مراحل مرَّت بها المرأة ـ1ـ

252
حنان عثمان –
المجتمع الأمومي:
في بداية تجمع الإنسان القديم في جماعات، كان تنظيم المجتمع يعرف بالمجتمع الأمومي. وكان المجتمع يلتف حول المرأة، وقد تجسَّدت المرأة بمثابة اللغز الذي حير عقل الإنسان، بقدر حيرته من الطبيعة الأم وظواهرها، حيث من جسدها وحليبها تنبع الحياة. كان المجتمع يدار بواسطة المرأة، وكانت هي الحاكمة والمدبرة والمعلمة والحكيمة والعرافة، إليها كان ينسب الأبناء، وكانت متفوقة بخصائصها الإنسانية وقواها الروحية وقدراتها الخالقة، وإيقاع جسدها المتوافق مع إيقاع الطبيعة.
كما كانت أول طبيبة، فقد استطاعت من خلال قضاء وقتها في جمع الأعشاب الصالحة للأكل، معرفة بعض الخصائص الطبية لهذه الأعشاب، كانت أول من زرع وأنتج الغذاء، وصنع الأواني الفخارية، في حين أن دور الرجل لم يتعد الصيد والبحث عن الطرائد الكبيرة.
لم يكن الرجل ينظر إلى المرأة ويعتبرها مخلوقاً مثله، بل متفوقة عليه بأشواط؛ لأن مسألة الأمومة رسخت القناعة التامة لديه بأنه مخلوق من الأنثى، فهي الكمال وهو مجرد جزء منها. منح الحياة كان اختصاصاً نسائياً بحتاً. واكتشافها للزراعة عزز هذا الاعتقاد لدى الرجل، حيث كانت الزراعة بمثابة الإنجاب الثاني من رحم الأم الطبيعة، لهذا لم تتعرف المرأة في عصر الأمومة لا على التبعية ولا الخنوع ولا الذل، فكانت الآلهة المقدسة، تملك حرارة الشمس وضياء القمر وخيرات الأرض. الدور الذي لعبته المرأة فاق قدرة واستيعاب الرجل، الذي فيما بعد قلب الموازين ومارس الاستبداد والقمع والتهميش تجاهها بظهور المجتمع البطريركي.
استطاعت المرأة إدارة وقيادة المجتمع لقرون طويلة خلال العصر الزراعي، حيث اتبع اكتشاف الزراعة، عملية استقرار وتمركز دائم انتظاراً لولادة المحصول. هنا بدأت الموازين تنقلب شيئاً فشيئاً، وبدأت بوادر ظهور المرحلة الأبوة؛ ظهور الإنتاج وفائضه استبطن في جوفه الانهيار وفقدان زعامة المرأة للمجتمع.
والمتغير الآتي الذى فرضه التوسع في قطع الغابات مع التحقيل وإحلال الزرع محلها، وما يحتاجه مثل ذلك العمل الجبار من قوى عضلية، وما يحتاجه من حيوانات قوية مدجنة لجر الأشجار المقطوعة، وللعمل في حراثة الحقل وحمل المحصول. وهو ما اقترن بالضرورة بسيادة تدريجية للذكور، أدت إلى تبادل المواقع السيادية. وهكذا بدأت مرحلة تفوق الرجل على المرأة من النواحي الاجتماعية والاقتصادية والعضلية، بالإضافة إلى التبلور الفكري الذي بدأ يكتسبه في استيعابه لعملية التناسل وإدراكه للدور الذي يلعبه فيه. وهنا بدأت أشكال الآلهة النساء وهياكلها بالاختفاء، وظهور آلهة جديدة ذكورية ملتحية. وبدأت عملية القمع لدور المرأة الروحي والاجتماعي والقدسي، وبدأت تطرد من الساحات كلياً بسبب الشكوك التي دخلت فكر وقلب الرجل حول قدسية وإلهية المرأة، بدأت تحتقر وتصف بالضعف والحجز؛ وهذه كانت بداية اضمحلال العهد الأمومي وظهور النظام الأبوي، الذي كان مختلفاً كلياً عن عهد الأمومة، لأن المرأة التي علمت كيفية توسيع دائرة ذاتها، لتشمل أفراد المجتمع كافة، حيث أشاعت العدالة والمساواة، إذ أنها بثت المحبة والعاطفة المتساوية بين كل أطفالها وكل جماعتها الذين هم أخوة في أسرة كبيرة، كما أدركت كيفية بث روح السلام والمسالمة بسبب نفورها من العنف الجسدي، وهناك مثال شعبي نستخدمه ليومنا هذا «الأم بتلم».