سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

أساليب البحث عن الحقيقة… الأسلوب الميثولوجي

آمد عرب (كاتب)-

تُعد الحقيقة من أكثر المواضيع اهتماماً وموضع بحث لدى الإنسان، وتأخذ حيزاً واسعاً من تفكير وتعمق البشرية، وهي الهدف الأسمى لكثير من الناس يطلق عليهم تسمية “الباحثون عن الحقيقة”، فالوصول إليها يعني الفهم الصحيح لكل جوانب الحياة وأسرارها وأسباب الوجود وترسم الطرق الصحيحة لسير الإنسان في هذا الكون الممتلئ بالأسرار الذي جعلته يفكر في خضمها ويعطيها المجال الأوسع من تفكير ولتفسير كثيراً من الظواهر الطبيعية.
البحث عن الحقيقة غاية وهدف
البعض يعتبر الحقيقة وسيلة للوصول إلى الغاية، والبعض يعتبرها هدفاً ويسعى طيلة حياته باحثاً عنها، وكان من بين هؤلاء الفلاسفة والأنبياء والحكماء، مثلاً بوذا الذي كان يبحث عن الحقيقة في تأملاته وإبراهيم الهارب من ظلم نمرود والباحث عن الإله الواحد، وسلمان الفارسي الباحث عن حقيقة الكون وأيضاً القائد عبد الله أوجلان الباحث منذ صغره عن حقيقته ككردي يعيش في الشرق الأوسط منبع أساليب الحقيقة، ولكن بحثه عن الحقيقة اصطدم بالكثير من الحواجز لمنعه من الوصول إلى غايته، انطلق من أورفا مدينة أبو الأنبياء الباحث عن الإله الواحد في هذا الكون، حتى أن قصة النبي إبراهيم تشابه في جوانب كثيرة ما جرى من أحداث مع القائد عبد الله أوجلان.
الاعتماد على الأساليب الأربعة
ولكن القائد عبد الله أوجلان يختلف عن الكثير من الباحثين عن الحقيقة في جانب مهم وهو عدم اعتماده أسلوباً واحد للوصول إلى الحقيقة، فهو يبحث في الميثولوجيا عن الحقيقة ويكرس جزءاً من بحثه في الأديان التوحيدية وغير التوحيدية ويعطي الأهمية للعلم ويركز بشكل جوهري على الفلسفة فتلك الأساليب الأربعة (الميثولوجيا – الدين ـ العلم – الفلسفة) كلها مواضع ودراسة وتعمق وبحث عند القائد عبد الله أوجلان في فلك البحث عن الحقيقة والوصول إليها، وكرس لها فصلاً كاملاً من مجلدات مانفيستو الحضارة الديمقراطية “المجلد الأول (المدنية)- الفصل الأول تحت عنوان ” الأسلوب ونسق الحقيقة”.
الميثولوجيا أول أساليب البحث عن الحقيقة
وفي هذه المقالة سنتحدث عن الأسلوب الميثولوجي كأحد أهم الأساليب المؤدية إلى الحقيقة بجوهرها، تعريف الميثولوجيا كلمة يونانية “علم الأساطير” تتضمن كثير من الميثولوجيات أخبار وأحداث وتفاصيل الأمم الماضية وبطولاتهم وتصورها بشيء من الخيال والمبالغة، ولكنها في الحقيقة تعبر عن التفكير والمنطلق الذهني لذلك العصر وفق تلك الرواية والقصة، وهذا ما جعلها الأسلوب الأول في البحث عن الحقيقة، والقائد عبد الله أوجلان يصف الميثولوجيا بقوله: “إن أول أسلوب يواجهنا في أغوار التاريخ السحيقة هو التناول الميثولوجي لكل الحوادث والمفاهيم، وعلى النطاق المحدود، تُعتبر الميثولوجيا أيضاً أسلوباً وطريقاً للكشف عن الحقيقة، كونها تستند إلى مفهوم كوني”.
