سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

إبداعات عبقرية في زمن الأوبئة

اعداد/ هايستان أحمد – 

بالنسبة لكثيرين حول العالم يبدو انتشار وباء فيروس كورونا موسماً للفقر الإبداعي خاصة مع إلغاء العديد من الأنشطة الثقافية والفنية ومعارض الكتب والمسارح وقاعات الدروس في مناطق مختلفة حول العالم ولاسيما أوروبا والشرق الأوسط وشرق آسيا، لكن في عصور النهضة الأوروبية كان الوباء موسما للإبداع الثقافي والفني.
كتب الأديب والكاتب المسرحي الإنجليزي وليام شكسبير مجموعة من أفضل أعماله خلال الطاعون الذي ضرب بريطانيا نهاية القرن 16، واستلهم كذلك فنان عصر النهضة الإيطالي ليوناردو دافنشي أفكاره عن تصميم مدينة حديثة ذات تخطيط يركز على الجماليات والنظافة والكفاءة من الوباء الذي ضرب مدينة ميلانو (شمال إيطاليا) نهاية القرن 15.
أدب شكسبير
في نهاية القرن 16 وأثناء تفشي وباء “الطاعون الدبلي”، الذي أودى بحياة كثيرين في سلسلة من موجات الوباء تسبب آخرها في موت ربع سكان لندن، جرى إغلاق كل المسارح في أوقات كثيرة، وكانت القاعدة الرسمية أنه بمجرد تجاوز معدل الوفيات ثلاثين أسبوعياً سيتم إلغاء العروض كافة.
وتوفي بسبب الوباء القاتل أشقاء شكسبير الأكبر سناً وكذلك ابنه الوحيد هاملت الذي قضى في الحادية عشرة من عمره، ويرى بعض الباحثين أن الأديب الإنجليزي كتب مسرحيته التراجيدية الشهيرة “مأساة هاملت” تأثراً بوفاة ابنه.
وفي العقد الأول من عهد الملك جيمس الأول الذي حكم بين عامي 1603-1625م، كان الطاعون يعني أن مسارح لندن ستغلق أغلب الوقت، وكان على فرقة شكسبير، رجال الملك، الاعتماد على الهدايا الملكية والجولات الإقليمية بدلاً من شباك التذاكر، بحسب مقال لأستاذ اللغة الإنجليزية بجامعة لينفيلد دانيال بولاك بيلزنر.
تراجيديا الوباء
ويرى بيلزنر أن الطاعون -على العكس مما هو متوقع- ألهم كتابة مسرحيات عديدة، ورغم أنه كان يعتقد منذ فترة طويلة أن شكسبير تحول إلى الشعر عندما أغلق الطاعون المسارح عام 1593، وذلك عقب نشر قصيدته السردية الشهيرة “فينوس وأدونيس” التي ذكر فيها الطاعون، فإن باحثين يرون أن إغلاق المسارح عام 1606 سمح لشكسبير بإنجاز الكثير من الكتابة الدرامية وألف في ذلك العام مسرحيات “الملك لير” و”ماكيث” و”أنطونيو وكليوباترا”.
وبالنظر إلى أن الطاعون الدبلي أهلك الشباب بشكل خاص، فقد قضى أيضاً على منافسي شكسبير المسرحيين من شركات المسرحيين الشباب الذين هيمنوا على مرحلة أوائل القرن 17، واستحوذت فرقة شكسبير على مسرح بلاكفرايرز في عام 1608، مستفيدة من غياب أحد المنافسين الشباب بسبب الطاعون.
وبالإضافة إلى الفرص التجارية، قدم الطاعون مخزوناً قوياً من الاستعارات الدرامية، وظهرت بقوة في نصوص شكسبير في تلك الفترة.
وفي أحد مقاطع مسرحية “روميو وجولييت” تلجأ الحبيبة للراهب الذي يعطيها جرعة من دواء يجعلها تبدو كالميتة لتستيقظ في المقبرة وتهرب لحبيبها، لكن الراهب يتم احتجازه في الحجر الصحي بسبب الاشتباه في إصابته بالطاعون مع كاهن آخر كان يساعد المرضى، وهكذا يفشل في توصيل الرسالة إلى روميو الذي يعتقد أن حبيبته ماتت ويصل للمقبرة ويشرب السم ويموت، وحين تستيقظ جولييت وتجد روميو قد مات تستل خنجراً من غمده وتقتل نفسها.
مدينة دافنشي
وقبل قرابة قرن من عصر شكسبير، نجا فنان عصر النهضة الإيطالي ليوناردو دافنشي من وباء الطاعون الدبلي الذي ضرب ميلانو نهاية القرن 15، وقتل حوالي خمسين ألف شخص يمثلون ثلث سكان المدينة، التي تعيش هذه الأيام على وقع تفشي فيروس كورونا.
وألهم الطاعون دافنشي لتصميم مدينة مستقبلية عبر عنها من خلال سلسلة من الرسوم والتدوينات اكتملت بين 1487 و1490، وتوجد في مخطوطة لا تزال باقية حتى الآن، وعمد فيها لتحويل مدن القرون الوسطى مثل ميلانو -التي كانت ضيقة، يصعب التنقل فيها، وقذرة، ومزدحمة، وتساعد في انتشار المرض- نحو تخطيط أكثر حداثة مدعوم بشبكة قنوات تدعم التجارة وحركة البضائع والصرف الصحي، وقسم المدينة رأسياً إلى ثلاث طبقات مختلفة لكل منها غرض مختلف.
وكانت أفكار دافنشي في زمنه مختلفة جذرياً ويصعب تطبيقها على المدن القائمة بالفعل، لكنها ألهمت بناء مدن جديدة بالكامل في الأزمنة الحديثة، ويمكن القول إن هذا التخطيط يشكل محاولات مبكرة للتقسيم الحديث.
وكان عدم كفاءة شوارع العصور الوسطى المختنقة مصدراً لانتشار الطاعون الدبلي، لذلك كان تحويل الطريقة التي يتحرك بها الأشخاص والمركبات وسيلة فعالة لحصار هذه الأوبئة، واعتمد تصميم دافنشي على طرق متعددة المستويات للمركبات والمشاة.
وانقسمت مدينة دافنشي لمستوى علوي للمشاة والمجتمع والعناصر الجمالية، بينما خصص المستوى السفلي لشبكة من القنوات والطرق التي تستخدم لحركة البضائع والحيوانات والتجارة والمخازن، واعتمد شوارع واسعة وارتفاعاً منتظماً للمباني، ومداخن طويلة، ونظام صرف صحي متطور لمواجهة الطاعون.
ولتخيل هذه الفكرة يمكن التفكير في مستوى تحت شارع المشاة والمركبات لتوصيل البضائع والأطعمة وتفريغهما في المخازن، ويمكن مقارنة هذا التصميم بتخطيط مدن حديثة تمنع استخدام السيارات في مراكز المدن، مع مراعاة الحد من الانبعاثات وتقليل الازدحام، ومنع تكدس الناس بشكل يعرضهم للعدوى المميتة كما حدث في ميلانو خلال العصور الوسطى.