سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

أطفال التوحد.. خذوا بأيديهم ليخرجوا من عالمهم

جل آغا/ غزال العمر-

“لا تخجلوا من أولادكم الذين يعانون من أطياف التوحد؛ ولا تغلقوا عليهم الباب واصبروا على تعليمهم”، وقدموا لهم الدعم المادي والمعنوي
النظرة المجتمعية
المعلمة نوروز محمد حسو (35 عاماً) من ناحية كركي لكي، التي تعمل بمركز هيفي لتأهيل أطفال التوحد في معبدة منذ سنتين التي تحدثت لصحيفتنا ناشدت المجتمع بقولها: “يجب على الأهالي تخطي مسألة النظرة المجتمعية وأن يفكروا بمصلحة أطفالهم”.
 وللأم (هـ . م) من أهالي ريف ناحية كركي لكي ذات الأربعين عاماً موقف مختلف فتحدثت عن حالة طفلها؛ فعندما تبين من خلال الفحص الطبي بأنّ تأخر ابنها بالكلام يعود سببه لتوحد طفيف في النطق تم تصنيفه بالخفيف، بحثت عن مركز خاص يؤهل مثل حالات هؤلاء الأطفال، فالمدارس العامة لا تقبلهم ولا وجود لمدارس خاصة ترعاهم.
صعوبات وسعادة
كثيرون من لديهم أولاد يعانون من التوحد، لكن ليس لدى الجميع القدرة على تعليمهم بمراكز خاصة؛ فالوضع الاقتصادي صعب، وأشارت الأم في معرض حديثها: “نعاني كأهل من الغلاء وصعوبة المواصلات وبُعد المكان، لكننا مجبرين على ذلك”.
وتابعت (هـ . م): لكني لا أستطيع ترك ابني دون تعليم، وخاصة بأنّه يتحسن ويستجيب وبدأ بالنطق؛ وهذا ما يخفف من تعبي ويسعدني كأم، لذا: “أشجع كل من لديه طفل مريض يمكن تأهيله على متابعته وتعليمه؛ ومحاولة دمجه بالمجتمع”.
 “برنامج عالمي”
“خضت تجربة تدريس الطلاب العاديين سابقاً، وهي تختلف تماماً عن تجربة تعليمي لأطفال لديهم احتياجات خاصة؛ كالتوحد ومتلازمة داون وغيرها من المشاكل النطقية والسمعية، فالجهد في هذه الحالة مُضاعف”، هكذا وصفت لنا المعلمة نيروز عملها، مضيفةً بأنّ رؤيتها نتائج عملها وثمرة تعبها مع أطفال التوحد وسعادتها بذلك لا توصف، وتختلف عن التعامل مع الطلاب العاديين الذين يتوقعون  منهم النتائج المرجوة كمعلمين.
وعن البرنامج المتبع في تعليم هؤلاء الأطفال قالت المعلمة نوروز: “نستخدم البرنامج العالمي “لوفاس”، في عملنا والذي نضع على أساسه خطتنا التعليمية وأهدافنا السنوية”، حيث يتم تشخيص الحالة والنقص الموجود لديها من مهارة معرفية أو سلوكية سمعية أو نطقية، والعمل على نقاط الضعف بجلسات فردية؛ ثم تتم عملية الدمج للتعليم الجماعي والنشاط التربوي.
“نمد أيدينا للتعاون”
 وللإداري في مركز هيفي الأخصائي النفسي “صباح عبد الرحمن“؛ أخصائي في تقويم الكلام والنطق؛ كلمة عتب وأسف توجه بها للجهات المعنية والمنظمات التي تُعنى بحقوق الطفل قائلاً: “هدفنا من فتح المركز ليس مادياً بحتاً، وإنما إنساني، فمن حق هؤلاء الأطفال التعلم، ويدنا ممدودة للتعاون”، وتابع كلامه بأسى: “حاولنا التواصل والتنسيق مع أي جهة أو منظمات ترعى تلك الحالات لكن دون جدوى”.
المركز يستقبل الحالات منذ سنتين ونصف تقريباً، وإقبال الأهالي جيد، حيث يستقبل ما يزيد على الثلاثين حالة سنوياً، وتم تخريج قسم منهم ليتابعوا تحصيلهم العلمي في المدارس العادية، ولكن انتشار وباء كورونا والحظر كان سبباً في تراجع المستوى الذي حققوه مع الأهالي وأولادهم، مما جعلهم يعودون لنقطة البداية مع كثير من الحالات. الانقطاع لا يصب في مصلحة طفل التوحد الذي يتميز بالعند والشراسة أحياناً، لأن ذلك يتسبب بانتكاس حالته وتراجع مستواه، فهذه الحالات تحتاج الدعم والمتابعة باستمرار.
وشرح  الدكتور بأن طفل التوحد يكرر أعمالاً سلوكية نمطية؛ ليلفت النظر إليه ليخرج طاقة ما بداخله حتى لو كانت سلبية، كما وصفه، وليس كل أحد يستطيع تفهمه.
وضع معيشي صعب
التوحد مملكة لها سورها الحديدي الذي يصعب اختراقه دون معرفة ودراسة، فهو: “اضطراب نمائي يسبب خللاً في الجهاز العصبي لم تعرف أسبابه، والأبحاث العلمية بخصوص هذا المرض مستمرة”. وتحدث الدكتور صباح عبد الرحمن عن الوضع المعيشي والاقتصادي الصعب وطالب مع كادره التعليمي بفتح مراكز عامة، ودعم لهؤلاء الأطفال الذين لهم حق بإعادة التأهيل والدمج مع أقرانهم، فالظروف لا تسمح للجميع بتسجيل أطفالهم بمراكز خاصة.
“أحب معلمتي”
ولا يعتبر مركز هيفي الوحيد الذي يستقبل مثل هؤلاء الأطفال، بل يفتح مركز آمالنا أبوابه بكركي لكي، هو الآخر لا تختلف همومه ومشاكله وصعوباته عن مركز هيفي؛ مثل قلة الدعم والرعاية، حيث يحاول القائمون على عمل المركز من إداريين ومعلمات إخراج هؤلاء الأطفال من قوقعتهم الخاصة؛ وهذا ما لاحظناه عند حديثنا مع طلاب المركز حيث قالو: “أحب الآنسة”، قالتها الطفلة رتاج علي بكلّ عفوية تعبيراً عن محبتها لمعلمتها التي تهتم بها وترعاها.