سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

أشبال الخلافة… من حبِّ الموت إلى عشق الحياة

تقرير/ ميديا غانم – جوان محمد –
روناهي/ قامشلو – أطفال كانوا كالورود.. تنمو في بستان الحياة ومجتمع بعيد عن الحروب والقتل والإجرام، ابتعدوا عن طفولتهم بيد طغاة عشقوا ثقافة الموت… طموحات ومستقبل كان على حافة الهاوية. ولكن؛ في الدقائق الأخيرة تم إنقاذهم من قبل من يعشقون الحياة وإعادة بناء الإنسان من جديد، أشبال الخلافة ـ أطفال داعش ـ كيف تم تجنديهم وتسخيرهم لخدمة أجندات متطرفة ومعينة من قبل داعش!!، وكيف تم إعادة الطفولة إليهم بوسائل علمية وإنسانية في مركز هوري لحماية وتعليم الأطفال في إقليم الجزيرة؟!. صحيفة روناهي تدخل المركز وتحاور البعض من أشبال الخلافة سابقاً.

معاً نبني مستقبل الأطفال
تلك العبارة المكتوبة على آرمة المركز لفتت أنظارنا كثيراً، فهي تدل على نمط فكر وفلسفة الذين يديرون روج آفا والشمال السوري، بأنهم هنا لبناء حياة جديدة في داخل الإنسان، بعيداً عن العنصرية والصراع الطائفي وحب قتل الآخر والتنكيل به، من من البشرية لا يخطئ. ولكن؛ الأهم كيف تعالج خطأه، وكيف تبعده عنه وما هي السبل لذلك؟؟؟، إنهم جندوهم لقتل الآخرين، ويسعى مركز هوري لحماية وتعليم الأطفال في تل معروف التابع لمقاطعة قامشلو لجعلهم متمسكين بالحياة وحب الآخر ومساعدتهم والوقوف بجانبهم.
الطفل ناصر حمود من مدينة الرقة انتسب لمرتزقة داعش في عام 2017م، بعدما ترك الدراسة وبات يعمل مع خاله في أحد محلات الخردة قبل الثورة السورية التي حرفت من قبل مرتزقة المعارضة، ومع وصول الصراع لمدينته توجه إلى تركيا مع أهله، ومن ثم عادوا بعدما أصبحت محتلة من قبل داعش، وهنا تبدأ الحكاية وكيف انتسب؟، ذكر حمود أنَّه وجد ابن عمه منتسباً لصفوف مرتزقة داعش وقام بالتأثير عليه وإغرائه بالمال والذي كان راتبه الشهري خمسين دولاراً، وكل ذلك لينتمي لصفوفهم، وبالفعل دخل ناصر وتم تجنيده، وأشار إلى أنَّه خضع لدورة تدريبية في معسكر بمكانٍ سموّه «مكتب ولاية شؤون حلب المتواجد عند الساعة» لمدة عشرين يوماً تلقوا هناك دروساً شرعية على يد المرتزق عبد الرحمن التونسي ومرتزق آخر حمصي واسمه أبى عبد الرحمن الحمصي، وضمن المعسكر الذي كان منخرط فيه؛ 30 شخصاً من مختلف الأعمار، وتابع حمود: «وبعدها قالوا نريد انغماسيين فخرجت أنا وستة أطفال آخرين معي، وتوجهنا إلى مدينة حماة، وكنا حوالي50 طفلاً، وكانت التدريبات في مغارات هناك، وتدربنا على كيفية استخدام السلاح وعمليات الاقتحام والانسحاب، وترأَّس المعسكر آنذاك مرتزق من إندونيسيا وكان لقبُه أبا بكر الإندونيسي، ومعه آخر من حمص من منطقة الحولة الملقب بأبي بكر الحمصي، ووسط التدريبات كانت دائماً تُزرع في رؤوسنا أفكارٌ مفادها أنَّ الكرد كفارٌ ويجب قتلهم أينما كانوا ومثلهم قوات النظام، وعليكم الانتحار والموت وعدم الوقوع بأيديهم»، مضيفاً: «قبل الانتساب رأينا كيف كانوا يجلبون الناس وهم مقطوعو الرؤوس ويتم تعليق رؤوسهم في دوار النعيم بالرقة وأغلبهم كانوا من الفرقة 17 التابعة لجنود النظام»، وقال: «بعد الانتهاء من التدريبات هناك توجهنا إلى الطبقة وبعد أيام تم محاصرتها من قبل قوات سوريا الديمقراطية و كنت مجهزاً ومعداً لتفجير نفسي، حيث كنت لابساً حزاماً ناسفاً، وبعدها أصبت فقمنا بالهروب، ولكن في الطريق تم اعتقالنا من قبل قوات سوريا الديمقراطية، ولم يتسنى لنا تفجير أنفسنا لأنَّنا لم نكن نتوقع أن يتم اعتقالنا وكان برفقتي تسعة آخرون».
