروسيّة لكامل الأزمة السوريّة بعد قمة هلسنكي. احتلت تركيا عفرين (في إطار صفقةٍ مباشرة مقابل سيطرة قوات النظام على الغوطة الشرقيّة) بهدف تنفيذ أجندتها السياسيّة ومحاربة المشروع الديمقراطيّ بشمال سوريا، ونُقِل المسلّحون وعوائلهم شمالاً إلى إدلب ومنها لعفرين، في محاولة لمحو الهوية الكرديّة فيها. وبأخذ توقفِ عمليةٍ عسكريّةٍ لقواتِ النظام جنوب إدلب بالتوازي مع العدوان التركيّ، وفتح جبهةِ الغوطة الشرقيّة بعينِ الاعتبار، يمكنُ فهمُ حجمِ التوافقاتِ التي حصّلتها أنقرة لتهجم على عفرين. تتمحورُ التقديراتُ الروسيّة حول سيرِ الأمور بإدلب على غِرار ما جرى بالمنطقة الجنوبيّة، بفرضِ خارطة الحلّ أو التسوية بالقوة، إلا أنّه ليس واضحاً أنّ أنقرة بصدد التخلّي عن إمارة إدلب، والوضع الحالي لا ينبئ بهذا الاحتمال ونلحظ في خطة أنقرة جملةَ اعتباراتٍ منها: توجّهاتها لتوحيد التنظيمات المسلّحة بجسمٍ واحدٍ هو «جيش الفتح» تقودها جبهة «النصرة»، لتكون قوّة موحّدة، تستخدمها للمواجهة أو المساومة، وأعطتها تطمينات بأنّها جادّة بمحاولة تجنيبها وطأة عملية عسكريّة واسعة، ومحاولة احتواء أو تفادي موجة لاجئين جديدة، والعمل على عرقلة التفاوض بين دمشق ومجلس سوريا الديمقراطيّة، لضبط أيّة تداعيات مُحتمَلة لأنّ أيّ اتفاق بين الطرفين ليس في صالحها. والتحدّي هو احتواء مشكلة أكثر من 50 ألف مسلّح من مختلف بلدان العالم. وأخيراً الاستعداد لمرحلة ما بعد الحرب وإعادة الإعمار، لتبدأَ شركاتٌ تركيّةٌ بتسجيل نفسها في روسيا وإيران وربما الصين. وتشملُ خطة موسكو ودمشق على: فتحَ أبوابِ المصالحات والتسويات، في ضوءِ خبرةِ الغوطة ودرعا والقنيطرة وغيرها، والتعاطي مع مناطق إدلب والمجموعات المسلّحة بشكلٍ منفصلٍ، خلافاً لما تحاوله تركيا، ومواصلة الأعمال العسكريّة ضد مواقع رافضي التسوية من المسلّحين. وبدء عمليات عسكريّة كبيرة ربما مكلفة لاستعادة مناطق جنوب إدلب وشمال سهل الغاب، والمناطق الجبليّة غرب وشمال غرب إدلب على حدود اللاذقية وريفها الشمالي المتاخِم للواء اسكندرون. إلا أنّ ذلك قد يخلق أزمة نازحين ولاجئين جديدة، إذ حذّرت منظمات أمميّة من تدفق 700 ألف من النازحين جرّاء المعركة المرتقبة.
يفترض أن تركّز المداولات (التركيّة-الروسيّة) حول إدلب على التوصّل لتسويةٍ أو استعادة تدريجيّة لإمارة إدلب بأقل أعمال عسكريّة، ومما يُطرح بهذا الخصوص: وقف العمليات العسكريّة، وعودة الخدمات العامة، وترميم البنية التحتيّة، وفتح الطُرق الرئيسة أمام الناس والسِلع، وتشجيع عودة اللاجئين، تسلّم تركيا السلاح الثقيل من المسلّحين، فيما تضمن روسيا ألا تقومَ قوات النظام بعمليات عسكريّة كبيرة.
المعضلة الرئيسة أمام عملية إدلب هي مصير المسلّحين الرافضين للحل، وبخاصة المصنّفين إرهابيّين، وكيفيّة تدويرهم، وبخاصة العدد الكبير من غير السوريين. والواقع لا توجد أمام مُسلّحي إدلب خيارات جدّية للقتال، ولعل القتال يكون انتحاراً، وكثيرٌ منهم ترافقهم عائلاتهم قَدِموا رافعين رايات الولاء للقاعدة، وقد أقسموا ألا يُسلّموا أو يغادروا أماكنهم.