 وكانت أول ميثولوجيا وصلت إلينا هي ملحمة كالكامش الشهيرة (السومرية) دارت رحى تفاصيل هذه الملحمة على أرض مدينة أوروك، في العراق حالياً، ويرجع تاريخها إلى 2000عام ق.م مكتوبة على 12 لوحاً وتعطي الفكرة الأصح لما كان يعيشه المجتمع في ميزوبوتاميا السفلى في الصراع بين الخير والشر، وصعود الآلهة الرجل على حساب الآلهة الأم رمز العطاء والخير بشيء من الخيال، بالإضافة إلى تطرقها إلى قصة الطوفان المذكورة في الميثولوجيا الآشورية والبابلية والتوراة، وكذلك قصة طوفان النبي نوح المذكورة في القرآن الكريم وهناك الكثير من الميثولوجيات في مجرى التاريخ متعددة المواضيع تدور قصصها حول شخصيات وبطولات في ذلك العصر كملحمة “الإلياذة” اليونانية.
صعوبة فهم التاريخ بدون ميثولوجيا
وللميثولوجيا أهمية كبيرة في المجتمعات فهي إحدى وسائل التعبير عن الأدب ومدى التطور الثقافي والحضاري والطقوس الحياتية لتلك الأمم، ونقله هذا الإرث الحضاري للشعوب والأمم اللاحقة، حتى للإنسان الحالي من أجل الوصول إلى الحقائق الذهنية والتاريخية في الوقت الراهن لأن التاريخ عملية متطورة ومستمرة في حياة البشرية، تصل في منظور القائد عبد الله أوجلان إلى استحالة عيش الإنسان بدون ميثولوجيا لصعوبة فهم التاريخ وواقعه ونمط حياة المجموعات البشرية المختلفة في المراحل والعصور البشرية، وفي هذا المعنى يقول: “إن ترك الإنسان بلا يوتيوبيا وبلا ميثولوجيا كترك البدن بلا ماء”.
الميثولوجيا مفتاح الحرية
 وكما أن الميثولوجيا تنظر إلى الطبيعة على أنها ظاهرة حيوية ومليئة بالأحداث والأرواح بطريقة قريبة لما يعيشه الإنسان، بعكس ما يفسر العلم والدين الطبيعة على أنها ظاهرة جامدة وخالية من الحيوية تتحرك بأوامر وتوجيهات طبيعية أو ألوهية حسبما تذكر النظريات في هذا الشأن، فاعتبارها إحدى أساليب البحث عن الحقيقة يكمن في تفاسيرها ومنطقها الكوني. ويرى القائد عبد الله أوجلان أن تعاطي الميثولوجيا مع الطبيعة على أنها مليئة بكل معاني الحيوية والأرواح وهي مفتاح الحرية وجوهر الحياة الديناميكي، وإعطاء القيمة الحقيقة للطبيعة بعيداً عن استعمال مفهوم الاستهلاك وتحقيق فائض القيمة في التعامل معها وفق المنظور الحالي للرأسمالية اتجاه الطبيعة، ويقول في ذلك: “إن التعاطي الميثولوجي من حيث روابطه مع الحياة هو إيكولوجي منفتح على الحرية، ليس قدرياً أو حتمياً”.
تصور واقعي للأحداث رغم اعتماد الخيال
 ففي البحث عن الحقيقة يجب على الباحث عدم إهمال أي أسلوب وخاصة الميثولوجي وعدم التعاطي معه على أنه من صنع وحبك مخيلة الإنسان لسد الفراغ الذهني في ذلك العصر أو على أنه شكل من أشكال التخلف العقلي للإنسان في مجرى التاريخ، بل يعبر عن مدى التطور الفكري والعقلي للإنسان ذلك العصر وحاجته إلى ترجمة الوقائع والحقائق التاريخية وفق مسلسل تلك الملاحم والميثوجيات التي هي الصور الواقعية للتاريخ رغم الخيال والمبالغة.