كما أفادنا أيضاً بأنه تم مداواته من الإصابة، وبعدها تم تحويله للتحقيق من قبل قوات التحالف من ثم لكوباني، حيث مكث في أحد السجون خمسة أشهرٍ وأجريت له عملية في رجله المصابة، ليتم نقله إلى إقليم الجزيرة ومركز هوري، وأيضاً خضع لعملية أخرى وتماثل للشفاء من الإصابة، وأضاف ناصر الحمود: «إنني هنا في هذا المركز منذ 11شهراً، وتغيرت من النواحي والجوانب كافة، حيث نتعلم دروساً في الأدب والأخلاق ومعرفة الصح من الخطأ وأصبحت إنسان آخر وبخاصةٍ بعد مقابلتنا بطيب المعاملة عكس ما كان مزروعاً في عقولنا من قبل المرتزقة»، وأكد:على أنَّ «هدفه بعد الخروج وقضاء محكوميته والتي هي ثلاث سنوات بناء مستقبل جديد بعيد عن سياسة القتل والدم».
قصد مكة المكرمة!!
المفارقة التي حصلت معنا أثناء إجراء المقابلات كانت مع الطفل القادم من إندونيسيا والذي جاء برفقة والده ووالدته وشقيقتيه وكذلك جده، من تلك الأراضي البعيدة قصدوا أراضي روج آفا والشمال السوري والهدف كان (مكة)، ولندع القصة تروى من قبل جلال فاضل وكيف ولماذا أتى مع أهله إلى سوريا؟؟؟، فقال: «اسمي جلال فاضل عمري 15 سنة من إندونيسيا وانطلقنا منها إلى تايلاند، من ثم إلى تركيا ومكثنا في غازي عنتاب حوالي بضع ساعات، لنصل أخيراً جرابلس ومن ثم إلى الرقة، وكل ذلك حصل بسبب صديق من سوريا كان يتصل بوالدي ويدعوه للمجيء إلى مكة»، وكان القصد سوريا، وتابع فاضل حديثه قائلاً: «عند وصولنا لسوريا كان عمري 12 سنة، من ثم انتقلنا إلى حمص ودخلنا بتدريبات خاصة بمعسكر أشبال الخلافة وكنا حينها عشرين طفلاً من إندونيسيا وكانت أعمارُنا تتراوح ما بين10 إلى15 سنة، براتب شهري 10 آلاف ل.س، وتلقينا هناك تدريبات على السلاح ودروس تعليم اللغة العربية والشرعية من قبل مرتزقة داعش، بالإضافة لإعطائنا مقاطع فيديو لذبح الناس على أيديهم، لتعلم كيفية القتل، وكانوا دائماً يقولون لنا: إنَّ الكردَ كفارٌ ويجب قتلهم، بعدها انتقلنا إلى قرية صور في دير الزور واعتقلنا هناك من قبل استخبارات قوات سوريا الديمقراطية، أمي تُوفيت قبل شهر من اعتقالنا بمرض عضال في قرية شعيطات بدير الزور، وأبي حالياً متواجد في أحد السجون في إقليم الجزيرة وكان يعمل في إندونيسيا مصلحاً للسيارات، وهنا كان مقاتلاً مع داعش من ثم تولى ورشة تصليح سياراتهم، وأما جدي وشقيقتي فهم الآن في أحد خيم النازحين واللاجئين في روج آفا، وهو مخصص لعوائل مرتزقة داعش»، ونوه: «جل ما أتمناه أن أتصل مع شقيقتيَّ وجدي لأنني لم أتصل بهم حتى الآن»وأنا هنا في المركز أحس براحة تامة وتعلمت اللغة الكردية ولكن أود إتقانها أكثر، وأتلقَّى دروساً في الفكر والأخلاق جعلتني أتغير وأطرد تلك الأفكار السوداوية التي زرعها داعش من ذهني، وفي حال خروجي والعودة لبلدي أتمنى أن أكمل دراستي، وأصبح طبيباً أو لاعب كرة قدم مشهور».
الأب يعلِّم طفله كيف يقطع الرؤوس!!
