سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

أنقرة وبايدن… هل بدأت مرحلة العد التنازلي

حلب/ رامان آزاد ـ

لم تكن خسارة الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسيّة في 7/11/2020 وتحوّل السلطةِ المرتقبِ في البيتِ الأبيض متغيّراً تنحصر نتائجه في النطاقِ الأمريكيّ، بل امتدت ارتداداته عبر العالم، بما يتناسب مع ثقلِ الولايات المتحدة، وبخاصةٍ علاقتها مع قضايا الشرق الأوسط، ولذلك كانت أنقرة أولى الدول التي تتحضّر للمتغيّر الأمريكيّ مع بدء ولاية الرئيس المنتخب جو بايدن في العشرين من الشهر الجاري.
 عودة السياسة التقليديّة الأمريكيّة
مارس النظام التركيّ خلال العام المنصرم 2020، أشكالاً مختلفة من التدخل في شؤون الدول، مباشرة وغير مباشرة، وتجاوز الحدود واحتل أراضٍ في سوريا والعراق ليبيا، وعزز وجوده العسكريّ في قطر والصومال، ولم يسلم شرق البحر الأبيض المتوسط من انتهاكاته.
وارتكزت سياسة الغطرسة التركيّة على علاقة نظام أنقرة بتأييد الرئيس الأمريكيّ المنتهية ولايته دونالد ترامب، للسياسات التركية، فضلاً عن العلاقاتِ الخاصة مع روسيا، مقابل ضعف فاعليّة الاتحاد الأوروبيّ.
وتفيد تقارير، بأن عام 2021؛ سيكون بداية الانحسار والتراجع لأسباب قوة أنقرة، فيما يتصل بسياساتها الخارجيّة. والمسألة تتوقف على موقف أمريكيّ متمايز وقوي، واتضاحِ الهوّةِ بين موسكو وواشنطن، ما يجعل أنقرة مضطرةً لاصطفافٍ واضحٍ لإحدى الضفتين والتخلّي عن الضبابيّة وسياسة الابتزازِ، وإذ لا تربط أردوغان بالرئيس المنتخب علاقات شخصيّة ستبدو المهمة أكثر صعوبة.
ساعدتِ الظروفُ الدوليّةُ والإقليميّةُ على تنامي قوة أردوغان، ولكن مع تراجع تلك العوامل خلال الفترة المقبلة، ستنحسر تلك القوة، فالرئيس الجديد لن يتغاضى عن سياسات فرضِ الأمر الواقع التي انتهجها أردوغان، وعلى الأرجح أنّه سينتهج السياسة التقليديّة للبيت الأبيض في السياسةِ الخارجيّة، ولن يكون بوسعِ أردوغان التواصل مع بايدن ساعة يشاء ويُملي رغباته، ويماطل في طلبات واشنطن كما في قصةِ القس الأمريكيّ أندرو برونسون أو التحقيق في قضية خرق العقوبات الأمريكيّة على إيران ومسألة بنك “خلق” التركيّ.
قضايا خلافيّة
من المعروف أن الرئيس بايدن يبدي حساسيّةَ خاصةً تجاه قضايا حقوق الإنسان والديمقراطيّة، والتي لم يقم لها ترامب وزناً، بقدر المصالح والصفقات، أي أنّه عمل بعقل المقاول أكثر من السياسيّ، ومن المتوقع أن يطرح بايدن تلك الملفات، التي سبق أن وصف بسببها أردوغان بالمستبد في كانون الأول 2019، وتحدث عن ضرورة دعم بلاده المعارضة التركيّة للإطاحة بأردوغان، وألا يتساهل في مسألة صفقة الصواريخ الروسيّة “إس 400″، ولم تتوقف تصريحات بايدن بخصوص تركيا عند هذا الحد، بل انتقد قرار إعادة آيا صوفيا مسجداً، واتهمها بإثارة التوتر شرق المتوسط وتأجيج النزاع في القوقاز، مطالباً بمزيد من الضغط عليها لتخفيف التوتر مع اليونان، ودعا لاستبعاد أنقرة من أيّ جهود دبلوماسية في الحرب الدائرة بين أرمينيا وأذربيجان.
