الأخلاق والديمقراطيّة

402
عبد الله أوجلان –
إنّ القاعدةُ الأولى للعمل – أي الأخلاق – موضوعٌ حياتيٌّ بالنسبةِ للمجتمعِ منذ بداياته. فكيفما يُنجَزُ العملُ على أكملِ وجه، تتعَشَّشُ تلك الكيفيّةُ في الأذهانِ بوصفِها أفضلَ قاعدةٍ أخلاقيّة. ويتعزّز هذا مع الوقتِ أكثرَ فأكثر، لِيُصبِحَ مُلكاً للذاكرةِ الاجتماعيّةِ باعتبارِه تقاليدَ وعاداتٍ سليمة. وهذا ما معناه تَكَوُّن الأخلاق. هذا هو الحَدَثُ المسمّى بالأعرافِ والتقاليد. الأمرُ الأهمُّ الذي ينبغي تحليلَه هنا هو اهتمامُ الأخلاقِ بالعملِ الاجتماعيّ، بقدرِ ما هي ممارسةٌ ذهنيّة. أي أنّها تتطلّبُ جهدَ الذهنِ وممارسةَ المجتمعِ على السواء. وأنا شخصيّاً أُفَضِّلُ تسميةَ هذا الوضعِ بالحالةِ الأولى الأصليّةِ للديمقراطيّة. وفي هذه الحالةِ تتكافأُ الديمقراطيّةُ الأصليّةُ والأخلاقُ الأصليّةُ معاً. وبما أنّ المجتمعَ انشغلَ بالأكثر بالأعمالِ المصيريّةِ ورَكَّزَ عليها، فلا مناصّ من تفكيره وتداوُلِه بالأكثر بشأنِ العمل. بل وهو لا يكتفي بذلك، فتركيزُه الغالبُ على كيفيّةِ النجاحِ في إنجازِ العملِ على أكملِ وجه، أي كيفيّةِ إدارتِه، إنّما هو ضرورةٌ لا استغناءَ عنها في الحياة. يَبدو بما لا غُبارَ عليه أنّه يتواجدُ الشكلُ الأكثر مباشرةً للديمقراطيّة (المشاركة هي الشيء المسمّى بالديمقراطيّةِ المباشرة) في كِلتا الحالتَين، أي لدى التفكيرِ والمُداولةِ والإقرار، ولدى الإشرافِ على القرارِ وإدارتِه وتحويلِه إلى نجاحِ العمل. أما هذا، فيُفيدُ بدورِه بإدارةِ المجتمعِ أخلاقيّاً وبحياتِه الأخلاقيّة.
وهذا ما مُؤَدّاهُ أنّ منبَعَ الأخلاقِ والديمقراطيّةِ واحد، ألا وهو قُدُراتُ الممارسةِ أو العمليّةِ الاجتماعيّةِ في الذهنِ الجماعيِّ وقابليّةِ القيامِ بالعمل. ليس 98% الذي يُشَكِّلُ القسمَ الأكبرَ من حياةِ المجتمع، هو فقط الذي شَهِدَ الأخلاقَ والديمقراطيّةَ الأصليّة. بل ما يُطَبَّقُ بنسبةٍ ساحقةٍ في مُكَوِّناتِ المجتمعِ المشَتَّتَةِ والمَتروكةِ لشأنِها إلى يومنا الراهن، هو الأخلاقُ، لا القانون. ينبغي الإدراكَ على أكملِ وجه أنّه من المستحيلِ استمرارَ الحياةِ من دونِ الأخلاق، حتى ولو أنّها مُنحَلَّةٌ ومُتَرَدِّية، بدءاً من العائلةِ إلى الأثنيّة، بل وصولاً إلى أدقِّ تفاصيلِ القانون، وإلى إنجازِ العملِ في العديد من الميادينِ المؤسّساتيةِ المُنَظَّمة.
