السويداء على خطا شنكال

60
إلهام أحمد –
تعرّضت قرى السويداء لهجوم من داعش أسفر عن وقوع عدد كبير من الضحايا المدنيين نساء ورجالاً وأطفالاً، كما اختطف عدد منهم وهم لا زالوا قيد الأسر.
في معمعة الحرب هذه، حافظ الموحدون (الدروز) على خصوصيّتهم الاجتماعيّة ولم ينخرطوا في تفاصيلها، لم يخلقوا عداوات ولم يصبحوا أعداء لأحد، والتزموا بصفتهم الأساسية كانت الحل السلميّ وهم مسالمين بطبيعتهم، فهم لا يريدون الحرب والقتال، واعتقدوا أنّهم بهذا الشكل سيكونون قادرين على حماية أنفسهم من الحرب والعداوات.
لكن ومع الأسف الهجوم الذي نفّذه مرتزقة داعش عليهم في الفترة الأخيرة أثبت أنّ الأجندات هي التي تخلق الحروب وتستهدف من لا يرغب بالانخراط في أتونها. وبعد التعرّض للاعتداءات يرغم على حمل السلاح للدفاع عن نفسه. مثله مثل الكرد الإيزيديين في شنغال، فمع وجود قوات البيشمركة في شنغال كان الناس مطمئنين أنّها ستحميهم من أيّ اعتداء قد يتعرضون له. لكن حصل العكس عندما هاجمهم داعش انسحب البيشمركة وتركوا الإيزيديين يواجهون الموت لوحدهم، وبعد ذلك اضطر الإيزيديون لحمل السلاح والدفاع عن أنفسهم.
وهنا في السويداء أيضا توجد مقاربة كبيرة مع الإيزيديين، هم أيضاً كانوا محميين من قبل قطعات قوات النظام، لكن لدى تعرّضهم للهجوم لم يلحظ أحد وجود تلك القوات في الجبهات الدفاعيّة عن السويداء، وسُبي النساء فيها.
نظراً لطبيعة الدروز المسالمة التي تؤمن بالحوار والحل السلميّ، وحرصاً منهم على عدم الانخراط في متاهات الحرب السوريّة، حاولوا الوقوف على نفس المسافة من الأطراف المتصارعة في سوريا، ولم يتواصلوا مع أيّ قوى خارجيّة ليضمنوا أمنهم، وحاولوا قدر الإمكان الإبقاء على وحدة الصف الداخليّ، باعتبارهم منظمين بالفطرة. والالتفات إلى العقيدة والحفاظ على القيم أمر مهم جداً، لكن هذا لوحده غير كافية لتوفّرَ الأمن والاستقرار لهم. وكان من الضروريّ أن تتواجد وحدات منظمة قادرة على حمايتهم من أيّ هجوم قد يتعرضون له.
عندما أتحدّث عن التسليح لا أقصد وضعيّة المجاميع المسلحة التي ظهرت باسم المعارضة وأصبحت تخدم أجندات خارجيّة معادية لمصلحة سوريا والسوريين بالكامل. فالبقاء في وضعية الدفاع والحماية هو الهدف الأساسيّ من تشكيل أيّ قوة عسكريّة أو عملية تسليح. فالتسليح يأتي فكريّاً ونظريّاً بالبداية ومن ثم يتحوّل الى حالة عمليّة. لأنّ أي عملية تسليح من دون فكر ونظرية دفاعيّة لا بد أنّها ستتحول الى مرتزقة، تخدم أجندات خارجية وترتزق من سفك الدماء، وتقاتل لأجل القتال فقط. لذلك فالأخوة الدروز هم بأمس الحاجة الآن إلى آليات الدفاع والحماية، وتقديم الدعم والمساندة في هذا الإطار يعتبر عملاً أخلاقيّاً يقع على عاتقنا نحن السوريين، وكمجلس سوريا الديمقراطية وقوات سوريا الديمقراطيّة ترى نفسها مسؤولة عن كلّ سوريّ تتعرض حياته للخطر، فتدافع عنه حقوقيّاً ووجوديّاً.
بهذا السياق يأتي بيان قوات سوريا الديمقراطيّة باستعدادها لتبادل الأسرى مع داعش مقابل الإفراج عن الأسرى الدروز، وبيان وحدات حماية الشعب باستعدادها لمحاربة داعش والدفاع عن أهلنا في السويداء ضمن سياق الواجب الإنسانيّ، والوحدة السوريّة والتنوع الثقافيّ والعرقيّ في نسيج المجتمع السوريّ. وبالتالي فإنّ تجاوب أهالي السويداء مع هذه البيانات واستعدادهم الكامل للتفاعل مع المشروع السياسيّ لمجلس سوريا الديمقراطيّة يعتبر البدء بالخطوة الصحيحة لرسم المستقبل لقوانا الذاتيّة وما يدخل في مصلحة سوريا والسوريين.
البقاء في حالة الدفاع الضعيفة بالطريقة السلميّة دون تحصين، ستعرّض حياة أهالي السويداء للخطر، والتركيز على الجانب التنظيميّ شعبيّاً ودفاعيّاً، أمر أهم من الماء والهواء، نحن السوريين لا نملك حظ العيش في الخيالات والأوهام، الأحلام السرمديّة التي تبعدنا عن الواقع بكلّ تفاصيله، وتُعمي عيوننا عن رؤية الحقائق. كنا نتمنى أن تنتهي الأزمة خلال عامين أو ثلاثة، لكن الواقع الموجود لا يقول ذلك، حنى ولو أن النظام بدأ يفرض سيطرته على نحو٦٠٪ من الأراضي السوريّة، ومن يرى انتهاء الأزمة بفرض النظام سيطرته على الأراضي السوريّة أيضاً يعيش الأوهام. إذ لم تزل مسبّبات ظهور الأزمة موجودة، وهذا يعني أنها ستستمرّ بأشكال أخرى، ولا بدَّ لنا من أن نكون على استعداد للمراحل المقبلة أيضاً.
عملية المصالحة التي يجريها النظام مع مناطق كانت تحت سيطرة الفصائل، لا يعبر عن حلّ حقيقيّ للأزمة، إنّما هي عبارة عن حبة أسبرين تهدّئ الأعصاب لفترة ومن ثم تشتعل بعد زوال تأثير العلاج. السويداء كانت حالة أخرى أراد النظام تحييدها عن كل ما يجري في سوريا من حروب ومعارك وعداوات، راعى شعور أهالي السويداء، لكنه لم يحمهم من الموت عندما داهمهم، تركهم يواجهون الموت لوحدهم وهم عُزَّل لا يعرفون فنون القتال ولا يملكون إمكانية الدفاع عن ذواتهم. بهذا الشكل يثبت النظام مرة أخرى أنَّ مشروعه الذي يدافع عنه في كلّ المحافل الدوليّة لا يعبّر عن الواقع السوريّ، ولا بد أن يساهم بإحداث التغيير في البرنامج من خلال التفاعل مع المستجدات ومتطلبات المرحلة لإنقاذ ما تبقى من سوريا من حال الدمار التي تمرّ بها. وعلى أهالي السويداء أيضاً أن يأخذوا العبر من التجارب ولو أنّها أتت متأخرة.