من المنتظر أن يرمّمَ بايدن العلاقة مع الاتحاد الأوروبيّ فيما كانت جهود ترامب تنصبُّ على تشجيع تفكيكه، وأيّ صيغة للتنسيق بين واشنطن والاتحاد لأوروبيّ لن تنسجم مع سياسة أردوغان، وستكون قضية الكرد إحدى القضايا الخلافيّة.
وأما في الشأن الليبيّ فإنّ دعم بايدن لجهودِ الأمم المتحدة في ليبيا ستنعكس سلباً في أنقرة، وسيكون ذلك نتيجةً مباشرةً للتنسيق الأمريكيّ الأوروبيّ، ما سيسهم بوضعِ حدٍّ للعربدة التركيّة في المتوسط وكذلك ضد اليونان الشريك الأوروبيّ في الناتو.
المسألة تتوقفُ على الجهود الأوروبيّة لتجاوزِ نقاطِ الخلاف مع واشنطن، واتخاذ مواقف أكثر حزماً بالتنسيق مع البيت الأبيض، والأوروبيون ينتظرون تلك الفرصة، وكان الموقف الفرنسيّ والنمساويّ أولى إرهاصات التغيّر الأوروبيّ في جدّيةِ التعامل مع تركيا، بسببِ قضايا التجسس والتطرفِ الدينيّ التي أدّت لحوادث عنف، ومجمل قضايا الأمن. كما أنّ أوروبا تتطلع إلى إعادة التوازنِ لمواجهة التنسيق الروسيّ – التركيّ.
تركيا التي تجري الاستعداداتِ للمتحوّلِ الجديدِ ستقعُ في ارتباكٍ لجهةِ العلاقةِ مع موسكو، ما يفتح المجالَ لأزمةٍ محتملةٍ، وسبق أن دخلت علاقاتها مع موسكو في نفق التأزم في شباط 2020 عندما استهدف الطيران الروسي القوات التركيّة في إدلب وقُتل 36 جندياً تركياً ليهرول أردوغان إلى موسكو ويستجدي اتفاقاً في 5/3/2020، بدل اتفاق سوتشي الذي تآكلت خطوطه مع القضمِ التدريجيّ عبر العمليات العسكريّة. ولكن أردوغان ملزم بالتنسيق مع موسكو ليواجهَ العقوبات الأوروبيّة، وقد يطرحُ مجدداً قضية اللاجئين للتهديد بها.
ولكن ماذا لو اختارت أنقرة تدوير زوايا الخلاف مع واشنطن وأوروبا، عندئذ ستضغطُ موسكو بسلةِ الحوافزِ التي قدّمتها لها اعتباراً من مسائل الاقتصادِ وتسهيل التدخل في سوريا والمكاسب في ناغوونو كراباخ.
بالمجمل ستشهدُ الفترة المقبلة تغييرات جذريّة تصعّبُ مهمة أردوغان أكثر مما هي عليه بالفعل الآن، مع قدوم إدارة أمريكيّة جديدة تحمل معها ملفات وقضايا تختلف عن سابقتها بالمنطقة.
 عدو أردوغان في منصبٍ رفيعٍ
صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكيّة توقفت لدى احتمالات تعيينات الرئيس المنتخب جو بايدن فيما يتصل بتوجهاتِ سياسته الخارجية والأمن القوميّ، وآخرها ما تمّ تداوله عن تعيين “بريت ماكغورك” المبعوث الأمريكيّ السابق للتحالف الدوليّ ضد داعش، في منصب المسؤول عن ملف الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجلس الأمن القوميّ وهو معروف بمناوئة أنقرة.
ماكغورك، قدم استقالته لترامب بسبب الخلاف حول التعاطي مع تركيا، كان من أشد مناهضي سياسة أنقرة بالتعاطي مع الملفات الخارجيّة، وسبق أن اتهمها بتسهيل عبور عشرات آلاف “الجهاديين” الذين شكّلوا البنية التحتيّة لداعش.
