سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

أوجلان.. عشرون عاماً على المؤامرة، من خسر الرهان؟! ـ1ـ

سيهانوك ديبو ـ صحفية حزب الاتحاد الديمقراطي –

هي مؤامرة كاملة، جريمة متكاملة الأركان، مؤامرة على شعب وقضية وقائد، جريمة اشترك في تنفيذها العديد من الدول في عشرات الجهات حتى أدت إلى اعتقال أوجلان في 15 شباط 1999. وأنت تقلّب صفحات التاريخ قلّما تجد مؤامرة تشبه هذه المؤامرة التي اتحدت فيها القوى المتناقضة واتفقت فيما بينها أشد المختلفين، وكخلاصة عقدين من الزمن، وعلى ضوء ما يحدث في المنطقة والعالم؛ يصل كل إلى غايته، إلا أن الأكثر انتصاراً هو أوجلان وفلسفته.
ليس سراً القول من محقيّن ذو خبرة كبيرة، إن أبناء الشرق الأوسط أصابهم الملل من الأيديولوجيات والعقائد؛ بخاصة بعد السنوات الثمان الأخيرة التي مرت على المنطقة والسنوات الثمان التي ستأتي، ولأن العقل يؤدي إلى الهلاك؛ والخلاص يتم عن طريق الإرادة وحدها وفق غرامشي، سجين آخر من سجناء الفاشية والاستبداد؛ فإن تمييزاً فكرياً وتنظيماً مجتمعياً يبدوان الأكثر وضوحاً وصيغ الفكر والأسلوب والاستراتيجية في فلسفة أوجلان. أوجلان أول ماركسي لم ينقلب على الماركسية؛ إنما طورّها، خلاف التطوير الظاهري والتناقض الكبير المتحقق على يد وعقل فلاديمير لينين، وذلك ينطبق أيضاً على خصمه ماو تسي تونغ. ذلك مُلاحَظ بشكل فاضح عند غالبية الماركسيين في سوريا وأحزاب يسارية في عموم المنطقة في زمن ردة اليساريين المنقلبين بلحظة إلى الجانب النقيض، وعلى ضوء مئة صفحة من مجلده الخامس (القضية الكردية في حل الأمة الديمقراطية) ينتقد أوجلان فكرة الالتزام بالماركسية اللينينية في طرحها لحل قضايا الشعوب؛ لكن دون أن ينقلب إنما بالمطوِّر، انفتح أوجلان على ابن خلدون في فكرة تحقيق الانتماء/ العصبية فرآها مطوِّراً أيضاً في أن الانتماء يتحقق من خلال خلق ذهنية العيش المشترك ووحدة المصير. وعلى الوعي عند هيغل والحكمة في رسائل إخوان الصفا، دارساً ماهية المعتزلة، وبعيون نقدية مشكِّكة لمنطق أرسطو ولمثالية أفلاطون المفرطة ورفضه لتوماس هوبز وانفتاحه على روسو. رأى في النبي زرادشت الأيكولوجي الأول بالرغم من اعجابه بأفكار موراي بوكجين في الأيكولوجيا الجذرية أو المؤسس لها، وافق أدورنو في مخاطر المجتمع الصناعي على الثقافة، رأى بعين نقدية لسر (الاضطراب الكبير) وتحليل الأنظمة العالمية عند عمانويل وآنشتاين. له موقف يميّزه من الإسلام ودعا بشكل أوضح أن يكون بالإسلام الديمقراطي؛ فيشخص ذلك من خلال: (إن إنتاج الأفكار على منوال موالاة الدين أو الخروجِ عليه يعتبر نشاطاً اجتماعياً أو أيديولوجياً ذا معنى).
