سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

أمهاتنا تمنحننا الحياة والمحاكم الجائرة تسلبها

أفين يوسف –
هل فكرتم يوماً ما هو شعور شخصٍ ينتظر حكم الإعدام؟
هل فكرتم كيف ينام وهو يعد الأيام أو الساعات المتبقية لحياته، وكيف يأكل أو يشرب وهو يعلم أن ذلك الغذاء لن يساعده على البقاء طويلاً؟
كيف يرى في كل غفوةٍ حبل المشنقة ملفوفاً حول رقبته، فيستيقظ مفزوعاً مرعوباً يتلمس عنقه وكأنه كان للتو معلقاً فيشعر بوخزات الموت تخنقه وتمنعه من التنفس؟
وهل وضعت نفسك أيها “الإنسان” يوماً مكان تلك الأم التي تترقب موعد إعدام ولدها؟
نعم؛ إنها الأم التي أنجبت ذلك الشاب المحكوم بالإعدام وربته وعلمته أن الحياة جميلة، وأن الإنسان هو أجمل المخلوقات، وأن من حقه العيش بحرية، الأم التي أرضعته حليب الإرادة والقوة والعزيمة عندما كان طفلاً، فكبر حاملاً معه كل أحلامه وأمانيه بالعيش حياةً كريمةً يسودها العدل والديمقراطية، لكن؛ وما إن كبر ذلك الطفل حتى اكتشف أن ما قالته له تلك الأم لا يتعدى الأحلام والأماني، فيصطدم بالواقع المرير، واقع الدولة والحكومات والسلطة، فتلك الحياة التي ظن أنها ستستمر بعفوية الأطفال، تتغير إلى صراعٍ بين طموحاته وخياله ومستنقع الحقيقة الآسن الكريه الرائحة.
لا تتقصد الأم رسم الأحلام الخرافية لأبنائها، بل هي تربيهم على ما يجب أن يكون حقيقة وأمرأً طبيعياً، هي الغريزة الطبيعية التي احتفظت بها منذ بدء الكون والبشرية، وهي مرادفة الطبيعة وملازمتها، تلقائية في العطاء، وتعلم جيداً ما الذي تربي أولادها عليه، هي لا تستغفلهم أو توهمهم بما هو غير موجود، بل تمنحهم الحرية التي من المفترض أن يمارسوها لنهاية العمر، لكنها كما أبنائها؛ تُصدم بالقوانين التعسفية والقمع والعبودية والسلطة وطمس الحريات.
الأم اليوم؛ تُفجع بأولادها الذين يقتلون أمام ناظرها، يتمزق قلبها المليء بالحب والعطاء فتتخبط داخله مشاعر الكره والضغينة والألم واللوعة، فبأي حقٍ يسلبونها فلذة كبدها؟
نفذت إيران خلال نحو أربعة عقود مئات أحكام الإعدام بحق معارضيها السياسيين بتهم زعزعة الأمن وتهديد استقرار الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ولا تزال حكومة طهران مستمرة في تنفيذ أحكام الإعدام بكثرة رغم إدانات المجتمع الدولي، فيما تحرِّم كلّ التشريعات الدولية عقوبة الإعدام.
وما بين إقرار الحكم وتنفيذه يعيش المحكوم حالة صراعٍ بين الموت والحياة، فيرى الموت أقرب له من أنفه، ويقبع في سجنه بانتظار تنفيذ الحكم، بينما تجلس الأم حائرة لا حول لها ولا قوة، فكيف لها أن تحرر فلذة كبدها من تلك القيود؟ وكيف لها أن تحصي أيامه القليلة المتبقية دون أن تتألم، فتبقى مكبلةً، متوجسةً، مقيدةً لا تستطيع أن تحرك ساكناً، تتمنى أن يتوقف الزمن، عسى أن يطيل ذلك عمر ابنها، أو أن يتغير القانون بقدرة قادر فيفرج عنه لتحتضنه بقلبها من جديد، تتمنى لو يكون الله عادلاً ويقوم بمعجزةٍ ما ليعود إليها ولدها!!.
