سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

أيّة ثقافة ستؤدّي بنا نحو الارتقاء والخلاص؟

منان خلباش –
شهد التاريخُ محطاتٍ حاسمةً من الصراعاتِ والتناقضاتِ المختلفة في مواجهة الطبقات المهيمنة والأنظمة الديكتاتوريّة والهمجيّة، لإدامة سيطرتها وتحقيق مصالحها القريبة والبعيدة .
منذ عهود طويلة، وظّفت الطبقات المهيمنة في كردستان والأنظمة الحاكمة فيها, كلَّ طاقاتِها وإمكانياتِها لنسفِ البنيةِ الثقافيّةِ والاجتماعيّةِ والأخلاقيّةِ للشعب الكرديّ في كلّ أماكن تواجده لدفعه بعيداً عن العصر وبقائه لا حول له ولا قوة! وكان الهدف الأول والأخير, رمي الشعب الكرديّ في أوضاع تراجيديّة يائسة واستلابِ كلّ عناصر الثقة والقوة والتغيير نحو الأفضل ونشر ثقافةٍ فردية وزائفة توصله نحو التمزُّقِ والانقسام و التشرذُّم وبقائه مسلوبَ الإرادة والقرار.
وفي مثل هذه الظروف والأحوال, لم يبقَ غيرَ أسئلة جريئة تبحث عن إجابات شاملة من قبيل, «من نحن»؟ و «كيف نحيا»؟ وما السبيل للارتقاء والخلاص؟ الأنظار كلها كانت تتجه نحو ثقافة «المقاومة والحياة» التي ستعيد الروح الوطنيّة والتماسك الاجتماعيّ والإرادة الفولاذيّة والوعي الجماعيّ وامتلاك زمام المبادرة وتحقيق الجسارة والجرأة والبطولة وتخطّي كلّ أنواع الانقسام والفرديّة والاستلاب الثقافيّ والاجتماعيّ والحضاريّ. إنّ اعتماد الأنظمة الاستبداديّة والهمجية كلّ ما تملكه من عنصريّة وهمجيّة ووحشيّة وصولاً إلى إدارة عمليات عسكريّة كبيرة من قبيل عملية «الأنفال» عام 1988و» المطرقة والسندان « منذ عام 1992م و»الفولاذ» و «درع الفرات» و»غصن الزيتون» مؤخراً لم تأتِ من فراغ وإنّما لعجزٍ وإفلاسٍ عن تحييد المدِّ الثوريّ الحاصل للمشروع التحرريّ الإنسانيّ الذي يلقى رواجاً في أجزاء كردستان المختلفة وبخاصةٍ في روج آفا وبمشاركة المكوّنات المختلفة بعد أن أصاب الأطراف القوميّة البدائيّة الإفلاس والاهتراء والتشرذُّم والانقسام. وهنا تكمن الحاجة للمثقف العضويّ/الفاعل على حد تعبير غرامشي والذي يحمل مشروعاً سياسيّاً وتقدميّاً لدحر الثقافة الرجعيّة والظلاميّة والصفراء وانتصار ثقافة الارتقاء والخلاص والمقاومة والحياة وتعميق قيم والمبادئ الإنسانية بدلاً من الاضطراب والفوضى وخلط الأوراق وزرع عدم الثقة والسلبيّة والاستلاب بكلِّ أشكاله وأنواعه. وباعتبار ألا ثقافة فوق الطبقات الاجتماعيّة, فكلّ طبقة ولها منظومتها الثقافية، تروّج لمشروعها السياسيّ والاجتماعيّ وما سواه. لذلك لم يكن غريباً أن يروّج للمشاريع الظلاميّة والعنصريّة والمذهبيّة والطائفيّة و المناطقية وما إلى ذلك من خطط ومشاريع لينتهي الأمر إلى سدّ التطورات الثوريّة واستبدالها بمشاريع مذهبيّة وعنصريّة على تضادٍّ مع آمال وطموحات المكوّنات الحضاريّة والثقافيّة المتعايشة جنباً إلى جنب في وئام ولحمة وطنيّة وإنسانية رائعة. لآن، وفي ظل الصراعات والمواجهات الحالية وبخاصة ما حدث في عفرين منذ 18/1/2018م والتي تجلَّت بأبشع وأقذر مشاهدها لإرجاع المنطقة نحو مشاريع عثمانيّة/طورانيّة بائدة, تحتاج المنطقة إلى مثقفيها وأصحاب الرأي ومفكريها لتتصدى وتقاوم حالات التمادي الهمجيّ/ الظلاميّ والمشاريع العنصريّة, لما وراء الحدود والعابرة لها بحجة حماية الأمن القومي والمصالح المريبة المرتبطة بالهيمنة والغطرسة والاحتلال والمشاريع القذرة…!
لقد كشفت المرحلة الحالية ألا مكان للثقافة الصفراء والمواقف الرماديّة التي تنشر كل أشكال وأنواع الميوعة والاستهلاك والاضطراب والسلبية والتصفية والهروب من مجابهة الحقائق على الأرض والارتماء في أحضان النزعة الفردية والضبابيّة ورمي طروحات بعيدة عن آلام وطموحات ومعاناة الشعب بكل فئاته وشرائحه ومكوناته! وأيضا» برهنت التجارب البشريّة على اختلافها ألا ثقافة فوق الشعب وآماله وطموحاته. وعليه لا ثقافة بدون مجتمع ولا مجتمع بدون ثقافة وكل علاقة بينهما علاقة عضويّة ولذلك يؤكد علماء الأنثروبولوجيا ومنهم مايكل كاريذرس على انفراد الإنسان بالثقافة دون سواه.
ويستمر الإيمان, بأنّ كل خطوة نحو الأمام لن يكون مالم يكن مرهوناً بثقافة حقيقيّة تحمل عناصرها كلّ أشكال النضال والمقاومة ووعي الذات والآخر وهي التي تنتشل الإنسان من حالات الضياع والتراجيديا التي جلبتها له المشاريع الاستعماريّة والظلاميّة وقوى الهيمنة والغطرسة والأنظمة الفاشية التي تحكمها عناصر مريضة بالوهم والأمجاد الشخصية البائدة! لذلك يبقى التطلع لثقافة لا يقتصر على الجانب الجمالي فقط وإنما يحمل مشروعاً إنسانياً وأخلاقيّاً ويكون مع الإنسان بآماله وطموحاته وأحلامه في الارتقاء والخلاص وفي جبهة المقاومة ومواجهة الطغاة والمحتلين وقوى الهيمنة والغطرسة وأطراف الهمجيّة والوحشيّة لأنّ المقاومة تبقى رد فعل مشروع لفعل غير مشروع على حدّ تعبير سارتر.
وفي أيامنا الراهنة وفي ظلّ ما نعايشه من مشاريع عنصريّة وظلاميّة عابرة للحدود تطالُ وجودَنا الإنسانيّ وقيمنا وثقافتنا وإرادتنا. وتقضم مدننا وأريافنا وتبقى الثقافة الحقيقيّة؛ إمَّا أن تكون مقاومة أو لا تكون!