إن فلسفة أوجلان في الأمة الديمقراطية تعتبر اليوم الحل لأزمات الشرق الأوسط وفي الوقت نفسه حماية كبيرة له من الحد/ الوقوف دون تبعية، في وجه مخاطر أنظمة الهيمنة العالمية الرائية في أن يكون الشرق الأوسط على طول الطريق وعرضه مكباً للأزمات واستخراج الطاقة اللازمة لها فقط. في الأوجلانية الدعوة بأن ينهض الشرق الأوسط أخلاقياً، سياسياً، إيكولوجياً، متحرراً جنسوياً ليقوم بدوره التاريخي المُتكامِل في صنع قيم الحضارة العالمية، ما يقوم به أوجلان استخراج حقيقة الشرق الأوسط الديمقراطي.
ما الذي عند أوجلان وعند الأوجلانيين حتى تخافه وتخافهم الأنظمة الاستبدادية وقوى الظلام؟

إذا كان هنالك من نتائج توفي التعريف بحقيقة الشعوب الحيّة؛ فإنها وبالمقايسة التاريخية المعاصرة الحديثة؛ لحركية الشعوب نفسها؛ ستكون هي الشعوب المنتظمة. وأما بالالتزام الذي يخلق عن طريقه الشعب المنتظم فإنه ينقسم بدوره إلى منحيين؛ أولاهما: الشعوب المُلْزَمة بما يوحي لها خارجياً؛ يقوم الخارجي نفسه بالتمهيد لذلك وجعله متجرداً من حرية الاختيار أو يصل إلى درجة لا يملك فيها رفاهية القرار. وثانيهما: الشعوب الملتزمة بحقائقها القصيّة الظاهرة أو المُغيّبة بفعل النمطية الخارجية تريدها أن تَضُلَّ عن جذورها التاريخية؛ وتحقق بحقها مسائل التبعية ومن ثم الهيمنة المستدامة عليها. في وضع هذه الشعوب فإنها تجهد بقوة كي تستنبت وتستنبط ماهيتها، ولأننا نعيش في الشرق الأوسط؛ فإن نتيجة النتائج لشعوب ومجتمع الشرق الأوسط تؤكد بأنه أكثر منطقة يجب ألا تحيا بدون التزام مع حقيقتها، وأن حالة الخواء الفكري هي الفاشية المدمرة لحقيقة الشرق الأوسط طيلة القرون السوداء، التي مرت بها هذه الشعوب على مختلف ثقافاتهم القومية الكردية والعربية والفارسية والتركية والسريان الآشورية والتركمانية والأرمنية وغيرها؛ إلى جانب ثقافاتهم ومعتقداتهم الدينية: اليهودية والمسيحية والإسلامية والإيزيدية والدرزية وغيرها؛ أيضاً.
يقول أوجلان: “فعلى كل نظام تتاح له فرصة الحل في الشرق الأوسط، أن يقوم قبل كل شيء بالمحاسبة الأيديولوجية الناجحة للقوموية والجنسوية والدينوية والعلموية الوضعية، أما في مجال السياسة العملية؛ فعليه تخصيص حيّز لنشاط المجتمع الديمقراطي غير المتمحور حول الدولة بما يتماشى وغناه الوفير”. وهنا يجب على الدوام توخي الدقة ما بين النزعة الجوفاء للمجتمع المدني؛ أي الدعوات التي تُفْرِغُ المجتمعات من مدنيتها باسم المجتمع المدني والدعوة إليه، فيما يجب على النظام الذي تُتاح له فرصة الحل أن يكون مُدرِكاً لضرورة حقيقة الثقافة الديمقراطية المحلية؛ بل يجب العمل باضطراد على تطوير هذه الثقافة. أما أولى الوظائف النوعية التي يجب تأديتها غير منقوصة فتكاد تكون الخلاص من ذهنية الفرد المتمحور حول ثقافة السلطة والدولة التي تجذبه إليها وكأنه في حالٍ نومٍ مُمغنط. مثل هذه الذهنية هي طارئة لم تُخلق من أرض الشرق بل فرضت عليه وباتت تقليداً مستمراً منذ آلاف السنين، ويعتبر مثل هذا التقليد؛ اليوم؛ أكبر العوائق المعترضة/ المعيقة/ المعرقلة في درب الثقافة الديمقراطية. سندرك حجم الإهانة الكبيرة التي نتعرض لها؛ بشكل يومي؛ حينما ندرك في البدء من أن النشاط الذي ينتج من تقليد الفرد المتمحور حول السلطة هو بمثابة التنكر من أصله المجتمعي وبالتالي فصل قيصري لإنسان الشرق الأوسط، وأن مجموع النشاطات التي تصدرها عوادم الذهنية السلطوية تشكل بحد ذاتها؛ ثقافة ثقافوية؛ نصبح من خلالها فاقدين لكل حركة، فنتحول بمجملنا إلى مجتمع خواء لا قيمة له؛ ويتعامل الآخرون معه على أساس أنه كومة من اللحم والغاز يسكنها أناس بلا أفئدة ولا عقول؛ إنما فقط أفواه. رغم هذه الفظاعة فإنه من الشجاعة معرفة حقيقتنا الحالية؛ شرط العبور إلى حقائقنا التاريخية فالمستقبلية.
