سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

نحو سقراط صغير… فلسفة موجّهة للطفل في تونس

 لا تزال الاكتشافات المتعلقة بقدرات الطفل الفكرية تتطور وتُذهل العالم منذ أن دحض أستاذ المنطق الأميركي ماثيوليبمان (1922-2010) في سبعينيات القرن الماضي نظرية الفيلسوف السويسري جون بياجي (1896-1980) التي ربطت التأقلم الذهني للإنسان بالتأقلم البيولوجي، مثبتاً قدرة الأطفال على ممارسة الفعل الفلسفي بما هو فن التساؤل لإيجاد الإجابات العقلانية.
وبعد مرور أربعة عقود على انتشار مفهوم “فلسفة الأطفال”، حط هذا التيار الفكري رحاله في تونس منذ نيسان 2019م، لتلتحق بركب الدول التي تولي اهتماماً بتطوير الملكات الفلسفية للأطفال، وذلك بإحداث قسم الممارسات الفلسفية الحديثة الذي يعنى في جانب كبير من نشاطاته بالفلسفة الموجهة للأطفال، وذلك عن طريق تنظيم ورشات فلسفية تدفع عقولهم الصغيرة إلى التيقظ لما حولهم.
ويتبنى العديد من المفكرين حق الطفل في التفلسف باعتباره تفكيراً نقدياً ينبني على التساؤل ويعزز قدرات التفكير وإعمال العقل في عالم غدت فيه النزعة الرقمية طاغية على جل الأنشطة المتعلقة بالأطفال، حيث يتم تلقينهم مبادئ السطحية الفكرية والكسل الذهني المفرط ويدفعهم للإقبال على شاشات الحواسيب بدل التأمل والتفكير وإدراك عالمهم.
إيقاظ فكري
توغل فلسفة الأطفال في الابتعاد عن المفهوم الكلاسيكي للفلسفة التي يتم تلقينها في المؤسسات التعليمية كتتويج لمراحل دراسية متقدمة في العلوم الإنسانية والآداب، إذ تقطع مع الجانب الاستعراضي للفلاسفة وفلسفاتهم لتكون تجربة إبداع ذاتي تنطلق من مفاهيم ومشاهد يومية يستعملها ويعايشها الأطفال للوصول إلى طرق استدلال وبرهنة وتفكير منطقي مبني على نقد ما يعتبر مألوفاً من منظورهم.
وتقول رئيسة قسم الممارسات الفلسفية الحديثة في معهد تونس للفلسفة وأستاذة الفلسفة “هدى الكافي”: (إن التجارب التي خاضتها دول غربية في هذا المجال أثبتت قدرة الطفل على ممارسة الفلسفة، إذ يميل بفطرته إلى محاولة فهم ما يدور حوله باعتبار خلو تفكيره من الأحكام المسبقة والمسقطة على الأشياء، مما يجعل تساؤلاته البسيطة مدفوعة بتوق لإدراك الحقائق ولاكتشاف تصورات وتفسيرات أترابه).
وتضيف هدى أن التجربة التونسية ورغم حداثتها فإن نتائجها الأولية تعتبر واعدة نظراً للتزايد المطرد لعدد الورشات الفلسفية الناتج عن تفاعل متزايد من المشرفين على المؤسسات التربوية، ومن الإطار التربوي الذي تعتبره هدى الكافي البوابة الرئيسية والمرآة العاكسة التي يستلهم منها الأطفال طرق إدراك وتشكيل وبلورة تصورهم لهذا العالم، لذلك فهي تحرص على تأطيرهم قبل انطلاق كل ورشة.
وتطرح فلسفة الأطفال ترتيباً جديداً لأولويات التعلم مبنية على الإيقاظ الفكري، إذ تتقهقر مكانة الأجوبة والقوالب المعرفية الجاهزة الناتجة عن أساليب التلقين المتعارف عليها والتي تحد بشكل كبير من تفكيرهم لتفسح المجال أمام الرغبة في طرح الأسئلة وفق ما تمليه عليهم تمثّلاتهم الخاصة للحقائق التي تتيح لهم تطوير آفاق استيعابهم الفكري والنفسي واكتساب قدرات البرهنة والتناظر مع الآخر.
منهاج علمي
يتم اختيار محور النقاش في الورشة الفلسفية إثر مداولات مع الإطار التربوي للمؤسسة الراعية، وعادة ما تكون المواضيع المطروحة وفية للأيام العالمية التي تحييها جُل دول العالم مثل اليوم العالمي لإلغاء العبودية، واليوم العالمي للسلام، إضافة إلى مواضيع أخرى ربما تفرضها الأحداث الوطنية والمحلية، مثل الاختلاف والعنف والفقر، وهي تتيح في جلها مساحات حرة للتساؤل والتعبير.
وتولي ورشات الفلسفة الموجهة للطفل أهمية كبرى لمسألة عرض وتقديم محاور النقاش للأطفال، لذلك فهي تعتمد غالباً على القصص المرسومة، وأشرطة الفيديو القصيرة أو الإضاءات الحائطية في شكل رسائل قصيرة تُعرض تباعاً، ويمكن للطفل المتابع لها استيعاب مضامينها.
وتقول هدى إن الورشات تعتبر مدخلاً لممارسة واكتساب مهارات التعايش الديمقراطي لدى الأطفال، إذ يعتبر احترام قواعد النقاش أمراً لا حياد عنه أثناء الورشة، ويلتزم المشاركون بالإنصات لبعضهم وعدم المقاطعة حتى في حالات الاختلاف، واحترام أولوية أخذ الكلمة وفق ترتيب أماكن الجلوس، وطرح الأسئلة بصفة فردية ثم ترتيبها تفاضلياً عن طريق التصويت.
وتعتبر أن هذه الورشات تدفع الأطفال إلى ممارسة تمرين فكري يكتسي أهمية بالغة، وهو توليد الأفكار والأسئلة عن طريق الإنصات لبعضهم البعض، وتطوير إدراكهم عن طريق التأمل في الرأي المخالف ومبدأ تحويل الاختلاف الفكري إلى أرضية تسمح بتطوير الأفكار والتصورات، خاصة عدم الشعور بالإحراج من الاستلهام من الآخر إذا وجدت أفكاره وقعاً طيباً في العقول.
وتتكون حلقات النقاش من رئيس الحلقة الذي يحرص على ضمان سير النقاش واحترام القواعد دون التدخل في المحتوى، ونجد أيضاً مدير الحلقة الذي يحاول لفت الانتباه إلى الأسئلة الأكثر أهمية، ثم مسؤول إعادة الصياغة الذي يعمل على مساعدة المشاركين في استرسال الأفكار التي يمكن أن تتشتت لتجنب الوقوع في التناقض أحياناً دون توجيه نحو فكرة أو خلاصة معينة من شأنها تغيير الجوهر.
ونسجاً على منوال ماثيوليبمان الذي كان أول من أصدر رواية فلسفية تستهدف الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و11 سنة والتي حملت سنة 1974 عنوان ” اكتشاف هاري ستولمير”، تضع الأستاذة هدى الكافي اللمسات الأخيرة قبل إصدار سلسلة روايات فلسفية للأطفال تحمل عنوان “سقراط الصغير”، والتي ستكون أول وليد أدبي عربي يُعنى بالفلسفة الموجهة للأطفال والإيقاظ الفكري.