سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

أردوغان خليفة بن لادن أم خليفة للمسلمين؟

محمد أبو الفضل


أردوغان يقدم حالة نادرة في التاريخ الحديث والمعاصر، يسير عكس الرياح السياسية التي تهب على العالم، فكيف لرئيس دولة لا يخجل من علاقته بمجموعات مرتزقة إرهابية تدّعي قوى كبرى أنها في حرب معها؟

أردوغان وقيادة المجموعات المتطرفة والمرتزقة

يبدو أن العالم مقبل على نمط مختلف من التفاعلات مع زعماء المجموعات المتطرفة الإرهابية، لم يعد الدور الذي قام به قادة القاعدة وداعش، والنصرة وطبعتها الجديدة فتح الشام، وغيرهم، ينطلي على كثيرين، وكان لابد من وقفة حاسمة للتغيير كي تستمر المسيرة. ولأن الناس تتوق دائماً إلى التجديد ولو كان في المنحى الغير سليم، فقد هّل رجب طيب أردوغان بثوب رئيس دولة في تركيا، لكنه في الأصل أقرب إلى زعماء الحركات السلفية المتشددة الراديكالية، في تصوراته وتصرفاته وعلاقاته وتوازناته وهذا ما لم يعد خافي على أحد، فالطريقة التقليدية التي يتحرك بها المتطرفون أصبحت مكشوفة، وبحاجة لضخ المزيد من الدماء الساخنة في عروقها وتجديدها.

فكشف أردوغان عن وجهه الحقيقي مبكراً في دعم وتأييد المجاميع المتطرفة وتسلل أو حاول التسلل من أبواب ونوافذ متعددة، في سوريا والعراق ومصر وليبيا والصومال وأفغانستان وباكستان وهكذا، واتسق مع مشروعه الأيديولوجي الإسلامي في أوضح صوره، وتغافل المجتمع الدولي عن ذلك، عمداً أو جهلاً ما أدى إلى تماديه وتدخله في الكثير من القضايا. حيث تمكن من وضع يده على جميع الحركات المتطرفة المعلن منها والمستتر، المعروف والخفي، الكبير والصغير، وفاجأ العالم بشن حملة لحشد طيف واسع من الإرهابيين لتجميعهم في الأراضي الليبية، أملاً في إعلان خلافته المزعومة للمسلمين من هناك.

عندما أعلن أبوبكر البغدادي خلافته لم يحظَ بمباركة سوى من أنصاره والمقربين منه، بينما حرص أردوغان على تلاشي هذا الخطأ الاستراتيجي ومهد لخلافته البائسة منذ سنوات وجمع شمل الجماعات المتطرفة من الشرق والغرب، والشمال والجنوب، وقارات العالم أجمع، احتوى المأزومين والمرضى والفاشلين والمساجين والمؤلفة قلبوهم، وصهرهم في حظيرته الإسلامية المتشددة. وحاولت قوى دولية عديدة تكذيب أعينها وهي تشاهد حركة الإرهابيين تمر أمامها سريعاً من أوروبا إلى سوريا عبر الأراضي التركية ومن دون أية منغصات، ارتضى بعضهم هذه الطريقة كي يخلصهم من المتطرفين والإرهابيين في بلدانهم، بالنفي بعيداً أو بالموت حرقاً في أتون معارك مجهولة.

تجميع المرتزقة في الشمال السوري (إدلب)

غير أن أردوغان استفاد من هذا التقاعس وربما الجهل وغض الطرف، وجهز مجموعات من الإرهابيين والمرتزقة في شمال شرق سوريا (إدلب)، ساهموا في احتلال تركيا للأراضي السورية (جرابلس، عفرين، رأس العين وتل أبيض)، وعندما حانت لحظة الإجهاز والقضاء عليهم من قبل الروس والنظام السوري، دخلت تركيا إلى المنطقة الحدودية المتاخمة لها مع سوريا واحتلت بعض المناطق فيها، ووضعت يدها على كنز استراتيجي من المعتقلين الإرهابيين، وكانت المنطقة الآمنة التي أرادتها أنقرة هي الفوز بهؤلاء والتحكم في مصائرهم واستخدامهم لتحقيق مآربها، وإطلاقهم نحو الدول التي ترفض ابتزازات أردوغان. وهدد صراحة دولا غربية مختلفة، تحدى ألمانيا مثلاً وحصل منها على مليارات الدولارات من خلال التلويح بفتح ملف الهجرة غير الشرعية على مصراعيه، وقف في مواجهة فرنسا حتى أن رئيسها إيمانويل ماكرون لم يستطع مواصلة الفاصل الذي عزفه من فضح ألاعيب أردوغان وعلاقته بداعش وأخواته، ولم يتمكن من تكتيل حلف يضع حداً لطموحات أردوغان التي لا نهاية لها.

وقف في مواجهة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ولعبا معاً لعبة تشبه تقسيم الأدوار، انتهت إلى حالة غريبة من الوفاق السياسي فيما بينهم، وبدت مسألة التهديد بالعقوبات الأميركية الاقتصادية نتيجة عقد أنقرة صفقة لاستيراد صواريخ إس 400 من روسيا كدخان في الهواء، جعل أردوغان يمضي في ضرباته يميناً ويساراً، في البر والبحر والجو دون مبالاة لأحد. كثيرون استغربوا قدرته على التحالف مع المجموعات الإرهابية، وكثيرون تعجبوا من الصمت الغربي على ممارساته، وهو لم ينكر إيواء وتوظيف المتشددين، ويتفاخر بعقد اتفاقيات خارج إطار القانون الدولي مع حكومة الوفاق الليبية ويقول بأنه لن يتراجع عن تدخله في ليبيا، ويشحن الآلاف من الإرهابيين من مكان لآخر. وكأنه يحتمي بقوة عظمى خفية أو يقوم بدور في مسرحية لم تتكشف بعد خيوطها، وربما يكون هناك من يحفر لها ليتضخم ثم يقع في الفخاخ التي وقع فيها الزرقاوي وبن لادن والبغدادي، وكل من سبقوهم ومن سوف يلحقون بهم، وهذا ما ترك الكثير من الأسئلة دون أجوبة وردود.