القصف مقدمة العملية العسكريّة؟؟
كثّفت قواتُ النظام منذ منتصف شهر تموز الماضي استهدافها الناريّ بمختلف صنوف الأسلحة لمواقع جبهة «النصرة» والمقاتلين الصينيين من «الحزب الإسلاميّ التركستانيّ» والأذريين والطاجيك من تنظيم «حراس الدين» مع محاولاتِ التصعيد التي شهدتها الجبهتان الشماليّة والشماليّة الشرقيّة لريف اللاذقية، حيث سعى المسلّحون لخرق نقاط التماس مستغلين المراقبة والتغطية الناريّة التركيّة لتأمين تحرّكاتهم.
معركة إدلب ستكون على مراحل، الأولى سياسيّة بإعطاء المسلّحين ورعاتهم، وتحديداً أنقرة، فرصةَ قبول المصالحة وتمكين قوات النظام من السيطرة عليها، فيما تحتاج قوات النظام للوقت لنقل القوات الأساسيّة من المنطقة الجنوبية إلى إدلب ومحيطها، وستُبذل محاولاتٌ روسيّة وربما إيرانيّة لإقناع تركيا بتسهيل سيطرة النظام على المنطقة، فيما يشبه ما حدث في المنطقة الجنوبيّة.
المرحلة الثانية تبدأ برفض تركيا التعاونَ والمعاندة، أو فشلها في حملِ المسلّحين على قبول المصالحة، لتبدأ العملية العسكريّة من محاور ريف اللاذقية الشمالي، ومحور ريف حماة الشمالي وسهل الغاب، ومحور الريف الجنوبي لإدلب من تخوم محافظة حلب حتى تخوم محافظة حماة، ومن مدينة حلب باتجاه الريف الغربي لمحافظة حلب والريف الشمالي لمحافظة إدلب لجهة تل العيس وتل حديا وعلى امتداد الطريق الدوليّ من مورك حتى مداخل حلب الجنوبيّة. وقال مصدر ميداني لوكالة «سبوتنيك»: إنّ قوات النظام أنهت استعداداتها العسكريّة واللوجستيّة لبدء هجومٍ بريّ واسع من عدّة محاور لتأمين كامل ريف اللاذقية الشماليّ الشرقيّ المتاخم لريف جسر الشغور غربي إدلب. المرحلة الثالثة، استعادة الجزء الأكبر من محافظة إدلب ومدنها الرئيسة (جسر الشغور وأريحا وسراقب وخان شيخون ومعرة النعمان)، وستتبلور ظروف وواقع يضغط على الجماعات الإرهابيّة المسلحة وعلى تركيا ربما يدفعها لقبول خيار المصالحة وإلقاء السلاح. استعادة السيطرة على ريف اللاذقية وريف حماة الشمالي الغربي، وفتح طريق حلب اللاذقية وتأمين ريفي حماة الشمالي الغربي واللاذقية الشمالي الشرقي، سيفرض على قوات النظام متابعة تقدمه والسيطرة على كامل منطقة جسر الشغور وصولاً إلى مدينة أريحا تزامناً مع التنسيق مع القوات المتواجدة بريف حلب الجنوبي الغربي التي هي سيكون لها دور فعال بالتقدم باتجاه المناطق التي يسيطر عليها مسلحون بينهم جنسيات أجنبيّة. فيما تنتشر بريف حماة الشماليّ فصائل مبايعة لمرتزقة هيئة تحرير الشام، أبرزها جيش العزة، ويضمُّ مسلّحين أجانب كثر (أوزبك- شيشان- إيغور). ويسيطر على بلدات وقرى (الزكاة واللطامنة والصياد وكفرزيتا والأربعين واللحايا ومعركبة)، وهي أهم تجمع للمسلّحين بالمنطقة. ويعدُّ «جيش العزة» أبرز الفصائل المسلّحة التابعة لتنظيم «جبهة النصرة»، تأسّس عام 2012م باسم «لواء شهداء اللطامنة»، وباندماج فصائل أخرى أصبح اسمه «تجمع العزة» عام 2013م ثم «جيش العزة» عام 2015م. ويُعدُّ التركستان الصينيون أبرز مقاتلي ما يُسمّى «الثورة السوريّة»، وقد لعبوا مع المقاتلين الشيشان، دوراً كبيراً بالسيطرة على مناطق من ريفي إدلب الغربيّ واللاذقية الشمالي وجعلوها مقراً لمستوطناتهم مع عائلاتهم التي هاجرت معهم بزعم (الجهاد في سوريا)، واختاروا تلك المنطقة لوجود قرى وبلدات تدين بعض عائلاتها بالولاء للدولة العثمانيّة على خلفيّة جذورهم التركمانيّة كما التركستان. وهذه المناطق هدفٌ مباشر للقوات الروسيّة باعتبارها منطلق هجمات الطائرات المسيّرة باتجاه الساحل السوريّ، حيث أسقطت المضادات الروسيّة في قاعدة حميميم الروسيّة العديد منها. وتنتشر بريف اللاذقية الشمالي فصائل مرتزقة تابعة لـ»جبهة النصرة» أبرزها الحزب الإسلاميّ التركستاني ولواء السلطان مراد وكتيبة جبل الإسلام. ولفت مراسل «سبوتنيك» إلى أنّ قريتي بداما والناجية تعدّان مركزَ إطلاق الطائرات المسيّرة التي تستهدف الساحل السوريّ منذ أشهر، والتي أسقطت المضادات الجويّة الروسية بقاعدة حميميم العشرات منها خلال الفترة الماضية، إحداها مؤخراً.