وتتطلع كلّ الأطراف الإقليميّة التي تضررت من العلاقة الغامضة التي ربطت بين أنقرة وواشنطن، إلى حدوثِ متغيرات جوهريّة بالسياسة الأمريكيّة وتبني الآمال على أساس التعييناتِ التي يقوم بها الرئيس بايدن. وبخاصة أنّه يتعمّد تعيين شخصياتٍ لها خبرةٌ عميقة بالتعاطي مع روسيا وإيران، فيما لم تبدِ أنقرة ردة فعلٍ مباشرة على تعيين ماكغورك، وقد جرى ذلك لدى إعلان نتائج الانتخابات الأمريكيّة وتأخرت أنقرة ثلاثة أيام لتهنئة بايدن بالفوز.
وأعلن بايدن في 25/6/2020، تعيين أنتوني ببلينكن وزيراً للخارجيّة، وجيك سوليفان مستشاراً للأمن القومي الأمريكيّ. ويتمتع كلا الرجلين بخبرة واسعة في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، بالإضافة إلى أشخاص آخرين أعلن عن أسمائهم، أو الذين سُرّبت أسماؤهم لإدارته، يعتبرون من الوسطيين أو المعتدلين بالحزب الديمقراطيّ. ورغم أن بلينكين وسوليفان كانا جزءاً من فريق السياسة الخارجيّة لإدارة الرئيس السابق أوباما، فإنَّ ترشيحهما لا يعني أبداً استكمالاً لسياسة أوباما، بحسب خبراء أمريكيين. وكان لبلينكن ملاحظات حادة حول سياسة أنقرة، تستوجب انتباه مسؤولي السياسة الخارجيّة التركيّة. إذ قال: “العلاقة الإيجابيّة تستند على مدى تصرفات الحكومة التركية”.
العقوبات الاقتصاديّة
في 11/12/2020 اتفق قادة أوروبا على فرض عقوبات على عدد من الأفراد والشركات التركيّة التي تقوم بعملياتِ التنقيبِ شرق المتوسط قبالة سواحل قبرص واليونان. وتزامنت مع عقوبات أمريكيّة بسبب صفقة منظومة الدفاع الجويّ الروسية إس-400، بموجب تشريع يهدف لمنع شراء معدات عسكرية من موسكو. وتستهدف العقوبات الأمريكيّة القطاع الدفاعيّ، في ظلِّ أزمة كبيرة للاقتصاد التركيّ الذي يعاني تراجعاً حاداً بفعل انهيار سعر صرف الليرة، وتداعيات تفشي جائحة كورونا. ومن المتوقع أن تنعكس العقوبات على قطاعات التشغيل في الاقتصاد التركي.
سيواجه قطاع الصناعات الدفاعيّة الخطر الأكبر، لأنّ العقوبات تستهدفه بشكل أساسيّ، وظهر ذلك في حظر المؤسسات المالية الأمريكيّة من تقديم قروض لإدارة صناعة الدفاع التركيّة والتي تتجاوز 10 ملايين دولار. كما تم منع البنوك الأمريكيّة، وفي الصدارة منها بنك التصدير والاستيراد، من تقديم المساعدات المخصصة لمصلحة تطوير القطاع الدفاعيّ التركيّ، إلى جانب حظر إصدار قروض للحكومة التركيّة من قبل الكيانات المالية العالمية، بحال وجود شكوك حول استخدام هذه القروض بالقطاع الدفاعيّ.
توفر الصناعات الدفاعيّة مجالاً مهماً لتشغيل العمالة، وتنمية المهارات، إضافةً لمواجهة مخاطر تراجع موقع تركيا كسوق لتوطين اقتصاديات تكنولوجيا الصناعات الدفاعيّة. وبلغة الأرقام وفرت عوائد الصادرات الدفاعيّة مصدرًا رئيسيًا لتوفير العملات الأجنبية، وسجلت 2.2 مليار دولار عام 2018، وقفزت إلى 3 مليارات دولار بنهاية عام 2019، بحسب بيانات جمعية المصدّرين الأتراك. والعقوبات قد تعطّل قدرة أنقرة على بيع السلاح للخارج. وقد تلتزم دول أوروبا طوعياً بمنع رخص التصدير لقطاعات الصناعة العسكريّة التركيّة في سياق الحرص على العلاقات الودية مع الولايات المتحدة.
