سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

​​​​​​​الشيخ مقصود.. حيّ الصمود والمقاومة

يُشكِّل حي الشيخ مقصود في مدينة حلب مثالاً للمقاومة الشعبية، حيث صمد أهالي الحي في وجه هجمات المجموعات المرتزقة التي تدعمها دولة الاحتلال التركي، وكذلك هجمات النظام السوري الذي هاجم الحي في أكثر من مناسبة، إلا أن المقاومة التي شارك فيها الشعب أفشلت جميع الهجمات.
سبق هجوم المجموعات المرتزقة على حي الشيخ مقصود ظروف سياسية مشحونة كان مركزها صراع روسي ـ تركي بعد حادثة إسقاط المقاتلة الروسية “سو-24”.

الظروف التي سبقت الهجوم
قبل الهجوم على الشيخ مقصود في الـ 16 من شباط عام 2016 كانت الدولة التركية ممتعضة للغاية من تقدُّم قوات سوريا الديمقراطية في مقاطعة الشهباء وقبل الهجوم بيوم واحد تم تحرير تل رفعت من المجموعات المرتزقة التي تدعمها دولة الاحتلال التركي.
تحرير تل رفعت في ذكرى المؤامرة الدولية على القائد عبد الله أوجلان؛ زاد من الاحتقان التركي وكان المسؤولون الأتراك حينها يطلقون التهديدات ضد قوات سوريا الديمقراطية. ومع قلة الخيارات لدى دولة الاحتلال التركي في مقاطعة الشهباء بسبب خلافاتها مع روسيا إثر إسقاط سلاح الجو التركي مقاتلة روسية في الـ 24 من تشرين الثاني عام 2015، كانت تركيا تبحث عن مكان تنتقم فيه لمرتزقتها المهزومين في الشهباء. هكذا بدأت حكاية الهجوم على حي الشيخ مقصود الذي يتمتع بموقع استراتيجي في مدينة حلب، فهو حي مرتفع ويطلُّ على المدينة من كامل الجهات؛ ما يكسب تفوقاً عسكرياً للقوّة التي تسيطر عليه.
بدأت دولة الاحتلال التركي بحشد المرتزقة في محيط الحي ليبدأ الهجوم في الـ 16 من شباط عام 2016 وسط صمت النظام السوري وصمت دولي كان يلازم دائماً أي هجوم على مناطق شمال وشرق سوريا.
أربعٌ وعشرون كتيبةً من المرتزقة تُهاجم الحي من ثلاثة محاور
بتاريخ 16 شباط عام 2016 قاوم حي الشيخ مقصود إحدى أعنف الهجمات، حيث بدأ المرتزقة بشن الهجوم من ثلاثة محاور دوار الجندول وحي بستان الباشا شرق الحي، منطقة الشقيف وطريق الكاستيلو شمال الحي، بني زيد والسكن الشبابي والأشرفية غرب الحي، واستهدف الحي بالأسلحة الثقيلة كمدافع جهنم والقذائف بشكل همجي وعشوائي، حيث هاجمت 24 كتيبة الحي منها كتيبة “حركة أحرار الشام الإسلامية، جيش الإسلام، الجبهة الشامية، فرقة السلطان مراد، ألوية السلطان الفاتح، ألوية كتائب فاستقم كما أُمرت، حركة نور الدين زنكي، اللواء 13، اللواء 16، الفوج الأول، كتائب أبو عمارة”.
إعلان النّفير العام
وبعد مرور أربعة أيام على استهداف المُرتزقة للحي في 20 شباط؛ أعلنت حركة المجتمع الديمقراطي في حي الشيخ مقصود النفير العام.
 لبّى الأهالي النداء، وفرزوا في كومينات ومجالس ومنهم في خطوط الجبهات الأمامية وسارعت قوات الأمن الداخلي وقوات حماية المجتمع للتحرك الفوري لمساندة وحدات حماية الشعب والمرأة.
حفروا الخنادق وحولوا منازلهم لمشافي ميدانيّة
لم تقتصر المقاومة ضد الهجمات على القوات العسكرية وقوى الأمن الداخلي، حيث نظّم الأهالي أنفسهم بتشكيل عدِّة لجان تتكفل كل لجنة بمهام معينة.
