سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

أحمد الدرزيّ: أسس الديمقراطيّة الحقيقيّة ستحافظ على وحدة سوريا أرضاً وشعباً

أوضح الكاتب والسياسيّ السوريّ أحمد الدرزيّ أنَّ الغاية من الهجوم على السويداء هو إرباك الجبهة الجنوبية وخلط الأوراق، لافتاً أن الحل الأنسب لحل الأزمة السوريّة هو ما يصنعه السوريّون بأنفسهم لا من خلال ما يُفصّل لهم من الخارج، مؤكّداً على أنَّ هذا لا يمكن أن يتم إلا من خلال حوار وطنيّ سوريّ – سوريّ يبدأ في كل سوريا لينتهي في دمشق بعقد سياسيّ جديد فيما بينهم. وأشار إلى أنّه بعد أن سُدّت أبواب الاتحاد الأوروبيّ بوجه النظام التركيّ بخصوص الانضمام التركيّ للاتحاد، توجّهت تركيا إلى البوابة الجنوبيّة الوحيدة التي تركت لها، للتوسّع وفرض الهيمنة على كلٍّ من سوريا والعراق ومن ثم التوجّه إلى شمال إفريقيا لاستعادة أوهام الإمبراطوريّة العثمانيّة، ولكن تحت مسمّى جديد يضمن لها البقاء.
وأكّد على أنّ السبب الرئيس الذي أدّى إلى خراب ودمار سوريا هو الدولة التركيّة التي عملت منذ البداية من أجل مصالحها، ولذلك احتضنت المعارضة القريبة منها وبخاصة الأخوان المسلمين، وقدّمت الدعم لمختلف الفصائل العسكريّة المتطرّفة، وكان آخرَها مرتزقةُ وإرهابيو داعش.

تصريحات الكاتب والسياسيّ السوريّ أحمد الدرزيّ جاءت خلال حوار أجرته وكالة أنباء هاوار معه حول الأوضاع السوريّة بشكل عام، والهجوم الأخير على محافظة السويداء والتي أودت بحياة المئات من الضحايا، ولقاء وفد من مجلس سوريا الديمقراطية مع وفد من النظام السوريّ في دمشق الأسبوع الفائت ومواضيع أخرى تتصل بتطورات الأوضاع في المنطقة.
وفيما يلي نص الحوار:

-في الفترة الماضية حدثت تطورات في الجنوب السوريّ بعد الاتفاقيات التي جرت بين روسيا وأمريكا وإيران والأردن وإسرائيل، حيث أنّ كل من هذه الدول تحاول أن تستفيد من هذه الاتفاقات، إلى ماذا ستؤول الأوضاع بالمنطقة؟

ما حدث في الجنوب السوريّ ليس سوى تعبير واضح عن تغيّر موازين القوى الدوليّة، وإقرار الولايات المتحدة الأمريكيّة بها، وهذا ما يمكن أن نعبّر عنه بتفاهم المنتصرين والخاسرين، حيث فرضت روسيا وحلفاؤها الوقائع الجديدة وبما لا يَصْب بمصلحة إسرائيل. وهذا ما تجلّى بمشاركة حزب الله في معركة الجنوب، بالإضافة لبقاء وجود إيران بحلفائها ومستشاريها بالجنوب السوريّ، وقد تحوّلت المنطقة بهذه الوقائع الجديدة إلى ورقة قوة بيدِ النظام السوريّ وحلفائه، للضغط على إسرائيل للانسحاب من الجولان مقابل انسحاب إيران وحزب الله لمسافة 100 كم عن الجولان، والرفض الإسرائيليّ لذلك، وهذا بالضرورة يعني أنّ الكباش الدوليّ القادم سيكون في الجنوب السوريّ، الذي سيحدّد مسارات القوى الإقليميّة وأدوارها. وخلال الأزمة السوريّة لم تتعرض السويداء لأيّ اعتداء من أيّ جهة كانت، لأنّها لم تكن تخضع لسيطرة النظام ولا لسيطرة المجموعات المسلحة والإرهابيّة بل بنت إدارتها الذاتيّة وأدار أبناؤها المدينة، لكن المشكلة بدأت بعد ذهاب عدد من مسؤولي النظام والروس إلى المدينة وبعد أن رفض الأهالي دخول قوات النظام إلى المدينة حدث ما حدث، وكان الهجوم الوحشيّ من قبل مرتزقة داعش على الأهالي الآمنين هناك.