توافقُ التنافعِ بين
موسكو وواشنطن
ما يجري اليوم هو صيغةُ للتوافق الروسيّ الأمريكيّ حول الإنجازات الميدانيّة للنظام، مقابل تقييد الانتشار الإيرانيّ في سوريا، والسماح بانتشار قوات النظام على طول الشريط الحدوديّ حتى الجولان. ما يؤكّد على وجود اتفاق روسيّ إسرائيليّ أعمق من مجرد عدم الاعتراض غير واضح المعالم، ورضىً روسيّ بتحجيم الدور الإيرانيّ في سوريا. فقد أثيرت مخاوف حلفاء الولايات المتحدة من الدول السنّية وإسرائيل وتفاقمت في ظلّ تهديد النفوذ الإيراني لمصالحهم. ولهذا ظلَّ الوجود العسكريّ الإيرانيّ في مواقع مختلفة في سوريا ضمن الاستهداف الإسرائيليّ إذاً لم يستطع ترامب تحقيقَ هدفِه بالحدِّ من النفوذ الإيرانيّ بسوريا إلا بالاقتراب من الضفة الروسيّة من قبيل «التنافع». والحقيقة أنّه يحاول زيادة الضغط على إيران، بعدما أعلن انسحاب واشنطن من الاتفاق النوويّ وأنّها في حِلٍّ منه، فيما ردّت طهران بتصريحات مقابلة ومواقف اتّسمت بالهدوء المريب، لتمضي باختبار الصواريخ والتصعيد وصولاً للتهديد بإغلاق مضيق هرمز أمام الإمدادات النفطيّة من الخليج. وأما حزمة العقوبات الأخيرة ضد إيران فلعل أنقرة تتأثر بها أكثر لجهة تأمين وارداتها من الطاقة، إذ أثبتت التجربة قدرةَ إيران على إيجاد البدائل، ويدعم هذه الفرضيّة العقوباتُ الأمريكيّة ضد مسؤولين أتراك وتصاعد التصريحاتِ بشأن شخصيتين دينيّتين يطلبُها كلُّ طرفٍ من الآخر فأنقرة تطالبُ بفتحِ الله غولن وواشنطن تطالب بالقس الأمريكيّ أندرو برونسون المتحجز منذ عامين. وبالمجمل فالتصعيدُ السياسيّ علامةُ ترتيب أوراق تفاوضٍ جديدةٍ. حجم التعقيد والتداخُل بملف إدلب وشمال سوريا يتطلّب خطّطاً تدريجيّة بعيدة الأمد، ولا يمكن مطابقتها بالغوطة ودرعا والقنيطرة. وقد تشهد عملية عسكريّة أكبر بسببِ كثافة عدد وعدّة الجماعات المسلّحة في الإمارة، فإدلب لها رمزيةٍ جهاديةٍ وتكفيريةٍ يصعب تفكيكها أو تجاوزها. ولتكون المعارضة السوريّة الخاسرَ الأكبر في هذه الحرب بلا شك، لأنّ روسيا استغلت الحرب من أجل دعم موقفها السياسيّ، بينما كانت واشنطن في منتهى البراغماتيّة فتخلّت عن دعم ما سُمّوا بالثوار، ولم يكن بالإمكان توحيد المعارضة في جسد واحد يحظى بقبول كلّ السوريين، كما أضاف ظهورُ التنظيماتِ الإرهابيّة المتطرفة مزيداً من التعقيد على المشهد السوري