وقد تلجأ أوروبا إلى خطواتٍ تصعيديّة في القمة الأوروبيّة المقرر انعقادها آذار 2021، وتتخذ إجراءات عقابيّة أكثر قسوة ضد تركيا، قد تصل إلى مستوياتٍ غير مسبوقةٍ مع تولّي إدارة بايدن الحكم في واشنطن. وقد يدعو الاتحاد الأوروبيّ الرئيس الأمريكيّ المنتخب جو بايدن لتطبيق إجراءات فاعلة ضد مخاطر التوسع التركيّ شرق المتوسط، وتجاوزات أنقرة في صراعات المنطقة.
خطوات تركية تحضيريّة
جملة من الإجراءات التحضيريّة أقدمت عليها أنقرة، منها تغييرات حكوميّة أهمها الاستقالة المفاجئة لوزير الماليّة بيرات البيرق في 8/11/2020 مؤشرٌ أوليّ على التحول بالنهج، فالسياسيّ العضو بالحكومة وصهر الرئيس أردوغان فشل طوال سنوات بإيجاد حلول للوضع الاقتصاديّ الكارثيّ. ورغم ذلك حظي بتقدير أردوغان بسبب علاقاته الجيدة مع البيت الأبيض، عبر تواصله المنتظم مع صهر ترامب جاريد كوشنير. وبنهاية ولاية ترامب استهلكت علاقات البيرق مع الجانب الأمريكيّ ووجبت إقالته، رغم أنّ البيرق برر استقالته بمشاكل صحيّة.
الخطوة الثانية كانت سعي أردوغان إلى إصلاح العلاقة مع السعودية، التي تدهورت بشدّة بعد سلسلة أحداثٍ، أحدها مقتل جمال خاشقجي في القنصلية السعودية بإسطنبول في 2/10/2018. وردِّ الرياض بمقاطعة غير رسميّة للبضائع التركيّة بالمنطقة. وعززت تركيا علاقاتها مع قطر، التي استهدفها عزل السعودية والإمارات ومصر والبحرين منذ عام 2017.
فيما اشتركت أنقرة والدوحة في دعم تنظيم “الإخوان المسلمين”، الذي تعتبره دول الحصار الأربعة إرهابيّاً. وفي مؤشر لتحسن العلاقات اتصل أردوغان بالملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود لشكر المملكة على مساعدتها في أعقاب الزلزال الذي ضرب إزمير، ومع ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة للتعزية بوفاة رئيس الحكومة، بعد اتصال أردوغان بالملك سلمان، قال وزير الخارجية السعوديّ الأمير فيصل بن فرحان “إنّ العلاقات السعودية التركيّة “طيبة ووديّة”.
وفي طريق إعادة ضبط العلاقة مع “إسرائيل” (وواشنطن)، عيّنت أنقرة في 9/12/2020 سفيراً جديداً لها لدى “إسرائيل” في خطوة هي الأولى من نوعها منذ أن تراجعت العلاقات الدبلوماسية وخفّضت أنقرة مستوى التمثيل الدبلوماسي مع تل أبيب إلى قائمٍ بالأعمال عام 2017، رغم استمرار العلاقاتِ الجيدة في المجالات الاقتصادية والعسكرية والأمنية، كما تربطهما عدّة اتفاقياتٍ في هذه المجالات أيضاً، وتأتي هذه الخطوة تماشياً مع الجهود المبذولة لتطبيع العلاقات معها وتسجيل نقاط مع الإدارة المقبلة للرئيس الأمريكيّ المنتخب بايدن.
كما أن النشر العلني لقصة المعارض الإيرانيّ التي سرّبها لأول مرة مسؤول تركيّ إلى صحيفة “واشنطن بوست”، يشير إلى أنّ أنقرة تحرص على إظهار اتخاذها إجراءات صارمة ضد إيران بالوقت الذي تسعى فيه إلى بناء جسور مع إدارة بايدن المقبلة.
الكرة الآن في ملعب أردوغان، الذي سيتعين عليه إعادة النظر في ملفات كثيرة، مثل سوريا والعراق وليبيا وحقوق الإنسان وحرية الصحافة والناتو، إذا ما أراد كسب إدارة بايدن الجديدة، التي لن تكون متساهلة مع ما يعكر تقدمها نحو تحقيق أهدافها الخارجيّة.