وساند الأهالي من عرب وكُرد وتركمان قواتهم بحفر الخنادق وتجهيزها، وافتتح الكثير من الأهالي منازلهم لحماية الجرحى. وبهذا الصدد؛ قال الرئيس المشترك للمجلس العام لأحياء الشيخ مقصود والأشرفية محمد شيخو لوكالة أنباء هاوار: ” كل الانتصارات التي ننعم بها اليوم هي بفضل تضحيات شهدائنا”، وأكمل: “بتلك التضحيات سنصل إلى سوريا ديمقراطية تعدديّة لا مركزية وستنعم الشعوب كافة والفئات المُتعايشة بحقوقها في الأراضي السورية”.
ونتيجة عدم تقدّم مرتزقة الاحتلال التركي في جبهات القتال قاموا بقطع المياه في الجبهات، فسارع الأهالي إلى تأمين المياه عبر تعبئتها في قوارير وإيصالها للجبهة في طرف حي السكن الشبابي المُحاذي للشيخ مقصود، ثم قطع المرتزقة المياه عن الحي بأكمله إلا أنّ الأهالي اتخذوا من المياه الجوفية بديلاً لهم.
بسبب القصف المستمر على الحي واستهداف المرتزقة للمدنيين العُزَّل؛ ازداد عدد الجرحى وحصل نقص في مستلزمات المشفى، بادر الأهالي لجمع احتياجات المشفى من الأغطية والوسائد.
مِثال حيْ على مُقاومة الأهالي
عائلة المواطنة صباح بكرو والدة الشهيد سربلند إحدى العائلات التي تمثّل روح مقاومة الأهالي في حي الشيخ مقصودـ حيث شارك جميع أفراد عائلتها في المقاومة إذ انخرط اثنان من أبنائها وزوجها في وحدات حماية الشعب وابنتها ضمن حركة الشبيبة الثورية في خطوط الجبهات وهي كانت متكفِّلة باللجنة التي توزّع الأهالي على  أقبية الحي.
وبهذا الصّدد قالت صباح: “خلال فترة المقاومة؛ كان الأهالي ينظِّمون أنفسهم بأنفسهم، كان هناك حب التآخي وعدم التفرقة بين الرجل والمرأة كنّا يداً واحدة، الهجمات التي استهدفت الحي حتمت على العائلات انضمام أفرادها كافّة للمقاومة، وبهذه الروح استطعنا تحقيق النصر بمساندتنا لقواتنا في وحدات حماية الشعب والمرأة وكسرنا هجمات المرتزقة”.
كما التحق المناضل سربلند بقافلة الشهادة، حيث استشهد سربلند في مقاطعة الشهباء بعد مشاركته في مقاومة حي الشيخ مقصود.
المرأة في مقاومة الشيخ مقصود
كان للمرأة دور بارز في تلك المقاومة ولعبت كتيبة الشهيدة كولة سلمو دورها في حماية الحي والمشاركة في خطوط الجبهات إلى جانب نساء الحي، ونظمت نفسها ضمن اللجان والمؤسسات آنذاك لتتحرك وفق ظروف الحرب من خلال إطلاق حملات توعويّة لأهالي الحي عن كيفية حماية أنفسهم في الحرب.
وأثناء الحرب تطوع عدد كبير من نساء الحي؛ أي ما يقارب 60 امرأة لإعداد الطعام للمقاتلين في الجبهات، وتجهيز الأقبية المتواجدة في الحي لحماية الأهالي من القصف والذين دُمِّرَت منازلهم، وساهمت النساء في إسعاف الجرحى.
وأوضحت الإدارية في مكتب المرأة بحزب سوريا المستقبل خالدة عبدو؛ قائلة: “لم تكسر الهجمات مقاومتنا، بل حققنا أهدافنا بالصمود في الحي حتى تحريره بفضل مقاومة الأهالي وقواتنا في وحدات حماية الشعب والمرأة”.
مشفى خالد فجر جزء من المقاومة
كان للطاقم الطبي نصيب في هذه المقاومة، حيث عانوا الكثير من الصعوبات في تأدية واجبهم الإنساني بتقديم المساعدات الطبية للأهالي، وفي تلك الهجمات استشهد الكثيرون منهم.
 وبالرغم من قلِّة الأطباء في المستوصف ونقص المستلزمات الطبية والأدوية العلاجية وذلك بسبب الحصار الخانق على الحي من الجهات كافة؛ كان الطاقم الطبي يواصل عمله ضمن الإمكانات المُتاحة.
