سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

إدلب من خفضِ التصعيدِ إلى التصعيد-2

تحقيق/ رامان آزاد-

ليس مبالغة أنّ معركةَ إدلب ستحددُ مآلاتِ التدخلِ التركيّ في سوريا، فقد أقحم أردوغان الجيش التركيّ في معركةٍ لعلها تتجاوز حدودَ قبولِ موسكو المحدد وفق خطوط سوتشي، لتتدخلَ واشنطن التي تراقب المشهد ويصرّحُ مسؤولوها بتفهمِ الدواعي التركيّة والوقوف إلى جانبها، ومن أقصى التنسيق إلى التناقض تقودُ أنقرة سياستها الخارجيّة وتجيّر علاقاتها لصالح أحلام السلطان. 
معركة مفصليّة
كانت إدلب الجغرافيا الأكثرُ اضطراباً منذ بدايةِ الأزمةِ، بسببِ وقوعها على الحدود مع تركيا حيث معابرُ السلاحِ والأفرادِ والمرتزقة، ووصل إليها الآلاف من جنسيات مختلفة الأيغور (التركستان) والشيشان والطاجيك والداغستان والأنجوش والألبان، وأصبحت النموذج السوريّ لقندهار وكانت بصددِ إعلانها إمارةً مستقلةً، وشهدتِ المحافظةُ صراعاتٍ مسلحةً بين مجاميعِ المرتزقة أنفسهم. ومع تبني موسكو خطةَ الترحيلِ والتجميعِ أضحت إدلب البؤرة الأكثر خطراً، ومنها انتقل المرتزقة إلى عفرين بالجوار وفق توجيهات أنقرة التي تدين لها معظم مجاميع المرتزقة بالولاء.
من أهم العواملِ التي ساهمت في مفاقمةِ الخطورة في إدلب هو موقعها على الحدودِ التركيّة، إضافة إلى العوامل الذاتيّةِ ففي البيئاتِ المحافظةِ والمنغلقةِ نسبيّاً تتوالدُ بهدوءٍ أفكارُ التطرفِ بانتظارِ شرارةِ التحريضِ ودفعها للانفجارِ وهو ما قامت أطرافٌ إقليميّة في مقدمها تركيا.
الموقع الاستراتيجيّ أكسبَ المعركةَ في إدلب أهميّة قصوى وتمرُّ ممرٌ أهمِ الطرقِ في سوريا التي تربطُ المنطقةَ الشرقيّةَ بالساحلِ، والشمال بالجنوب، وفي ظروفِ الحرب السوريّة كانت معبراً مهماً للسلاح والإرهابيين وتهديداً لباقي المحافظات (حلب واللاذقية وحماه).
تكتسبُ معركة إدلب أهميّة استثنائيّة لأنهّا تقرر مصير الأزمة السوريّة وكذلك التدخل التركيّ في سوريا، فالإرهابيون في إدلب والمناطق المحتلة هم الجيش الرديف للجيش التركيّ، يزجُّ بهم أردوغان في أي ميدان يريد في الباب وعفرين والمناطق المحتلة ومؤخراً راح ينقلهم إلى ليبيا، ولذلك فإنّ انكسار “جيش الارتزاق” في إدلب يشكّل ضربةً قاصمة لمخطط أردوغان على مستوى المنطقة، وسيكون رافعة تحرير باقي المناطق السوريّة.
من الطبيعيّ أنّ العلاقة بين أردوغان ومرتزقته لا تقوم على النديّة، بل صيغة محددة من التخادم، ولكنها لا تصل الحد الذي يزجُّ به أردوغان الجيش التركيّ للدفاع عنهم، وأما صراخ المسؤولين الأتراك وتصعيدهم الكلاميّ فهو الحد الأقصى الذي سيحصلُ عليه المرتزقةـ لأنّ أنقرة تدافعُ عن مصالحها وتبكي على ضياعها أحلامها بالتوسعِ.
خضعت معركة إدلب لكثيرٍ من الحسابات الدوليّة والإقليميّة، وكثر التدخلُ الدوليّ فيها، وشهدت حالات من التصعيد والهدنة، ولم يكن إرجاء المعركة يعني إلغاءها، بل الشكلَ الظاهريّ للمساومات والضغوط السياسيّة، ومن جهة ثانية تعجُّ إدلب بكلّ ألوان التطرف ومجاميع المرتزقة المختلفة في خلفياتها وأفكارها سواء المتمركزة في المحافظة أو الوافدة إليها عبر عمليات الترحيل، وخاضتِ الكثير من المعارك فيما بينها، ولذلك سعت أنقرة لصياغة علاقة من الانسجام بين مجاميع المرتزقة في إدلب وتنظيمهم في إطار جامع، فتمّ تشكيل “الجبهة الوطنيّة للتحرير” وضمّت 11 مجموعة، بعضها وافدة عبر الإجلاء من مناطق أخرى، وهي (فيلق الشام، الفرقة الساحليّة الأولى، الفرقة الساحلية الثانية، الفرقة الأولى مشاة، جيش إدلب الحر، الجيش الثاني، جيش النخبة، جيش النصر، شهداء الإسلام داريا، لواء الحرية، الفرقة 23).
