سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

المتاحف السوريّة تدفع ضريبة أزمتها

 رستم عبدو-

تتوزع في عموم دول العالم، الكثير من المتاحف المختلفة، التي تحوي بين خزائنها وجدرانها العديد من التحف والقطع الفنيّة والأثريّة، التي تُحاكي تاريخ وقصص شعوب وحضارات قديمة, حتى باتت تُشكّل مع مرور الزمن واجهاتٍ ثقافيّة وسياحيّة لتلك الدول والشعوب ومصدر فخرٍ واعتزازٍ للكثير منها.

ونظراً لاحتوائها على كنوزٍ لا تُقدّر بثمن، كانت هذه المتاحف محلّ اهتمام اللّصوص وتجّار التحف, لاسيما في البلاد التي شهدت صراعاتٍ وحروب، وكان البعض من هذه المتاحف ضحيّة تلك الحروب والصراعات, هذا ما حصل لمتحف ميونخ ومتاحف ألمانيّة أخرى في عهد نابليون، وكذلك حصل للعشرات من المتاحف الروسيّة خلال الحرب العالميّة الثانيّة وأيضاً جرى للمتاحف العراقية كمتحف بغداد ومتحف الموصل – ثاني أهمّ متاحف العراق – وذلك إبّان الحرب العراقيّة- الأمريكيّة في عام 2003م.
الأحداث التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط مع بزوغ ما يُسمى بالربيع العربي منذ نحو عشرة أعوام، جاءت بنتائج سلبيّة على هذه الثروة الثقافيّة في الكثير من البلدان العربيّة، حيث لم يبقَ متحف داخل مناطق الصراع إلّا وقد تعرّض إمّا لأضرار ماديّة كالتخريب نتيجة القصف بين الأطراف المتصارعة، أو للنهب والسلب على يد المتربصين واللصوص من أبنائها.
منذ بدء الأزمة العربيّة، والمتاحف في الكثير من البلدان التي شهدت اضطرابات تتعرّض للانتهاكات والتجاوزات واحدة تلو الأخرى. المتحف المصري الذي يعدّ أحد أشهر متاحف العالم، تعرّض لسرقة بعض القطع مع بدء الاحتجاجات هناك, كذلك بعض المتاحف الليبيّة كمتحف سوسة، ومتحف بنغازي الذي تعرّض كنزه للسرقة, ومثلها متاحف اليمن التي تزيد عن العشرين متحفاً تعرّضت معظمها للسرقة والنهب والتدمير (كالمتحف الوطني بصنعاء، المتحف الوطني بتعز، متحف زمار والمتحف الحربي بصنعاء)، وكذلك تعرضت متاحف العراق مرّة أخرى للاعتداءات كمتحف الموصل الذي تعرض للسرقة وحُطّمت العديد من المجسمات والمنحوتات فيها، أثناء سقوطها بيد “داعش” كذلك تعرّض المتحف الوطني في الجزائر مؤخّراً للحريق وتخلّل ذلك سرقة بعض القطع الأثريّة منها.
ولا يختلف شخصان على أنّ ما تعرّضت له المتاحف والمواقع الأثريّة السوريّة من خسائر منذ بدء الأزمة فيها هي الأكبر والأعنف على مستوى العالم العربي إنْ لم نقل على مستوى العالم, ففي سوريا ينتشر نحو /38/ متحفاً موزّعاً ما بين المتاحف الأثريّة ومتاحف للتقاليد الشعبيّة ومتاحف تخصّصيّة. تضمّ هذه المتاحف مئات الآلاف من التحف الأثريّة والتراثيّة التي تعود لحضارات عريقة خلال فترات وأحقاب مختلفة شهدتها الأراضي السوريّة عبر تاريخها.
أشارت العديد من التقارير العلميّة على أنّ اثني عشر متحفاً سوريّاً تعرّضوا لأضرار ماديّة مختلفة، كمتاحف حلب ودير الزور وإدلب نتيجة للقصف, ومتحفي الرقة وتدمر تعرضا للنهب والسلب وذلك بعد مرور سنة على بدء أزمتها، ناهيك عن استخدام البعض من هذه المتاحف كثكنات أو نقاط عسكريّة من قبل الأطراف العسكريّة المتصارعة كمتحف دير الزور ومتحف المعرّة.
المديريّة العامة للآثار والمتاحف السوريّة صرّحت بأنّها نقلت مع بدء الأزمة أكثر من ثلاثمائة ألف قطعة أثريّة من متاحفها إلى مكانٍ آمنٍ من ضمنها حوالي /80/ ألف قطعة أثريّة من متحف دمشق وحدها، ونحو ثلاثة عشر ألف قطعةٍ من متحف دير الزور، ومعظم هذه القطع هي من القطع الثمينة, هذا وكانت المديريّة قد أوعزت بنفس تلك الفترة تقريباً للعاملين في متاحفها على إغلاق جميع المتاحف في سوريا ونقل محتويات المتاحف الصغيرة منها إلى المتاحف المركزيّة.
إلّا أنّه لا يوجد حتّى هذه اللحظة رقمٌ أو إحصائية دقيقة بخصوص عدد القطع الأثريّة التي كانت مخزّنة سابقاً ضمن المتاحف الأثريّة في سوريا حتّى عام 2011م, كما أنّه لا يوجد بعد – ونحن في العام التاسع من عمر الأزمة السورية – رقمٌ أو إحصائية واضحة بخصوص عدد القطع التي سُرقت من متاحفها أو التي تحطّمت داخلها كما حدث لمتحف تدمر وغيره.
كل ما جرى ويجري بحقّ هذه المتاحف السوريّة من نهبٍ وسلبٍ وتدمير، إنّما هو جريمة بشعة بحقّ التراث الثقافي الإنساني العالمي وخسارة لكل السوريين، تلك المتاحف التي وُجدت بالأساس لتختزن بين رفوفها وجدرانها لقىً وآثارً لحضاراتٍ فريدةٍ انبثقت وازدهرت على أراضي بلدانها طيلة آلاف السنين ولتسرد قصص وتاريخ شعوبٍ وأممٍ عاشت على جغرافيتها الواسعة.