سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

كورونا العرب أم كورونا الصين

فاروق  يوسف كاتب عراقي يلفت الانتباه إلى أن العالم العربي يخاف من مرض كورونا لكنه لا يعلم أن مرضه أشد ابتلاء من كورونا فيقول في مقال كتبه مؤخراً: “العالم العربي مبتلى بشتى أنواع الأوبئة التي لا يمكن سوى أن يكون كورونا طفلاً ساذجاً مقارنة بأصغرها وأقلها دماراً”.
ويشير إلى تخوّف العرب من هذا الوباء “العرب خائفون من تفشي وباء كورونا، كما لو أنهم لم يُضربوا بأوبئة أشد عنفاً من الوباء الصيني. رأيت عدداً منهم في المطارات وهو يضع على وجهه كمامات، فبدا مشهد النساء أشبه بمشهد حشود من المنقبات”.
وذكر أيضاً “طبعاً ليس العرب وحدهم مَن يفعل ذلك. رأيت بشراً من مختلف الجنسيات يقومون بالفعل عينه. غير أن ميزة العرب عن سواهم أنهم ينبغي، كما أرى، أن ينظروا إلى كورونا باستخفاف بعد أن يقوموا بمقارنته بالأسباب التي تؤدي إلى إبادتهم في كل لحظة، حتى باتت أجزاء منهم مهددة بالانقراض”.
أما عن تميز العرب بابتلائه مرض يضاهي كورونا بخطورته كتب يوسف: “العرب على سبيل المثال يقتل بعضهم البعض منذ عقود عديدة. لست هنا في حاجة إلى التذكير بالمآثر العظيمة، التي راح ضحيتها الملايين. لقد فتك العرب، بعضهم بالبعض الآخر، بما لا يمكن أن يفعله الغرباء بهم. فالعدو يقف عند حدود هدفه، أما آلة القتل العربي فلا تقف لأنها لا تملك حداً. من أيلول الأسود وما تفرع عنه من حروب فلسطينية ـ فلسطينية لا تزال مستمرة حتى اليوم إلى الدخول في نفق الحرب الأهلية اللبنانية وصولاً إلى حروب العراق وسوريا واليمن وليبيا، مروراً بحروب السودان. هل في الإمكان أن نحصي عدد الضحايا الذين ضربهم وباء القتل؟”.
ولفت الانتباه إلى إن مرض كورونا يمكن السيطرة عليه إلا أن المرض الذي أصاب العرب باقي ولم ينتهِ بعد: “كورونا لا شيء إذا ما قورن بجزيئة من تلك الحروب. كورونا مرض يمكن السيطرة عليه في أي لحظة اعتماداً على البحوث العلمية. غير أن حفلة الجنون العربية لم يكن في الإمكان التحكم فيها أو توقع نتائجها ومتى يمكن أن تنتهي وكيف يمكن تهدئة وحوشها وإقناعها بالعودة إلى كهوفها. في دم كل قبيلة سياسية هناك رغبة في الثأر من القبائل الأخرى”.
أما عن سبب تفشي هذا المرض؛ مرض الاقتتال بين العرب وضح الكاتب: “ليست العقائد سوى ذريعة لتصفية الخصوم. فالوقائع عبر الخمسين سنة الماضية أثبتت أن العرب لم يتبنوا عقائد سياسية من أجل النهوض بسبل العيش وتطوير مفاهيم الحياة. كانت العصبية الحزبية هي الأساس وهي المبدأ الذي أقيمت من أجله ساحات الإعدام الثوري.
لم تكن الثورة لتقوم إلا على أساس إعادة القطار إلى سكة القتل، التي كان ينحرف عنها في لحظة إلهام إنساني. حين أزيل نظام جعفر النميري استبشر السودانيون خيراً فإذا بالوحش يستيقظ مرتدياً وجه عمر حسن البشير قناعاً ليحصد مئات الآلاف في دارفور على وجه الخصوص. أما جنوب السودان فإنه انفصل تعبيراً عن استهتار عقائدي كان الغرض منه صنع أسباب جديدة للقتل”.
واستشهد الكاتب بأمثلة من التاريخ: “العالم العربي مبتلى بشتى أنواع الأوبئة التي لا يمكن سوى أن يكون كورونا طفلاً ساذجاً مقارنة بأصغرها وأقلها دماراً. على سبيل المثال فإن العراق ومنذ عام 1979 وهي سنة تسلّم صدام حسين مهمة قيادة الدولة باعتباره رئيساً قد خسر عبر أربعين سنة الملايين من شبابه في حروب عبثية، لم تؤد واحدة منها إلى أن يشعر العراقيون بالأمان. تلك نتيجة تجعلنا نفكر في أن العراق كان يسعى إلى التخلص من شعبه بطريقة ممنهجة”.
ونسب الكاتب سبب القتل إلى الفقر أحياناً أخرى: “وإذا لم يحدث القتل عن طريق الحروب فإن هناك القتل عن طريق الفقر. لقد وصل الفقر في عدد من الدول العربية إلى درجة العار. الحكومات تقتل الشعوب عن طريق إفقارها المتعمد. إنها سياسة الإزالة من الخارطة السياسية. فالفقر كاتم صوت وهو لغم ينفجر بصاحبه. لا أحد يفكر في العرب الذين ماتوا بسبب الشعور بالإهانة التي سببتها حياة فقيرة”.
واختتم الكاتب العراقي فاروق يوسف مقاله: “خلاصة الكلام أن العرب الذين يخشون الإصابة بوباء كورونا إنما هم ممثلون فاشلون في مسرحية هي أعظم من أن يسمح لهم بالمثول على خشبتها”.