قصف بالأسلحة الكيماوية
حين اشتدّت الهجمات على الحي من قبل مُرتزقة الاحتلال التركي؛ شهد الحي الكثير من المجازر فهناك عائلات استشهدت بأكملها تحت الأنقاض، وكانت هُناك جثث معظم أجزائها مفقودة.
ولم يسلم حي الشيخ مقصود من القصف بالمواد الكيماوية، حيث تعرض ثلاث مرات للقصف، المرة الأولى في الـ 8 آذار؛ أي اليوم العالمي للمرأة، والمرة الثانية كانت في الـ 7 نيسان، واتبعه القصف في اليوم التالي أيضاً أي في الـ 8 من نيسان، وأصيب العشرات من المدنيين بحالات اختناق وتَسمُّم.
طاقم طبي متفانٍ
كان مشفى خالد فجر النقطة الطبيّة الوحيدة في الحي وكان مُعرَّضاً للقصف بعد عدّة محاولات لاستهدافه من قبل مرتزقة الاحتلال التركي، حيث كان المرتزقة يطلقون الصواريخ بالقرب من النقطة الطبية.
وبادر معظم الأهالي للعمل في المستوصف لإسعاف الجّرحى وتقديم الإسعافات الأوليّة لهم ومنهم المناضل خالد فجر الذي كان عضواً في المشفى وعمل على نقل الجرحى حيث لم يقف مكتوف الأيدي، بل توجه إلى جبهات القتال إلى جانب وحدات حماية الشعب، وفي الـ 2 من نيسان ارتقى لمرتبة الشهادة واستذكاراً له سميّ المشفى باسمه. كما استشهد الطبيب الجرّاح الوحيد في الحي شاهد رشيد جميان وهو من أبناء الشعب العربي من محافظة دير الزور، فأثناء استدعائه لإجراء عملية جراحية لأحد المصابين وقعت قذيفة بجانبه وأصيب بجروح بليغة وعلى إثرها استشهد.
وعلى الرغم من الحصار الذي كان يفرضه المرتزقة على الحي وقلِّة المستلزمات الطبية؛ لم تتقدَّم أي جهة إنسانية لتقديم المساعدات الطبية. وبهذا الخصوص؛ قال الدكتور ولات معمو الذي كان حاضراً في المقاومة: “بفضل تضحيات الشهداء ومقاومة الأهالي نرى اليوم مشفى خالد فجر تتوفّر فيه جميع الأقسام الطبية”.
وخلال القصف الهمجي تم توثيق استشهاد 196 مدنياً بينهم 59 طفلاً، من الشعب الكردي /45/ ومن الشعب العربي /38/ ومن الشعب التركماني /2/ ومن الضحايا مجهولي الهوية /52/، هذا وقد أعلن مجلس عوائل الشهداء عن سِجِلْ /139/ شهيداً.
العمليّة الفدائيّة رفعت من وتيرة المقاومة
وعن الملاحم البطولية التي سطرتها وحدات حماية الشعب والمرأة قال المقاتل كاوا آمد: “بإرادة أهالي الحي وشهدائنا حققنا الانتصارات وكنا مُستعدِّين للتضحية بأرواحنا في سبيل حماية الحي والأهالي، ولم تدعمنا أي من الدول الخارجية، حيث كانت هذه المقاومة بسواعد أبناء الحي”.
وضحّى الكثير من المُقاتلين بأرواحهم في سبيل حماية أسوار الحي ومنهم الشهيد ريدور أمانوس الذي نفذ عملية فدائية في الـ 17من شباط بشارع عشرين الواقع بين الشيخ مقصود والأشرفية؛ وذلك رفضاً لأن يقع أسيراً بيد المرتزقة والاستسلام لهم.
وأضاف: “خسرنا العديد من أصدقائنا المقرّبين الذين كنا نتشارك معهم تفاصيل يومنا، ولكننا لم نقبل الهزيمة، بل حققنا أهداف شهدائنا بحماية الحي بمعنويات عالية”.
وتعهد المقاتل كاوا آمد بالسير على خطا الشهداء وعلى فكر القائد عبد الله أوجلان مشيراً إلى أن الانتصار القادم سيكون في مدينة عفرين.