استعداداتٌ ومبادراتٌ للهجومِ
شكلت مجاميع المرتزقة الجهاديّة ذات التوجه القاعديّ والتي رفضت اتفاق سوتشي 17/9/2018 غرفة عملياتٍ باسم “وحرّض المؤمنين” في 15/10/2018 وضمّت (حراس الدين، جبهة أنصار الدين، فصيل أنصار التوحيد، أنصار الإسلام)، وقالت إنّ الهدف من تشكيل هجوميّ وليس دفاعيّ، وأنها تسعى لإخراج القوات الروسيّة وتحكيمِ شريعة الله. وقد أعلنت في 9/7/2019 معركة في جبل التركمان وجبل الأكراد بريف اللاذقية باسم “فإذا دخلتموه فإنكم غالبون” وتضمنت سلسلة من العمليات الانغماسيّة وشاركت فيها “الجبهة الوطنيّة للتحرير” والمجلس العسكريّ التركمانيّ وفي 12/7/2019 نفذت عملية في ريف حلب الجنوبي (محور حريشة)، وفي 18/11/2019 نفذت عملية في ريف حلب الشماليّ قرب تل علوش، وفي 27/11/2019 نفذت عملية انغماسيّة في جبل الاكراد منطقة جب الأحمر بريف اللاذقية.
لاقت الغرفة استحسان منظري الجهاد في سوريا، وفي 18/11/2019 أعلن عبدالله المحيسنيّ الداعية المرتبط بالقاعدة، دعمه للمشروع ” الجهاديّ الجديد”.
في 9/5/ 2019 شُكّلت غرفة عمليات مشتركة باسم “الفتح المبين” ضمّت كلّ المجاميع العاملة في إدلب، ولا يبدو في تشكيلِ الغرفة أنّها راعت اتفاق سوتشي، واللافت أنّ الأسماءَ التي اتخذها المرتزقة  لا تشير إلى انتمائها السوريّ وهي (هيئة تحرير الشام، جيش العزة، الحزب الإسلاميّ التركستانيّ، أجناد القوقاز، حراس الدين، جبهة أنصار الدين، جبهة أنصار الإسلام، جماعة أنصار التوحيد، كتيبة الإمام البخاري، كتائب الفتح، فيلق الشام، جيش الأحرار، حركة  أحرار الشام، ألوية صقور الشام، جيش النصر، جيش إدلب الحر، الفرقة الساحليّة الأولى، الفرقة الساحليّة الثانية، الفرقة الأولى مشاة، الجيش الثاني، جيش النخبة، شهداء إسلام داريا، لواء الحرية، الفرقة 23، لواء أحرار الشمال، تجمع دمشق)
الحق المبين اسمٌ عامٌ لعدةِ معارك في ريف إدلب الجنوبيّ وريف حماة الشماليّ، فقد تحولت إلى غرفة عملياتٍ لأكثرِ من مرحلة، وتضم (الجبهة الوطنيّة للتحرير، هيئة تحرير الشام، جيش العزة) وجاءت بعد مرحلةً باسمِ “دحر العدوان”، وقبل ذلك خِيضت معاركٌ بأسماء مثل “كسر العظم” التي أطلقها جيشُ العزة، و”دحر الغزاة” التي أطلقتها الجبهة الوطنية للتحرير، و “غزوة المعتصم بالله المدني” التي أطلقتها “هيئة تحرير الشام”.
ففي 27/6/2019 نفذت الغرفة عملية في قرية القصابيّة بريف إدلب الجنوبيّ، وفي تموز بدأت معركة بهدفِ نقلِ الاشتباكِ إلى مناطقِ ريف حماه الشمالي وتأمين كفرنبودة بريف إدلب. وفي 30/11/2019 أعلنت غرفةُ عملياتِ “الفتح المبين” بدءَ عمليةِ “لا تهنوا” بريف إدلب الجنوبي الشرقي، وقالت في بيانها “فلينتظرِ العدو منا ما يخلعُ القلوبَ ويهددُ الأركانَ”.