التدخل في ليبيا يكشف النوايا الخبيثة

مهما كانت النتيجة في تعامل المجتمع الدولي معه، خوفاً أم تآمراً أم تقاعساً وخيبة دولية، فالحصيلة أن أردوغان يمتلك صك احتضان المجموعات المرتزقة الإرهابية، ينقلها مثل رقع الشطرنج من مكان لآخر، حسب الحاجة والأولوية والمصلحة، ووفقاً للأهداف التي يصبو إليها، وعن طريقهم حقق أغراضه في سوريا، ويجهز المسرح الأمني في ليبيا، وربما يتحول إلى دول الجوار الليبي وهذا هو السيناريو المحتمل إذا ما حقق أهدافه في ليبيا. وأردوغان كان يطمع في أن يقود لعبة الديمقراطية إلى ركوب حلفائه الإسلاميين السلطة في دول مختلفة، وعندما وجد أن هذا الطريق محفوف بالمخاطر بعد فشل تجربة الإخوان في مصر، لجأ إلى الإرهابيين والمرتزقة وفلولهم، وقدم لهم الملاذ الآمن، ووفر لهم كل متطلباتهم كي يلعب بهذه الورقة كما يشاء، ليخلق نوعاً من التوازن في المنطقة، ثم بدأت تظهر تدريجياً حتى حانت لحظة الكشف عن كل فصولها، وبخاصة بعد التدخل في الصراع في ليبيا، حيث تكشفت الكثير من الأهداف والنوايا الخبيثة للدولة التركية، وتطورات الأزمة في ليبيا كشف المحك العملي للتعرف على الكثير من الخيوط وتشابكاتها، كذبت قوى مختلفة نفسها وهي ترى السفن تنطلق من تركيا صوب ليبيا، محملة بالأسلحة والإرهابيين والمرتزقة، وتصورت أنها واحدة من المناورات التي يقوم بها حكام لتحقيق مكاسب معينة.

انقلبت المسألة إلى عملية منظمة يتحكم فيها شخص واحد بدرجة رئيس دولة وزعيم مرتزقة في الآن ذاته، تحول كل همه إلى تحقيق مغانم عبر أدوات يبدو العالم كله في خصام معها، الحرب على الإرهاب أصبحت قاسماً مشتركاً بين قوى إقليمية ودولية كبيرة، دخلت في كثير من تفاصيلها، وحتى الآن لم تتجه نحو زعيم العصابة الذي يحرك رؤوسها وقواعدها مع كل أسف. ليس هناك أكثر من مطالبة أردوغان بتشكيل ما يسمى بشركة إسلامية لتوريد المرتزقة والإرهابيين رسميا، فقد أغراه الصمت على توجهاته المتباينة طوال السنوات الماضية على تجهيز العدة لتقنين توريد المرتزقة المتشددين، فانتقل من مرحلة الحيل إلى المجاهرة بالإثم والعدوان، ويدرك أن القوى الكبرى لن تتحرك سريعا لردعه، ولن تتمكن من ملاحقته قانونياً، وأمن العقاب فتمادى في غيه ورعونته.

يقدم أردوغان حالة نادرة في التاريخ الحديث والمعاصر، يسير عكس الرياح السياسية التي تهب على العالم، يمثل الرجل ظاهرة بحاجة لمزيد من الدراسة والفحص، فكيف لرئيس دولة لا يخجل من علاقته بتنظيمات إرهابية تدعي قوى كبرى أنها في حرب معها؟ ومن أين جاءه كل هذا الصلف ليخوض غمار معارك ويشعل حروبا؟ هل المتشددون باتوا قوة فوق القوة والقانون الدولي؟ يخوض أردوغان مغامرة محسوبة في بعض جوانبها، يعلم أن منطق القوة له الغلبة في العلاقات الدولية، وحقق من وراء هذا الأسلوب مكاسب كثيرة، وهو ما يعني المزيد من التصعيد والتوترات في مناطق مختلفة، حتى من اعتقدوا أنهم على وفاق مع رجل تركيا المريض سوف ينقلب عليهم يوماً ما كما حدث مع أعضاء حزبه.

روسيا التي تقدم قدماً وتؤخر الثانية مع أردوغان لن تكون بعيدة عن أضرار احتضانه للإرهابيين، موسكو خاضت غمار حرب ضروس في أفغانستان، وخرجت منها بمعجزة، لن تكون نيران صديقها المريب بعيدة عنها، لأن أطماعه في المنطقة القريبة من روسيا كبيرة ومتشعبة، ونشاط الجماعات المتشددة هناك غير خافٍ على أحد، ليونتها الظاهرة معه في سوريا لن تؤدي إلى تقسيم الكعكة بالطريقة التي يريدها الرئيس فلاديمير بوتين. قد ينقلب السحر على الساحر، وتبتلع الحية صاحبها، أو من اعتقدوا أنهم في أمان منها ويستطيعون تحريكها، والاستفادة من تنقلاتها المتلاحقة، أردوغان لا يعنيه سوى تحقيق أحلامه الغيبية ويعيش مكبل بتصفية حساباته السياسية.