سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

أن تكون كردياً في تركيا

محمد نورالدين-

اعتُقلت مطلع الأسبوع الماضي ليلى كوفن النائبة السابقة عن حزب الشعوب الديمقراطية الكردي ورئيسة مؤتمر المجتمع الديمقراطي الكردي في تركيا، وحكمت المحكمة عليها بالسجن 22 عاماً وثلاثة أشهر بموجب 19 تهمة وجهت إليها، ومع منتصف الليل كانت الشرطة تقتادها من منزل زميلتها سمرا غوزيل النائبة الكردية عن حزب الشعوب الديمقراطي في (آمد) ديار بكر وتقتادها إلى المستشفى للمعاينة الطبية قبل أن ترمي بها في غياهب السجن. وتحدثت ليلى كوفن أثناء اعتقالها قائلة: “لست هاربة ولن أذهب إلى أي مكان، وسأواصل العمل في السياسة في هذا البلد سواء من داخل السجن أو من خارجه” مؤكدة على موقفها الثابت في معاداة الفاشية. اعتقلت ليلى كوفن لاتهامها بالعضوية في تنظيم إرهابي مسلح (أي حزب العمال الكردستاني) والدعاية له، ولمعارضتها عملية الجيش التركي في عفرين قبل سنتين وقد أسقط البرلمان التركي عضوية كوفن فيه وفي الرابع من (حزيران) الماضي.
يبدو أن الحملة على الوجود الكردي في تركيا لن تتوقف في المستقبل المنظور، فهذه الحملة بدأت بعد ظهور نتائج انتخابات السابع من حزيران 2015 والتي أدخلت إلى البرلمان وللمرة الأولى الكرد الذين يتبعون فكر وفلسفة عبد الله اوجلان كحزب مستقل تحت اسم “حزب الشعوب الديمقراطية” ونال 13.2% وثمانين نائباً، وكان ذلك سبباً في خسارة حزب العدالة والتنمية الانتخابات ويفقد للمرة الأولى منذ 2002 الغالبية المطلقة.
ومنذ ذلك التاريخ انفتحت أبواب جهنم أمام الحزب الكردي وتعرض لمضايقات كثيرة، وأعاد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الانتخابات بعد خمسة أشهر ليربحها، لكنه لم ينجح في منع حزب الشعوب الديمقراطية الكردي من تخطي عتبة العشرة في المئة الضرورية حينها لدخول البرلمان؛ إذ نال الحزب 10.8% و59 نائباً، وكرر الحزب نجاحه في الانتخابات المبكرة عام 2018 حيث نال 11.7 و67 نائباً، كذلك استطاع الحزب أن يسيطر على معظم البلديات الكبرى في المناطق الكردية في الانتخابات البلدية عام 2019.
لكن الخطر الكردي الداهم على موقع حزب العدالة والتنمية دفع الأخير لينسج تحالفاً باسم “تحالف الجمهور” مع الحزب الأكثر عنصرية وشوفينية في التاريخ التركي الحديث، وهو حزب الحركة القومية بزعامة دولت باهشلي، وبفضل هذا التحالف تمكن الحزبان من ضمان الغالبية المطلقة في البرلمان ومن إنجاح أردوغان في الانتخابات الرئاسية عام 2018 بنسبة 52 .%
ويمكن القول إن العداء للكرد كان الدافع الأول كي يمد حزب العدالة والتنمية يده إلى باهشلي بعد 2015 عندما أفشل باهشلي جهود المعارضة للإطاحة بسلطة إردوغان، وكان باستطاعتها ذلك لو لم يرفض باهشلي أية صيغة من صيغ الحكومات التي تحظى بدعم حزب الشعوب الديمقراطية الكردي سواء من داخل الحكومة أو من خارجها.
واتخذ أردوغان محاولة الانقلاب العسكرية عام 2016 ذريعة لتصفية خصمه فتح الله غولن، ورغم أن الحزب الكردي لم يشارك في الانقلاب ولم يدعمه، بل كان من أشد منتقديه، فإن أردوغان وجدها فرصة ذهبية لإعلان ما يشبه الأحكام العرفية وإصدار المراسيم ذات قوة القانون (KHK) والتي طالت الكرد أكثر مما طالت جماعة غولن.
ومنذ ذلك الوقت لم يعد هناك معنى لانتخابات نيابية أو بلدية، فمن فاز من الكرد وحزب الشعوب الديمقراطية في انتخابات نيابية توجه له تهمة دعم تنظيم “إرهابي” والدعاية له، فزُج بالعشرات من النواب في السجن بعد إسقاط العضوية النيابية عنهم ومن بينهم رئيسه السابق الذي اعتقل منذ أربع سنوات صلاح الدين ديمرتاش.
أما في البلديات فقد عُدّل القانون من أجل جواز إقالة رئيس البلدية المنتخب، وتعيين آخر مكانه من قبل وزير الداخلية، يكون عادة إما المحافظ أو القائمقام بحسب كبر البلدية، وحسب هذا القانون الاحتيالي أُقيل معظم رؤساء البلديات الكردية المهمة بتهم دعم الإرهاب، ليتولى المناصب بدلاً منهم موظفون تابعون لحزب العدالة والتنمية، فمن لم يسقط في الانتخابات تسقطه يد الحكومة، وكأن لا انتخابات نيابية جرت ولا انتخابات بلدية حصلت، وبعد ذلك يتحدثون عن الديمقراطية في تركيا، وما تحدثنا عنه غيض من فيض حول الممارسات القمعية للسلطة الحاكمة في تركيا ضد المعارضة، وعلى رأسها المعارضة الكردية منها، وليلى كوفن ليست الأولى ولن تكون الأخيرة.