سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

أوجلان بين مانديلا وأردوغان

محسن عوض الله –

عشرون عاماً، 7300 يوماً، 175200 ساعة مرت على اعتقال القائد الكردي عبد الله أوجلان، رقم مهول من السنين والأيام والساعات قضاها في سجن انفرادي بجزيرة إيمرالي في البحر المتوسط بتهمة الخيانة والتآمر على الدولة التركية، 175200 ساعة في عزلة إجبارية قاتلة، الثانية فيها تمر كالسنة، خلف قضبان صماء، لا أنيس فيها سوى سجان غليظ القلب، يحمل من سوء الفهم ما يجعله ينظر للرجل كإرهابي قاتل، ويحمل من الكراهية ما يجعله يتفنن في زيادة ألم الوحدة وعذاب السجن.
أجواء لا تدفع سوى لحالة من اليأس والانكسار، بل ربما قد تدفع صاحبها للانتحار والتخلص من حياة لا ترتقي لوضعية الموتى. ولكن؛ على العكس تماماً تحولت تلك القضبان إلى واحة مثمرة من الأفكار الجديدة التي غيّرت صاحبها، ونقلته من مجرد سجين سياسي لمفكر وفيلسوف صاحب نظرية تستطيع تغيير الشرق الأوسط بأكمله.
وهو نفس ما حدث مع مانديلا الذي تحول مع استمرار سنوات السجن من إرهابي يقود جناح مسلح للدفاع عن أبناء وطنه السود، أمام انتهاكات النظام العنصري في جنوب إفريقيا إلى رمز دولي للكفاح المثالي ضد التمييز العنصري، ومع تزايد الضغط الدولي اضطرت سلطات النظام العنصري بجنوب إفريقيا للإفراج عن مانديلا، ورفع الحظر على نشاطات المؤتمر الوطني الأفريقي الذي يتزعمه، ودخلت السلطات في مفاوضات مع الزعيم الأفريقي أسفرت عن تخليه عن العنف والدخول في شراكة سياسية مع النظام. وفى لحظة تاريخية من عام 1994 سطّر مانديلا تاريخ جديد لجنوب إفريقيا بعد انتخابه رئيسا للجمهورية في أول انتخابات متعددة الأعراق تشهدها البلاد.
ومن مانديلا نعود ثانية إلى سجن إيمرالي، حيث الفيلسوف أوجلان الذي نجح في كسر العزلة المفروضة عليه، وتحطيم أسوار السجن، بكلمات أقوى من المطارق، أطلق أوجلان شعاع فلسفته من خلف أسوار سجنه فصار مفكراً أممياً، وفيلسوفاً عالمياً يتحدث عنه الجميع، صنع من الأمة الديمقراطية أنيسا، ومن أخوة الشعوب صديقاً، فلم يعد سجيناً ولا معزولاً، بل قلب الطاولة، وجعل من سجانه سجين محاصر داخل قصره وإن بدا للعالم أنه حرٌ طليق، وخرج هو بفكره وكلماته لآفاق الحرية حتى وإن بقي جسده خلف أسوار المعتقل. وأثبت أوجلان أن الأسير من أسره فِكره، والسجين من حبسه عَقله، فخرج من سجن الفكر وضيق العقل بفلسفة وفكرة وضعته في مصاف الزعماء التاريخيين ليس على مستوى الشعب الكردي، بل على مستوى العالم أجمع، فلا يقل أوجلان في شيء عن الزعيم الجنوب الإفريقي نيلسون مانديلا الذي قضي قرابة 30 عاماً خلف القضبان وانطلق من السجن لقصر الرئاسة ليصبح أشهر وأهم زعيم لجنوب إفريقيا وكرمته مؤسسة نوبل بجائزة السلام.
اعتقدت تركيا أنها ستقضي على الحركة الكردية باعتقال عبد الله أوجلان مؤسس وقائد حزب العمال الكردستاني، فإذا بها تقدم خدمة جليلة للقضية الكردية ربما ما كانت لتحدث لولا تلك الحادثة التي تواطأ فيها العالم وتنازل عن مبادئ الحق والحرية التي يدّعيها. وفي الذكري الـ 20 للمؤامرة الدولية على أوجلان يجب على القيادات أن تشكر الأتراك على تلك الجريمة التي لولاها ما سمع العالم بالرجل، ولا بحث الملايين عن اسمه، وتعرفوا على فكره وفلسفته، صنع اعتقال أوجلان من الرجل أسطورة ورمز دولياً وليس كردياً بصورة صار معها أوجلان أحد أشهر السجناء السياسيين بالعالم إن لم يكن أشهرهم على الإطلاق. اعتمدت تركيا في تعاطيها مع الأزمة الكردية على سياسة القتل والاعتقال والتهجير، دون أن تجنى من تلك السياسة أمنا أوأمانا ولا سبيل سوى مراجعة تلك السياسة، والبدء في عملية سياسية شاملة تبدأ بالإفراج الفوري غير المشروط عن أوجلان، والاعتراف بحقوق الكرد كمكون رئيسي من مكونات الشعب التركي له حقوقه الكاملة غير المنقوصة كالمواطنين الأتراك. وعلى أردوغان أن يعترف بفشل الحلول الأمنية والعسكرية وأن يتخلى عن أحلامه العثمانية وتحالفاته مع القوميين المتطرفين بتركيا الذين لن يفيدوه بشيء عندما ينتفض الشعب التركي ضد سياساته وممارساته، وبخاصة في ظل التراجع الاقتصادي والأزمات التي تواجه تركيا في سياساتها الخارجية، سواء العلاقة مع واشنطن أو الصين أو التورط في المستنقع السوري.
وبعد ثلاثين سنة من الاعتقال والمطاردة لم تجد جنوب أفريقيا أفضل من مانديلا لصنع السلام في البلاد، وبدء صفحة جديدة من الحرية والمساواة بين جميع الأعراق، وطال الزمن أو قصر لن يجد أردوغان حليفا أفضل من أوجلان يصنع معه السلام وينهي عقودا من الحرب التركية الكردية، ويحمي تركيا من سيناريوهات كارثية تنتظرها حال استمرار تلك الحرب التي لن تحرق سوي تركيا وفى مقدمتها أردوغان ونظامه. وإطلاق سراح أوجلان ربما يكون طوق نجاة للرئيس التركي أردوغان من سيناريوهات مستقبلية مظلمة تنتظره، بحسب تقارير أمريكية جعلته إما قتيلا أو سجينا أو منفيا، سيناريوهات تجعل من تكرار السيناريو الجنوب أفريقيا بتركيا وارد بشدة في ظل التشابه الكبير بين المناضلين مانديلا وأوجلان.