سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

نساء دمشق يعملن في مهن كانت حكراً على الرجل

رغم ظهور علامات التعب على وجهها، فإن سوسن تواصل بنشاط تلبية طلبات الزبائن في أحد محلات الحلوى في دمشق، بعدما وجدت نفسها فجأة المعيل الوحيد للأسرة، ومجبرة على القيام بدور الأب والأم في آنٍ واحد.
سوسن فقدت زوجها في الحرب السورية منذ قرابة العامين واختارت طريق النضال والكفاح من أجل أبنائها فكانت الأم والأب في تأمين لقمة العيش لأولادها وتربيتهم أحسن التربية ناهيك عن واجباتها المنزلية فانطلقت بعمل جديد يؤمن لها الدعم المادي لإعالة أبنائها.
تعمل من أجل إعالة طفليها
سوسن، البالغة من العمر نحو 25 عاماً، لا تنقصها الحنكة في التعامل مع الزبائن، من خلال إظهارها الابتسامات أثناء تلبيتها طلباتهم، وتوضح أنها لم تكن «مخيرة في مسألة الالتحاق بسوق العمل وإنما مجبرة» من أجل إعالة طفليها، بعد أن أفقدتها الحرب منذ عامها الثاني زوجها الذي كان المعيل الوحيد للعائلة.
لا تجد سوسن التي تعمل لمدة ثماني ساعات في اليوم، حرجاً من العمل في المحل رغم أن معظم العاملين فيه هم من الرجال، وتقول: «الحياة صعبة للغاية، وازدادت صعوبتها مؤخراً، ويجب أن أعمل لأعيش أنا وأطفالي، فلا يوجد من يطرق بابنا ويعطينا ليرة أو رغيف خبز».
وبعد أن توضح أن أحوالها تهون عن أحوال بعض الأسر النازحة التي فقدت معيلها، وتضطر لدفع مبالغ مرتفعة جداً إيجارات للمنازل وتحمد الله على وضع عائلتها الاجتماعي والمادي فهي لم تنزح من بيتها والثمن الذي تتقاضه من عملها جيد وتعيلها ناهيك عن أهل الخير ممن يدعموها مادياً بين الفنية والأخرى.
وتسبب موت أعداد كبيرة من الرجال خلال الحرب التي تشهدها سوريا فقد دخلت عامها العاشر منتصف آذار الجاري، وعمليات الخطف والاعتقال، في فقدان أعداد كبيرة من العائلات في مناطق سيطرة الحكومة السورية للمعيل زوجاً وولداً.
هذه الحال دفع بكثير من النساء إلى ممارسة مهن وأعمال كانت حكراً على الرجال، والقيام بدور الأب والأم في آن واحد، وهي ظاهرة لم تكن مألوفة في سوريا قبل الحرب؛ حيث بات من المألوف مشاهدة فتيات يعملن في محال بيع الألبسة الجاهزة الرجالية والنسائية والسوبرماركت والحلويات والبوظة، وحتى بائعات بساطات في أسواق الخضراوات، وعاملات نظافة في الطرقات، وسائقات لسيارات أجرة، وفي محال تصليح السيارات.
فقر مدقع يعانيه غالبية العائلات
ومن مؤشرات ارتفاع نسبة عمالة النساء والفتيات في مناطق سيطرة الحكومة السورية، وحالة الفقر المدقع التي تعاني منها غالبية العائلات، مشاهدة فتيات لا يتجاوز عمر الواحدة منهن الثامنة عشرة، يعملن نادلات في المقاهي، التي انتشرت خلال الحرب بشكل لافت في العاصمة دمشق؛ حيث يقمن بالترحيب بالزبائن، ومرافقتهم إلى أن يختاروا طاولة يجلسون عليها، ومن ثم تلبية طلباتهم، والتردد عليهم بين الحين والآخر إلى أن ينهوا جلستهم، ثم قبض قيمة الفاتورة.
أم يوسف، وهي أم لطفل وثلاث فتيات، منذ اختفاء زوجها في السنة الأولى للحرب تعمل في غسل السيارات أمام الأبنية في الأحياء الراقية وسط العاصمة، مقابل مبالغ مالية مقبولة تتقاضاها من أصحابها، تعيش منها مع أفراد عائلتها، أولادها كانوا صغار عندما اختفى زوجها ولم يكن أمامها خيار سوى العمل لألا تشرد ولتسد الجوع لدى عائلتها وبعد مرور فترة اقتنانها العمل بغسل السيارات أصبح الكثير من أصحاب السيارات يرتادون إليها ويتصلون بها مسبقاً لتنظيف سياراتهم في اليوم التالي.
ومع تفاقم صعوبة الحياة المعيشية للغالبية العظمى من الأسر، بسبب الغلاء الفاحش وتردي المداخيل الشهرية، تشير أم يوسف إلى أنها تبحث لفتياتها عن عمل من أجل مساعدتها في مواجهة مصاعب الحياة، فمن وجهة نظرها العمل ليس عيباً للفتاة، تشغيل أم يوسف لفتياتها جاءت كخطوة لمواجهة الظروف المعيشية الصعبة في ظل ظروف الحرب والتي من شأنها رفعت من مصاريف الحياة وليس باستطاعتها تأمين لقمة العيش لوحدها.
كانت الأرقام الرسمية تشير إلى أن عمالة النساء في سوريا لا تشكل أكثر من 16 في المائة من قوة العمل السورية، وأن نسبة البطالة وصلت بين الإناث إلى نحو 11.1 في المائة عام 1994، وارتفعت إلى الضعف تقريباً بين عامي 2004 و2009. أما لدى الذكور، فقد كانت النسبة 6.3 في المائة، وارتفعت إلى نحو 10.5 في المائة خلال الفترة نفسها؛ لكن الأرقام خلال السنوات الخمس الماضية فقد ارتفعت نسبة النساء العاملات.
ومع تكتم المصادر الرسمية في البلاد على النسبة الحالية لعمالة النساء، للتغطية على الأعداد الكبيرة لضحايا الحرب، نقلت تقارير عن خبير اقتصادي من دمشق، رفض الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، أن نسبة طغيان الطابع الأنثوي على الذكوري في الأسواق والأماكن العامة تصل إلى 80 في المائة.
رفع نسبة الأنشطة التي تقوم بها المرأة السورية
وكنتيجة طبيعية، ساهمت عمالة النساء في رفع نسبة الأنشطة التي تقوم بها المرأة السورية مقارنة بالرجل، بما يقارب 40 في المائة كحد وسطي، وفق ما يقول الخبير الاقتصادي. ويشير إلى أن هذه النسبة ارتفعت إلى 90 في المائة نهاية عام 2015 وبداية عام 2016، نتيجة لظروف فرضتها الحرب على الرجال.
وتتحدث أرقام الأمم المتحدة عن هجرة نحو ستة ملايين سوري إلى دول الجوار ودول غربية منذ بداية الحرب، بينما تشير تقارير إلى أن أغلبية هؤلاء من الرجال والشباب الذين هربوا، خوفاً من الالتحاق بالخدمة الإلزامية والاحتياطية في صفوف جيش الحكومة السورية.
وكالات