البيئة التي يتربى فيها الطفل توحي كيف سيكون في تعامله وإلى ماذا سيربو، الأب متزوج من ثلاث نساء وهو أمير في صفوف مرتزقة داعش، الطفل يراهم يقطعون الرؤوس فكيف وأي طفل سيكون نتاج هذا الفكر المتخلف والجاهلي؟؟، الطفل مؤيد حسن ابن 14 ربيعاً من مواليد دير الزور ولكنه من سكان الطبقة، يكشف عن تفاصيل كيفية انضمامه لصفوف المرتزقة وعبر من؟؟؟، وأفاد لصحيفتنا «روناهي» قائلاً: «انتسبت لداعش عن طريق والدي الذي كان أميراً لديهم وكان عمري وقتها 11 عاماً، وتلقيت التدريبات في كري سبي وريفها في ثلاث معسكرات عسكرية وكانت دروس شرعية وسلاح، والأهم (الكرد ملحدون)، كان يتم تلقيننا ذلك بشكلٍ دائم، المعسكرات كان فيها ثمانون طفلاً من بينهم واحد فرنسي، ومن كان يدربنا هو المرتزق أبو عبيدة المصري، وبعد انتهائنا للتدريبات تم ضمي إلى كتيبة وهي لمختلف الأعمار واسمها عمر بن الخطاب، وهناك شاهدت كيف تم قطع رأس مواطن من الطبقة بتهمة التخابر مع النظام على يد المرتزق أبى النور وهو كان أمير الكتيبة هناك»، ونوه قائلاً: «شاهدت المنظر نفسه من قبل والدي الذي كان أميراً أيضاً في الطبقة وهو مازال معهم حتى الآن، فقد قام بذبح ثلاثة من جنود النظام البعثي أمام عيني اثنان منهم من حماة والآخر من دير الزور، وكان والدي يخبرني بأن ما يفعله أمرٌ اعتيادي ولا يجوز أن أخاف وكان هدفه تعليمي ذلك، ووالدي كان لديه فتيات من الإيزيديات اشتراهن وقدم إحداهن هدية لشخص من الحسكة».
وتطرَّق إلى عملية اعتقاله وقال: «كنت في زيارة لأشقاء والدتي وتم اعتقالي على يد استخبارات قوات سوريا الديمقراطية في الطبقة، وقد تم تحويلي إلى مكتب التحقيقات ومكثت في سجن الطبقة لشهرين من ثم يوم واحد بكوباني وأخيراً تم نقلي لمركز هوري»، وأضاف: «هنا أحسُّ بالراحة وأفكاري كلها قد تغيرت ونسيت حقبة القتل والذبح ولا أود العودة لوالدي، بل سوف أرجع لأشقاء أمي، وأطمح أن أكون لاعباً لكرة القدم».
هدفنا خلق مجتمع سوي
وأيضاً التقينا بالإداري في المركز مصعب خلف الذي حدثنا قائلاً: «يبدأ برنامجنا اليومي من الصباح الباكر الساعة السابعة، حيث يُؤخذ التفقد للجميع ومن ثم تبدأ الرياضة الصباحية ولنصف ساعة، ومن ثم يبدأ الفطور في الثامنة صباحاً وفي التاسعة يبدأ التعليم فمنهم أميين لا يعرفون القراءة والكتابة فهؤلاء لديهم حصص إضافية لتعلُّم الكتابة والقراءة»، وقال مصعب: «نظامنا مشابه جداً للنظام المدرسي»، وأضاف: «هناك أوقات يمارسون فيها هواياتهم وأنشطتهم المختلفة كلٌ حسب رغبته، وهناك مكتبة كبيرة في قاعة التدريب، وأيضاً مكاتب صغيرة في كل غرفة تحتوي على قصص أطفال وكتب علمية وثقافية مختلفة ليتثقفوا منها، وقد حُدِّدت لنا فترة لمشاهدة التلفاز، حيث وُضِع برنامج خاص للأطفال من عمر11 إلى 14 سنةً حيث يشاهدون أفلام الكرتون، أما الأكبر سناً فلهم توقيت خاص بهم وهم يشاهدون برامج رياضية ومسلسلات اجتماعية»، كما أكد خلف على أنَّ لهم أوقات محددة للزيارة من قبل عوائلهم وذلك في يوم السبت، ويسمح لهم بمكالمات هاتفية يومي الثلاثاء والأربعاء، ونوَّه إلى أنَّ عدد الأطفال في المركز حوالي 70 طفلاً و أعمارهم من 11إلى 17سنة ومعظمهم ألقي القبض عليهم مع ذويهم ومنهم من ماتت عوائلهم في الاشتباكات، وأكثرهم كان يقاتل مع داعش بهذه السن المبكِّرة، والبعض كانوا انتحاريين، حيث ألقي القبض عليهم مع أحزمتهم الناسفة، وأغلبهم من المناطق المجاورة وهناك أيضاً من الدول الأخرى، كما ذكر أنَّ هناك قانوناً خاصاً للأحداث من قبل المحكمة، فأكبر عقوبة مدتها سبع سنوات، وكل هذا مرتبط بسلوكهم هنا وأسلوبهم في التعامل وحكم الإداريين والمشرفين والمدرسين عليهم من ناحية تغيير ذهنيتهم وكل هذا يُخفِّف كثيراً من مدة الحكم عليهم، أما عن الصعوبات في المركز فقال: «لا ننكر أنَّ هناك صعوبات عدة نواجهها معهم بسبب صغر سنهم الذي يتطلب رعاية خاصة ولكن المشرفين يسيطرون على هذه المشاكل ويحاولون قدر الإمكان خلق جوٍّ أسري بينهم، ولحسن معاملتنا معهم من مدرسين ومشرفين وإدارة نرى أنه قد طرأ تغييرٌ كبيرٌ عليهم وبمدة قصيرة لم نكن نتوقَّعها حيث نرى أنَّهم ارتاحوا كثيراً معنا هنا».