سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

قمة العشرين في مواجهة كورونا المستبد

الكاتب فيصل عباس يلخص أهداف قمة العشرين في مواجهة كورونا المستبد في مقاله مشيراً إلى دور هذه القمة في وضع بعض الإجراءات للحد من انتشار فيروس كورونا، هذا الفيروس الذي تسبب بوفاة الآلاف من مختلف أنحاء العالم، ويضع السعودية أمام مسؤولية تاريخية لتقوم بمهامها في أن تقرب مواقف المشاركين في هذه القمة، فكان المقال كما الآتي:

تعقد «مجموعة العشرين»، التي تستضيفها المملكة العربية السعودية، هذه السنة، قمة استثنائية، لا مبالغة إن قلنا إنها الأهم في تاريخ المنظمة التي تأسست عام 1999، حيث لا شك أن كل الآمال معلقة على اتفاق هذه الدول العشرين ذات الاقتصادات الأقوى في العالم، وتوحد جهودها في مواجهة أكبر خطر يواجه مستقبل الإنسانية فيروس كورونا المستجد الذي انتشر بشكل كبير في العالم، وهناك ارتباك عالمي كبير نتيجة هذا الفيروس الخطير.

قمة السعودية والمسؤولية التاريخية

قد انتقل الفيروس الذي انطلق من ووهان الصينية، أواخر العام الماضي، حتى الآن إلى قرابة 500 ألف مصاب حول العالم، وفتك بقرابة 20 ألف ضحية، طبعاً نحن نتحدث عن الحالات المسجّلة وحسب، فما خفي قد يكون أعظم، وفِي حين هوت الأزمة بمؤشرات الأسواق العالمية من طوكيو إلى وول ستريت، وعلقت رحلات أساطيل الملاحة الجوية الدولية، وأجبرت الملايين من البشر على التوقف عن العمل، فإن هذا الفيروس «المُستبد» يضع العالم أمام ثنائية قاتلة كيفما نظرنا إليها: إعصار صحي قد يصيب الملايين ويختطف مئات الآلاف من الأرواح، و«تسونامي» اقتصادي قد يغرق دولاً بأسرها، أو ينسف بنيتها التحتية، ويشلها لسنوات طويلة.

لذلك، فإنّ رئاسة المملكة لـ«مجموعة العشرين» هذه السنة تضع الرياض مجدداً أمام مسؤولية تاريخية، ليس فقط بسبب صدفة استضافتها للقمة، ولكن بسبب «حقائق» تجعل من السعودية البلد الأكثر قدرة على تقريب المواقف، وتوحيد الصفوف بين الدول الأعضاء لمواجهة هذه الثنائية الفتاكة التي وجدت البشرية نفسها أمامها على حين غرة. فالمملكة العربية السعودية، بالإضافة إلى كونها البلد الأكثر تأثيراً في العالمين العربي والإسلامي، وفي أسواق النفط العالمية، هي وحدها التي تتمتع بعلاقات إيجابية مع معظم دول المجموعة، ويعود الفضل في ذلك إلى سياسة الاتجاه شرقاً من دون أن يكون ذلك على حساب العلاقات التاريخية مع دول الغرب، التي اتبعتها الرياض خلال السنوات الماضية بالمزيد من الانفتاح على هذه الدول، حيث أصبحت المملكة حجر الأساس في كل الحسابات في المنطقة.

فعلى سبيل المثال، تنفرد المملكة العربية السعودية بقدرتها على الإمساك بيد الصين من جهة، وبيد حليفها التاريخي الولايات المتحدة من جهة ثانية، وربما باستثناء تركيا، التي تحولت خلال السنوات الماضية من دولة تسعى إلى «تصفير» المشاكل مع جيرانها إلى دولة تختلقها مع الجميع، لا توجد أي دولة عضو في «جي 20» يُتوقع ألا تعمل بجد مع قيادة المملكة على إيجاد حلول لهذه الأزمة. والعبرة في الموضوع هي أنه إن كان هناك وقت لأن تستثمر السعودية علاقاتها ورصيدها من النيات الحسنة، فلا شك أن هذا الوقت هو الآن، ولا شك كذلك أن المهمة لن تكون سهلة، بحكم تضارب المواقف وطرق التعامل مع الأزمة في مختلف الدول الأعضاء.

دول المجموعة والتهديد الجاد

فهناك إيطاليا التي انتشر فيها الوباء بشكل جنوني وهي تشارك منهكة القوى ومستسلمة لقدرها، وهي تغالب دموعها حزناً على ضحاياها الذين فاقوا 6000 شخص، وهناك أيضاً اليابان التي يهددها الفيروس بشكل خاص؛ كونها الدولة ذات نسبة المسنين الأعلى في العالم، وهناك بريطانيا صاحبة نظرية «مناعة القطيع» الفريدة، وهناك الولايات المتحدة التي حذر رئيسها من أن يتسبب الاستمرار في العزل المنزلي في انهيار اقتصادي مغرداً بأنه لا يمكن للعلاج بأن يكون أسوأ من المشكل

وبالإضافة إلى شقي الصحة والاقتصاد، فهناك بالتأكيد شق الحريات العامة، وهي بُعد ثالث لا يمكن تجاهل تأثيره المستقبلي والحديث هنا ليس عن إجراءات حالات الطوارئ وحظر التجول التي ربما يختبرها كثير من «الألفيين» للمرة الأولى في حياتهم، ولكن الحديث هو عن مدى إمكانية البشرية للعودة إلى ما كانت عليه الحياة قبل تفشي المرض من حرية سفر ومخالطة الآخرين في أماكن التجمع.

الحياة بعد الكورونا لا يمكن أن تكون كما قبلها

وإذا ما تذكرنا تأثير الإرهاب في مطلع الألفية مثلاً على حريتنا في الطيران، وما تسبب فيه من نقاط تفتيش إضافية، وتدقيق عشوائي، وإجبار على خلع الأحذية ومنع من حمل السوائل، فلا بد أن ندرك أن «كوفيد – 19» سيؤذن بدخول إجراءات أمنية لدواعٍ صحية، وبالاستعانة بالتقنية، ستحد في المستقبل القريب من قدرتنا على السفر، ودخول المباني والأماكن العامة، وربما حتى دور العبادة، خصوصاً أن «كوفيد – 19» ليس أول ولن يكون آخر فيروس قاتل شديد العدوى ينتشر بين البشر مهما كان الحل، ومهما كانت المتغيرات التي ستترتب على هذه الأزمة، فعلى دول «قمة العشرين»، وعلينا جميعاً أن ندرك حقيقة أن العالم بعد هذا الفيروس لن يشبه العالم قبله ولن يشبهه بعد القضاء عليه، أو كما قال الكاتب الأميركي توماس فريدمان: أن هناك حياة بعد الكورونا لا يمكن أن تكون كما الحياة قبلها، لأن الحقيقة والواقع أثبت بأنه على دول العالم كافة اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة للوقوف في وجه هذا المستبد الذي أربك العالم بتخطيه الحدود والأجواء واستمرار انتشاره بسرعة جنونية في كافة أرجاء العالم.