واختارت الفصائل في وقت سابق عدداً من الأسماء لمعاركها مثل “كسر العظم” التي أطلقها جيش العزة، و “دحر الغزاة” التي أطلقتها الجبهة الوطنية للتحرير، و”غزوة المعتصم بالله المدنيّ” التي أطلقتها هيئة تحرير الشام.
بعد انطلاق العملياتِ على عدة محاور والاقتراب من مناطق هامة للنظام بريف حماة مثل محردة والسقيلبية، تهاوتِ الدفاعاتُ بعد بدء قواتِ النظامِ معارك ريف إدلب الجنوبيّ، فتوالتِ الانسحابات من عدة بلدات ومدن (خان شيخون، كفرزيتا واللطامنة ومورك)، وفي 21/1/2020 أصدرت غرفة عمليات الفتح المبين بياناً تحذيريّاً أهالي ريف حلب بالابتعاد عن خطوط الجبهات، وسيطرت قوات النظام على معرة النعمان في 28/1/2020 وعلى سراقب في 8/2/2020 وحُوصرت نقاط المراقبة التركيّة.
تصعيدٌ تركيّ خطابيّ
في ردّه على مقتلِ 13 جندياً تركياً، قال أردوغان رئيس دولة الاحتلال التركية أمام الكتلةِ البرلمانيّة لحزب العدالة والتنمية في أنقرة يوم 12/2/2020: “إذا أصيب جنودنا في مواقع المراقبة، أو في أيّ مكانٍ آخر بأيّ سوءٍ، فأنا أعلن من هنا أننا سنضربُ قواتِ النظام في أيّ مكانٍ اعتباراً من اليوم، بغضِّ النظرِ عن حدودِ إدلب أو حدود اتفاق سوتشي. وأضاف: “حتى نهاية شباط نحن مصممون على إخراج النظام السوريّ من حدود مذكّرة سوتشي، أي إلى خلف نقاط مراقبتنا”.
وفي 15/2/2020 قال أردوغان: “الحل في إدلب يكمن في وقف عدوان النظام وانسحابه إلى حدود الاتفاقيات وإلا سندفعه إلى ذلك قبل نهاية شباط”. وتابع: “لا نية لدينا أبداً لاحتلال أو ضمّ أراضٍ من سوريا بل نسعى للحيلولة دون احتلال وضمِّ أراضيها”. وقال: “النومُ في سلام حرام علينا حتى تخليص سوريا من ظلم النظام والمنظمات الإرهابيّة”.
السؤال الذي يطرحُ مع زخمِ التصريحاتِ التركيّة، هل يمكنُ أن تُتركَ إدلب بوضعِها الحالي بدون سقفٍ زمنيّ؟  وإذا كانت أنقرة لا تطمعُ بضمِّ أراضٍ سوريّة، فما الجهةُ الأخرى التي تسعى أنقرة للحيلولة دون احتلالِ وضمِّ إدلب؟ ورغم عدم التزامه بتطبيق مضمون سوتشي، راح أردوغان يتحدثُ عن نقاطِ المراقبةِ وخطوطِ سوتشي كما يتحدث الفلسطينيّ عن خط الرابع من حزيران. وذكرت مصادر ميدانيّة أنّ تركيا نشرت نحو 6500 جندي لتعزيز وحداتها الموجودة في شمال غرب سوريا إضافة لحوالي 1900 مركبة عسكريّة منذ مطلع الشهر الحالي.
كلُّ هذا يطرحُ السؤال حول مفهوم الحدودِ الوطنيّةِ، وحدود الأمن القوميّ التركيّ ومن يدعو إلى الانفصالِ، وقد تحدث كثيرون أنّ العدوان التركيّ على عفرين كان انتصاراً كبيراً “للثورة السوريّة” لأنها وسّعت جغرافيا الثورة وأضحت امتداداً مباشراً لإدلب.
واشنطن أبدت موقفاً في منتهى المرونةِ خلال العدوانِ على عفرين وعلى شمال سوريا ولم تبدِ أيّ اعتراضٍ، ولكن عندما تعلق الأمر بفصائل إدلب ومستقبل هيئة تحرير الشام انهمرت تصريحاتُ جميس جيفري وهرول إلى أنقرة ليعلنَ موقف الدعم والمساندة وتزويد أنقرة بمعلوماتٍ استخباراتيّةٍ، فيما لم تتوقف واشنطن عن الإعراب عن موقفِ الرفضِ للعمليةِ العسكريّةِ بإدلب.