-ما هي خلفيات الهجوم ولماذا حدث بعد زيارة الروس، وكيف تقيّمون المجزرة في ظل ظهور الكثير من الآراء التي تقول: إنّ النظام يحاول بسط سيطرته على المدينة من خلال هذا الهجوم؟
الجواب قد يختلف عن التصوّرات المطروحة، فالسويداء لم تُقم إدارتها الذاتيّة رغم الخصوصيّة التي تتمتع بها، والاعتراف بمحكمة خاصة بها تتعلق بالأحوال الشخصيّة والشؤون الدينيّة، والمسألة الثانية تتعلق بانقسام أهلنا بالسويداء بين تيارين مختلفين، وهما تيار موالٍ للنظام الأكثر عدداً والأقل تنظيماً وتواجداً بسبب سوء إدارة مسؤولي وشخصيات النظام فيها، وبين تيار وليد جنبلاط الأقل عدداً والأكثر تنظيماً، والذي سيطر عليهاً واستطاع التفاهم مع جبهة النصرة وبقية التنظيمات لتحييد السويداء عن هجماتهم الطائفيّة مقابل خروجها عن سلطة النظام باسم الحياد. المسألة الثالثة تتعلق بالطرف المهاجم وهو تنظيم داعش الذي كان حِـلّاً من التفاهمات بين الأطراف السابقة، عندما رأى أن هناك هوة بين النظام والأهالي وعدم قبولهم لطرح النظام استغل داعش هذه النقطة وقام بهذا العمل الإرهابيّ المشين، وقد انطلق من قاعدة التنف الواقعة تحت سيطرة وإدارة الولايات المتحدة الأمريكيّة ومن مناطق شمال شرق السويداء، وكانت الغاية من هذا الهجوم هو إرباك الجبهة الجنوبيّة وخلط الأوراق في السويداء وامتداداتها إلى الجولان وشمال فلسطين وجبل لبنان ومناطق مرجعيون والحاصباني.
-هناك من يروّج أنّ ما حصل من تفاهمات حول سوريا من قبل الدول ذات النفوذ المتواجدة على أرضها، ما هي جدّيّة هذه التفاهمات وإذا حصلت بالفعل فعلامَ اتفقت تلك الدول، بخاصة وأنَّ روسيا تسعى لإنشاء إدارات ذاتيّة في سوريا، وأعدّت دستوراً لسوريا بما يتوافق مع مصالحها؟
نعم هناك نوع من التفاهم ولكن ليس على مبدأ لا غالب ولا مغلوب، بل على أساس وجود منتصرين ومهزومين، ولكن لابد من أن يستند تحقيق ذلك على أساس تفاهمات دوليّة وبموضوعيّة ووجود ضمانات، وهذا يحتاج للمزيد من الوقت لترتيب أوضاع المسرح السياسيّ، بالإضافة لوجود عراقيل لها من الخاسرين الأكبرين، وهما إسرائيل التي لم تحصل بعد على الضمانات الأمنيّة، والمملكة العربية السعوديّة المتآزرة مع إسرائيل لتحقيق مكاسب لها في اليمن وفِي العراق وسوريا. أما ما يتعلق بالدستور فإنّ الموقف الروسيّ قد تغيّر بعد التحوّلات الميدانيّة الكبرى والاعتراف به كدور أساس في سوريا، وهذا لا يمكن أن يكون بمعزل عن دمشق، وإيران التي ساهمت برياًّ، وتركيا التي كان لها دورٌ في الاتفاقات التي وقعت مع الفصائل الموالية لها. كل ذلك دفع بالروس للتخلّي عن مسودة الدستور التي طرحت منذ أكثر من خمسة عشر شهراً والميل إلى دستور عام ٢٠١٢م وإجراء تعديلات عليه وبما ينعكس إيجاباً على الحل السياسيّ بشكل عام وعلى الكرد بشكل خاص ويؤمّن لها مصالحها التي جاءت من أجلها إلى سوريا.
