سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

الحياة بعد وباء كورونا… هل تكون كما كانت قبله؟

عبارة “الكون إنسان كبير”، التي يقولها المتصوفة، ونظرية أثر الفراشة الفيزيائية التي تقوم على فكرة أن رفرفة جناح فراشة في الصين قد تؤدي إلى فيضانات وأعاصير ورياح هادرة في أبعد الأماكن، وغيرها من النظريات التي تشدد على أن دوائر الكون متصلة جداً، تتجلى أيما تجلي في ما يحدث حولنا عبر العالم كله، أثر الفراشة هنا في التأثيرات المتبادلة والمتواترة لحدث ولّد سلسلة متتابعة من النتائج والتطورات المتتالية التي يفوق حجمها بمراحل ما وقع في  البداية.
 فيروس يضرب عدداً كبيراً من الدول ، ويترك البشر في حالة قلق قصوى، مع سؤال ينفتح على المدى، ويظل عالقاً بلا إجابة، إن كانت الحياة بعد كورونا ستكون هي عينها التي عرفناها قبل هذه الأزمة ؟
إذ ثمة ذكريات تتشكل يوماً بعد يوم لأوقات العزلة المفروضة وما فيها من اضطراب وفراغات وعبث وقلق وخوف. جزء من هذه الذكريات يبدو جماعياً تشترك فيه وتختبره جماعات كثيرة من البشر يسهل تواصلها، وتبادلها الأفكار والآراء والخبرات عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
أسئلة من قبيل ماذا ستفعل اليوم؟ أو أي فيلم- مسلسل- ستشاهد؟ أو أي كتاب سوف تقرأ تجدها شائعة بالتوازي مع أخبار كورونا التي يتبادلها الناس ويعيدونها على بعضهم مراراً وتكراراً.
الوسواس الجمعي الذي حل بالبشر لم يستثنِ أحداً من عذاباته سوى أولئك الذين لم يستوعبوا خطورة الموقف، أو الذين يفضلون بطبيعتهم تجاهل المصائب الكبرى حتى وصولها إلى عتبة دارهم، محاولين حينها إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
ولأن الفن أكثر بقاء من الحياة نفسها، وأكثر خلوداً من حياة أصحابه. يستمد منه البعض يقينهم للاستمرار وقبول ما يحدث حولهم من تحولات خيالية. الأفراد المنشغلون بالإبداع من كتابة ورسم وغير ذلك، ممن أراد منهم كسر إطار العزلة الفردية واختراع أنشطة فنية مشتركة يسعى للتواطؤ مع غيره لإنجاز عمل يُشعره بجدوى الحياة في ظل وجود شبح الموت، نجد على صفحات فيسبوك دعوى لكسر العزلة وكتابة نص عمّا يحدث حولنا، صفحة أخرى تقول إنها تُعد ورشة كتابة أونلاين، أستاذ جامعي في كلية الفنون الجميلة يحاضر لتلاميذه عبر شاشة الكمبيوتر.
لكن الإنسان لا يتحرك مع خيمة فوق رأسه، تحميه من الخطر، وينسى أنه كائن أعزل في مواجهة المجهول. لعل ما يخيف حقاً، وما يُنذر بأن الحياة لن تكون كما كانت عليه قبل كورونا، هو اهتزاز ثقة الإنسان بالحضارة العظمى، إدراكه في لحظة من اللحظات أن حياته العادية المتاحة يومياً، قابلة للتحول في أية لحظة. التجبر حكم الإنسان وجعله يظن أنه أخضع الطبيعة لسلطانه، وأن ما يهدده فقط هو إنسان آخر مثله، الخوف من الحروب، من قنبلة نووية، بل والخوف عند البعض من عدم الحصول على مستوى الحياة ذاته الذي اعتادوا عليها، فيركضون لاهثين نحو مزيد من ساعات العمل، من أجل متع كثيرة معلومة ومجهولة، كلها تصب في محور توفير المال، من أجل دراسة الأبناء في جامعات باهظة التكاليف، من أجل السفر، من أجل  السيارات والثياب والعطور وغيرها… كل هذا يبدو بلا قيمة الآن، فالواقع أكثر التباساً وغموضاً، إذ على البشر ترتيب أولوياتهم الضرورية جداً وهم في بيوتهم، لا مزيد من الخطط المستقبلية للعمل، للنزهات، للترفيه للمصايف، للرحلات. تغيير العادات والأفكار والأماكن، والقيام بالمواجهة مع كل ما كانوا يفرون منه سابقاً، البقاء في العزلة يستدعي أسئلة وجودية حتمية. الزمن بحركته الأبدية يحضر أمام أعيننا الماضي والحاضر، وسؤال لا يجرؤ على البزوغ عن المستقبل الغامض،  ليس مستقبلنا فحسب، بل مستقبل كوكب الأرض كله. نسأل أنفسنا عن أحبة بعيدين إن كنا سوف نراهم مرة أخرى، إن كنا سنتمكن نحن وهم من النفاذ من بؤرة مرض لعين يهدد الحياة… إنه الواقع الذي ينتصر ويكتب نفسه من دون من حاجة لخيال مؤلفٍ فانتازي كي يكتبه.