الأوجلانية من سوريا؛ والأزمة السورية من حلِّ الفكر الأوجلاني
وإذا كان السوريين مدركين بمجملهم أن سوريا في هذه اللحظات تنعطف بشدة كبيرة يساراً ويميناً لا يمكن لأحد التكهن بمصيرها وأين سينتهي بها هذه الأزمة، ولكنهم ما زالوا من المفترض أنهم يسألون أنفسهم؛ أية أسباب حملتنا إلى مثل هذه النتيجة؟ ومن المؤكد أن الأصوات السياسية من المفترض أن تكون سياسية تعلو وتصرخ بأن يتم وقف هذا التدمير؛ هم؛ أنفسهم من الأساسيين الذين أدوا إلى هذه النتيجة بعد تأكيدهم بأن النظام الاستبدادي آيل للسقوط، وسقوطه مجرد أيام. والنظام الذي وسم الحراك الثوري ومطالب الشعب بأنه متبوع لثلة إرهابيين، قابلته مصفوفات معارضة وأغلبها أوجدتها الصدفة؛ أي أنهم معارضي الصدفة، وفعل حركيّة التاريخ لا يحتمل الصدف. وبات كلا الطرفين إلى حد غير مقبول مرتهناً للماورائي وممثلاً لأجندة الدول التي تدعم كلاً منهما على حدا، ولا غرابة لو قلنا بأن حجم العاطفة الممارسة والرغبة التي سادت؛ زاد من حجم الارتهان على الجهات الخارجية؛ وبالأخص؛ منها صاحبة الخطوط الحمراء، فمن دولتين وحيدتين صدر أكثر من مئة مرة خطوطاً حمراء وصدّقها البعض لآلاف المرات، ولا غرابة لو قلنا أن حجم هذه العاطفة وهذه القيادات (من الطرفين) كان صانعاً مهماً لداعش كزمرة: موجودة؛ مستأجرة؛ مستباحة، في ظلّ التغيير المستمر لمشهد التحالفات طيلة السنين السبعة المنصرمة، وكانت الأحلاف بما تحمل من تكاليف في إعادة انتاج مستمرة، فتبدلّت المسميات كثيرة من أصدقاء الشعب السوري إلى التحالف العسكري الإسلامي إلى الضامنين إلى الرعاة وغيرها. ولأن المشهد ثوريُّ في البدء وفي المتن وفي النهايات؛ لم يحتمل وجود هذين القطبين فقط أو لنقل هاتين التكويرتين فقط؛ فكان؛ لا بد من نهج وطريق ثالث ليس مع النظام وليس مع المعارضة التي تشبه النظام في كل شيء وتختلف معه من يكون في السلطة فقط، والطريق الثالث الذي ظهر في روج آفا وشمال وشرق سوريا؛ مكروه؛ محقود عليه؛ تتجنبه التكويرتين، وببساطة تخاف منه. على عكس التاريخ وشعوبها الظمآى فإنها تدرك وحدها معنى الحرية، والكُرد أكثر الشعوب في العالم عطشت لمذاق الحرية لأنها لم تعرف مذاقه، ودأبت في كل مراحل تاريخه مع الشركاء من المفترض أنهم كانوا شركاء لصناعة حرية المجتمع المتعدد. وبالرغم من أكثر من مليون كردي قتلوا