عندما تشاهد أماً تقف حاملةً صورة فقيدها، وتسمع صوتها وهي ترثيه بترانيم مؤلمة، وتقف على ثرى قبره شامخةً فخورةً به، وتتحدث عنه وعن مقاومته وعزته وكبريائه وعدم رضوخه للظلم والاضطهاد، كل تلك الصور تعبر بداخلك كالعاصفة، وتختلج في دمك مشاعر مختلفة ما بين الألم والحزن، والعظمة والقوة والإصرار، وأحياناً كثيرة تعتريك مشاعر الحقد على تلك الأنظمة الظالمة.
أجل؛ كثيراتٍ هنَّ الأمهات اللاتي تمر عليهن تلك المراحل، وتشهدن كل ذلك الظلم بحق أبنائهن، وأكثرهن هنَّ النساء الإيرانيات، حيث تشهد إيران أكثر أحكام الإعدام في العالم حتى أنها تصدرت القائمة، وحطمت الرقم القياسي في تنفيذها،  فمنذ تولي حسن روحاني سدة الحكم عام 2013م تضاعفت نسب الإعدام في إيران، إذ أعدم 624 شخصاً عام 2013م مقابل 314 شخصاً عام 2012م. كما تشير تقارير منظمة العفو الدولية إلى أن طهران أعدمت في فترة ما بين 2006 و2016م أكثر من 1230 شخصاً، ومن جهتها أبلغت متحدثة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في إيران أسما جيهانغير الجمعية العامة للأمم المتحدة أن إيران نفذت 435 حكم إعدام منذ مطلع عام 2017م. وأكدت أسما أن من بين الذين نفذت فيهم الأحكام أربعة أحداث على الأقل، وأن 86 شخصاً من الأحداث ينتظرون عقوبة الإعدام.
كما تشير تقارير المنظمات الدولية إلى أن معظم أحكام الإعدام التي تصدر في إيران تكون بعد “محاكمات جائرة تفتقر للتحقيق المناسب، أو أن المتهمين فيها قد اعترفوا بالتهم الموجهة ضدهم تحت التعذيب والإكراه، أو عن طريق تضليلهم للإدلاء باعترافات لا أساس لها من الصحة قبل مثولهم أمام المحكمة”. وأكدت منظمة العفو الدولية أنّ هذه المحاكمات معيبة إلى حدٍ بعيد، فكثيراً ما يُحرم المتهمون من حق توكيل محامٍ للدفاع عنهم. كما تفتقر المحاكم الإيرانية إلى الإجراءات المطلوبة فيما يخص الاستئناف وتخفيف الأحكام. لهذا تتنافى أحكام الإعدام في إيران مع أبسط مقومات حقوق الإنسان في الحصول على محاكمة عادلة.
حكومة الملالي تقف يومياً في مواجهة إرادة ومقاومة شبانٍ يستقبلون الموت بكرامة، شبانٍ يقبلون حبل المشنقة قبل أن تلتف حول أعناقهم، يقبلونها لأنها أحنُّ عليهم من تلك الأنظمة، وتلك المحاكم الجائرة التي لا تهزُّ كيان محلَّفيها دموع أمهاتٍ يرثين أبنائهن، ولا يرف لهم جفنٌ لمنظر شاب تزهق روحه!!.
أين هم دعاة الإنسانية في العالم مما يحدث في إيران؟ وأين الشعب الإيراني مما يجري بحق أبنائهم يومياً؟ ألم يحن الوقت للنهوض ونفض غبار الظلم عن أنفسهم؟ ألم يحن الوقت للثوران في وجه الطغاة الدمويين؟ ألم يحن الوقت لكسر قيود العبودية والوقوف صفاً واحداً لنيل حريتهم واسترجاع كرامتهم؟