موسكو حليفة دمشق وتقود معها العملية العسكريّة في إدلب، وبنفس الوقت تنسّقُ مع أنقرة في مجالاتٍ كثيرة، وعقدت معها اتفاق سوتشي الذي اُستهلكت مفاعيله تماماً، ولكنها لم تشأ أن تعقد سوتشي حول عفرين أو سريه كانيه مثلاً.
يقولُ المسؤولون الروس إنّ شرعيّة وجودهم في سوريا تستندُ إلى طلبٍ رسميّ من دمشق، فمن منح التركيّ شرعيّة الوجودِ في الأراضي السوريّة ليحتلها ويستبيحها، إذا كانت دمشق تؤكد في كلِّ مناسبة إنّ الوجود التركيّ احتلالٌ؟ أليست الفصائل التي تقودها أنقرة في سوريا هي نفسها التي حاربها الروسيّ؟
أسئلة كثيرةٌ والجواب عليها يحدد مآلات الأزمة والوجود التركيّ ومصير الأهالي الذين نزحوا إلى العراء، والجواب في موسكو أولاً وأنقرة التي تعوّل على دعم واشنطن
متغيراتُ الميدانِ
 ميدانيّاً وعلى نحو مفاجئ، انعطفت عملياتُ قواتِ النظامِ من مواقعها بمنطقة “كفر حلب” بعد استعادة السيطرة على أورم الصغرى والكبرى، وكفر ناها والفوج 46، باتجاه بلدة “الأتارب” بريف حلب الغربيّ والتي تصل إلى سرمدا القريبة من الحدود، ولكنها سارت على الطريق الرئيسيّ باتجاه بلدة “تفتناز” فسيطرت تحت غطاء ناريّ كثيفٍ وتمهيدٍ مدفعيّ وجويّ على بلدة معارة النعسان التي كانت تحت سيطرة “جبهة النصرة”، لتكون على مسافة 10 كم من مدينة إدلب وهي نفس المسافة الفاصلة عن إدلب من جهة سراقب.
بهذا المنحى تقترب قوات النظام من حهة طريق إدلب القديم من بلدة تفتناز حيث تقع القاعدة الجويّة قريباً منها، وكذلك من جهةِ الطريق الدوليّ عبر قرية الطلحية، ويعدُّ المطار العسكريّ هدفاً مهماً إذ أنّه مقرُّ غرفةِ عمليات مشتركة مع مجاميع عدة منها (أنصار التوحيد، أجناد القوقاز، جبهة النصرة) بالإضافة إلى “الجبهة الوطنية للتحرير التي تضمُّ عناصر تركمانيّة، وبالمجمل كلها توالي الجيش التركيّ.
 في محور حلب الغربيّ توالى السقوطُ السريعُ للبلدات التي تسيطرُ علبها جبهة النصرة، اعتباراً من الليرمون والصالات الصناعيّة الكائنة فيها، والتي كانت منطلق القذائف على مدينة حلب، ومن بعدها سيطرت قواتُ النظامِ على ضهرة عبد ربه، والقرى الواقعة على الأوتوستراد الدوليّ “غازي عينتاب” وهي (كفر حمرة، معارة الارتيق، حريتان وحيان وتل مصيبين وبيانون وعندان، وفي الجهة الجنوبيّة دخلت قوات النظام إلى حي الراشدين وجمعية الزهراء ودوار المالية. وعلى محور طريق دارة عزة تمّت السيطرة على كفر داعل.
معارك ريف حلب وإدلب أطاحت بحلم السلطان العثمانيّ وأثبتت عجزَ المرتزقة في تحقيق حلمه، فاضطر للزج بقواته في الميدان وليخسرَ عدداً من جنوده وهو ما له تأثيرٌ مباشرٌ على وضعه السياسيّ ويضعه أمام أصعب الاختباراتِ التي تقررُ مصيره. ولكن بالنسبة لكلِّ السوريين فإنّ مجملَ المعاركِ على كامل الجغرافيا الوطنيّة تطرحُ سؤالاً أساسيّاً يتعلقُ بمنظومةِ الدفاعِ الوطنيّة وتعزيزها لمواجهة الإرهاب وتحرير المناطق التي تحتلها تركيا وهو ما يتطلبُ تفعيلَ الحوارِ الوطنيّ وتوطينَ كلَّ الإنجازاتِ التي تحققت في المعارك دحر الإرهاب، وما حققته قواتُ سوريا الديمقراطيّة كان نصراً وطنيّاً، كسر أحد أهم أدواتِ أنقرة في سوريا.