-الدولة التركيّة ومنذ بدء الثورة السوريّة تتدخل في الشأن السوريّ، وآخرها كان احتلالها لعدة مناطق في الشمال، كيف تقيمون التدخل التركيّ في الشأن السوريّ؟
منذ أن سُدَّت أبواب الاتحاد الأوروبيّ بوجه الأتراك وتعطلت المفاوضات التي تؤدّي إلى انضمامها إلى الاتحاد الأوروبيّ، توجهت لبوابتها الجنوبيّة الوحيدة لهم للتوسّع وفرض هيمنتهم على سوريا والعراق والتوجه إلى شمال إفريقيا لاستعادة أوهام الإمبراطورية العثمانيّة التي باتت شغلهم الشاغل. وبخاصة بعدما دخلت التعديلات الدستوريّة الجديدة حير التنفيذ، وكلنا نعلم ما الدور التي لعبته تركيا في الأزمة السوريّة المستمرة منذ ثماني سنوات، وكان لها الدور الأساسي بالخراب والدمار الحاصل في سوريا، ويكفي أن نتذكر إقامتها لمعسكرات اللجوء على حدودها قبل اندلاع الأحداث وهذا يعني أن الدولة التركيّة كانت تساهم في نزوح الشعب السوريّ إلى أراضيها والغاية هي الضغط على أوروبا، وتلقِّي المساعدات الماليّة الكبيرة من المجتمع الدوليّ، وهذا يدفعنا للتفكير مليَّاً بمصطلح الثورة السوريّة قبل اتخاذه للتعبير عما حصل في سوريا.
ويمكننا أن نذكر جملة من الأعمال السلبيّة للحكومة التركيّة بالنسبة لما سعت إليه حيث نجحت بالتحريض المذهبيّ والطائفيّ واستقطبت عدداً لا يُستهان بهم من العرب والتركمان لاستخدامهم كعصا متى ما احتاجت استخدمتهم. وقامت أيضاً بتدمير الاقتصاد السوريّ من خلال تخريب وسرقة معامل حلب وبخاصّة الكبيرة منها، كما أقدمت على احتلال عفرين وجرابلس والوصول لمنطقة الباب وكان هذا همها الأكبر وهو احتلال ما أمكن من الأراضي السوريّة، واستناداً لما ذكرت فإنّ الدور التركيّ كان ذا طابعٍ احتلاليّ وهو الأكثر تهديداً والأخطر على نسيج الشعب السوريّ، وقد عملت على محاربة المشاريع الديمقراطيّة في المنطقة وبخاصة الدور الكرديّ فيها.
-مؤخراً ذهب وفد من مجلس سوريا الديمقراطيّة إلى دمشق وعقد لقاءات مع النظام، واتفق الطرفان على تشكيل عدّة لجان لضمان التنسيق الكامل بين الطرفين ووضع حدٍّ للحرب السوريّة، هل تعتقدون أنه يجب عقد اتفاق بين الطرفين لوضع حدٍّ لهذه الأزمة العالقة وكيف تنظرون إلى مثل هذه اللقاءات والحوارات؟
على اعتبار أن المشروع التركيّ يشكل الخطر الأكبر على سوريا فقد كان لابد لدمشق ومجلس سوريا الديمقراطيّة من أن يضعا أولويات مواجهة المشروع التركيّ كبوصلة للقائهما وهذا ما حصل، وقد جمعهما هذا الأمر واتفقوا على هذه الأولوية، على أنّ الدولة التركيّة هي دول محتلة تحتل عدداً من المدن السوريّة، ومنها مدينة عفرين التي احتلتها تركيا عبر مقايضة بينهم وبين الروس، والشيء الآخر أنهما واجها تركيا بشكل غير مباشر عبر تصفية أدواتها الإسلامية والمرتزقة التي قدمت لهم تركيا الدعم اللامحدود، هي بالفعل انتصرت عليهم، ووفق ما يتم تداوله فقد يحصل اتفاق بين النظام وقوات سوريا الديمقراطيّة للتوجّه بالهجوم على إدلب، على أن تكون هناك خطوات تتبعها باتجاه عفرين وجرابلس والباب لإخراج تركيا ومرتزقتها منها، ولهذا نقول: إنّ بوادر وجود اتفاق قد لا يكون مستغرباً، وتحرير المدن السوريّة المحتلة من قبل تركيا ومرتزقتها يقتضي منهما وكذلك بقية القوى الوطنيّة العمل المشترك والعمل على التوصل السلميّ لأنهاء الحرب الدمويّة في سوريا.