فالقانونُ مجرّدُ كساء، أما القوّةُ المُسَيِّرَةُ للعملِ أساساً، فأنا متأكّدٌ أنّها الأخلاقُ حتّى الآن. لدى تَمَعُّنِنا في سياقِ المدنيّة، فأولُ تشخيصٍ ينبغي القيامَ به من حيثُ هذا الموضوعِ هو المحاولاتُ الدائمةُ الهادفةُ إلى سريانِ معاييرِ الدولةِ على حسابِ الأخلاق. وأولُ ترتيبٍ للقواعدِ القانونيّةِ في المجتمعِ السومريِّ على لوحِ حمورابيّ (الألواح الصخريّة المكتوبة) يُوَضِّحُ هذا الوضعَ بأحسنِ الأحوال. قد يَجري الحديثُ عن ضرورةِ القانونِ بسببِ عدمِ كفايةِ الأخلاق، لكنّ اقتراباً كهذا خاطئ. فالقضيّةُ ليست عدمَ كفايةِ الأخلاق، بل إفناءُ وتَعرِيَةُ المجتمعِ الأخلاقيّ. وقد تطرَّقنا بإسهابٍ إلى كيفيّةِ تعريةِ الأخلاق وتهميشها. لقد بَدَأَت احتكاراتُ رأسِ المالِ والسلطةِ المُضاعَفةُ تتأسَّسُ على المجتمع. وباتت القِيَمُ الاجتماعيّةُ المُنتَجَةُ تُنهَبُ وتُسلَب.
وفي هذا الوضع، لا يمكننا الحديثَ عن نُقصانِ الأخلاق، بل عن إخضاعِ المجتمعِ للتحكّمِ والسيطرة، وعن إتْباعِه للقمعِ والاستغلالِ في ظلِّ تطبيقِ الضوابطِ القانونيّةِ المسمّاةِ بالقواعدِ الإداريّةِ للدولة. بالتالي، فمساحةُ الأخلاق، وارتباطاً بذلك مساحةُ الديمقراطيّةِ المباشرةِ تَضِيقُ تدريجيّاً. ومقابل ذلك تَتَّسِعُ مساحةُ حُكمِ وقانونِ الدولة. أي أنَّ ما يَخسَرُه طرفٌ يَكسَبُه الآخَر. أو بالأصحّ، يتمُّ فرضُ الخُسرانِ على الأخلاقِ بِإرغامِ الدولة. إذ يتحقّقُ هذا الوضعُ بتضييقِ مساحتِه وإعاقةِ تطبيقه. ويَستَمِرُّ التضييقُ على ميدانِ الأخلاقِ (والديمقراطيّةِ المباشرةِ أيضاً) في جميعِ مجتمعاتِ المدنيّةِ اللاحقة، لِتَزدادَ حِصَّةُ القانونِ باستمرار.
وبطبيعةِ الحال، فَكَونُ المدنيّةِ الرومانيّة، التي هي ضربٌ من آخِرِ مدنيّاتِ العصورِ الأولى واختصارٌ لها، تُمَثِّلُ حُكمَ الدولةِ المُطَبِّقَةِ للقانونِ أكثرَ من غيرها؛ إنّما يؤيِّدُ صحّةَ هذه الحقيقة. فقانونُ روما لا ينفَكُّ قائماً كإحدى لَبَناتِ القانونِ الأساسيّة. وسوف يتعرَّضُ المجتمعُ لِما هو أَشبَهُ باستيلاءِ القانونِ في ظلِّ المدنيّةِ الأوروبيّة، أو بمعنى آخر في نزعةِ الحداثة. ما هو قائمٌ أَشبَهُ باستعمارِ القانون. فبَينما تُحاصَرُ مساحةُ الأخلاقِ في أقاصي الزوايا البعيدة، سوف يصبح القانونُ ضيفاً متربّعاً في كلِّ الزوايا الأساسيّة.