في القرن العشرين وحده؛ لكنهم بقوا خارج الدوائر، وفي الوقت نفسه بقيت الشعوب الأخرى تعيش في سجون كبيرة مدراءها قيادات سلطوية ارتهنت أيضاً للخارجي الماورائي، وفعل الحرية لم يتعرف عليها السوريين أيضاً، وقد حدث جنيف واحد وانعقد جنيف اثنان وتعثّر جنيف ثلاثة، وفي كل فشل ارتفع فيه منسوب تبعثر السوريين في كل حدب وصوب وتدمرت سوريا. من المفيد أن نتناول قضية الفكر الأوجلاني في الحل السوري بالكثير من الواقعية؛ الأخيرة لا تصلح مع أصحاب الرغبات؛ مع أصحاب المواقف المسّبقة؛ مع الرؤى الاستعلائية القوموية، مع الكيديين ومع أحفاد آنكيدو، وحين الخلاص من هذه العُقَدِ؛ بالإمكان أن نتعامل اللحظة بشكل خاص بأننا أمام نهج الأوجلانية. ومن الخطأ الإحاطة بهذا الفكر على أنه مقتصر على الكرد وحدهم، لأنه أي هذا الفكر أول ما ينطلق يتناول الحالة المستعصية للشرق الأوسط؛ أزمته؛ نكوصه؛ الاستيلاء على ثقافته، وسرق حضارته، ويطرح مفتاح حل قضية/ مشاكل الشرق الأوسط ليس في الحالة الجديدة أي في وضع الشرق الأوسط الجديد هذه الحالة إنْ تكن فستكون بعد مرور أقل من خمس عقود مزدحمة بالمشاكل والاستعصاء، وتكرار المشكلة مرة أخرى لكن بأسلوب آخر. وما يطرحه أوجلان هو الشرق الأوسط الديمقراطي ومفتاح حل القضية الكردية.
أن نرى اليوم يسارياً أو شيوعياً في صفوف جبهة النصرة مُلَمِّعاً فيها ويدفعها كي تكون هي المعارضة، أن نرى انتقالات ملحوظة وسريعة كي يقفز (مدافعاً) عن القومية العربية إلى أمكنة خلف الجماعات الجهادية المتأسلمة. أن نرى قفزات بالجملة وبالمفرق تفي بالعودة المحمومة إلى حضن النظام بعد سنوات من العداوة أو إظهار المعارضة له، وغيرها من الأمثلة التي تعد بالمئات، يعني ما يعنيه بأن الفكر هو الخاطئ، وما يظهر من بعد الفكر الخاطئ يمكن تصنيفه بخانة الممارسة الخاطئة والتوغل في الفكر والإصرار على جعله بمقاس حل المشاكل التي نعانيها.
جان فالجان في رواية البؤساء لفكتور هوغو خرج من السجن بعد بقائه تسع عشر عاماً، التهمة هي سرقة رغيف خبز بعد إطلاق سراحه؛ يصبح شخصية مؤثرة في المجتمع إلى درجة كان ينظر له بأنه المخلّص، في منتصف شباط المنصرم أمضى أوجلان تسع عشر عاماً في سجنه بتهمة تبدو حقيقة اليوم لأنه استرجع الخبز الذي سرقه الديكتاتوريين والسلطويين والفاشيّات التي باتت تشكل عبئاً على شعوب المنطقة.