-ما هو الحل الأنسب لإنهاء الأزمة ومعاناة الشعب في سوريا، وكيف يجب أن يكون الحوار السوريّ- السوريّ، وماذا تقولون للسوريين؟
الحلّ الأنسب هو ما يصنعه السوريّون بأنفسهم لا من خلال ما يُفصّل لهم من خارج سياقهم التاريخيّ وعبر إملاءات إقليميّة أو دوليّة، وهذا لا يتم إلا من خلال حوار وطنيّ سوريّ – سوريّ يبدأ في جميع المناطق وبين مختلف المكونات والأديان ويكون الحوا شاملاً، حول كل المسائل العالقة والسوريّون وباعتقادي نحن قادرون على خوض الحوار والوصول إلى نتائج إيجابية، لينتهي في دمشق بعقد سياسي جديد فيما بينهم يكون الحضور السوريّ فيه مميز. ولنفكر جميعاً من أجل مصلحة جميع السوريّين قبل كل شيء، وكيف نحافظ على الدولة السوريّة الموحدة والمستقلة والقوية، وصاحبة الدور البارز في هذا المشرق وفِي المنطقة برمتها في إطار التعاون والسلم والتفاهم حول إيجاد أرضية مناسبة للحوار السوريّ – السوريّ، كما علينا أن نفكر بالتجارب التي تم تصنيعها من الخارج في لبنان والعراق وآثارها المدمرة عليهما حتى الآن حتى هذه اللحظة يدفع الشعبين اللبناني والعراقي الثمن الباهظ لأن التجربة الموضوعة لهما فشلت. ومن الواجب علينا أن ننتقل من ثقافة الهوية القومية الواحدة إلى الثقافة الوطنيّة السوريّة الجامعة التي تعترف بالتنوع القومي والديني الطبيعي، وثقافة قبول الآخر والتعايش معه وفق المعايير الديمقراطية. وعلينا أن نقر بالواقع بأن مشكلة سورية ليست منعزلة عن مشاكل الإقليم المحيط بها، وهذا المحيط عمل على التأثير السلبي في الأزمة السوريّة التي أصبحت مزمنة أكثر من اللازم، ومن ثم تحولت إلى صراع دولي على المغانم وعلى الخيرات والموارد، ومن الصعب أن تجد الحلول بمعزل عن المجتمع الدولي ككل وفق معايير معينة تكون أرضية مناسبة للمضي في طريق الحلول. والحل في سوريا من المفترض أن يتحول إلى حل على مستوى الشرق الأوسط لأنه هناك قضايا عالقة ما لم تحل في هذا الشرق لن تكون هناك استقرار وأمان أبداً، لقد دفع شعوب هذه المنطقة أثماناً باهظة كلفت الكثير من الدماء والويلات والأهوال وبخاصة من جراء تدخل الدول الغربيّة في مصير شعوبها، أدتّ إلّى تمزيق شعوبها وتمزيق أرضها، وإذا ما ارتقينا بوعينا وإدراكنا لهذه المسائل الهامة والمصيريّة فإنه من الممكن أن تتحول هذه الصراعات وهذه الحروب، إلى اتفاق وتعاون وتوافق لتصبَّ في خدمة المنطقة وإنهاء الصراع فيها، وخدمة شعوبها في بناء الوطن من جديد على أسس من الديمقراطية الحقيقيّة التي تحافظ على وحدة سوريا أرضاً وشعباً ومشاركة الجميع في بناء دولة عصريّة متكاملة.