سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

ومازالت المؤامرة مستمرة

نسرين آكري

بعد الأزمة الخانقة التي عصفت بسوريا والمنطقة بشكل عام منذ تسع سنوات أصبح واضحاً للعيان أن المؤامرة التي أُحيكت ضد القائد أوجلان لم تكن تهدف شخصه فحسب ولا الشعب الكردي بل كانت مؤامرة ضد كل شعوب الشرق الأوسط تلك الشعوب الأصيلة التي امتدت جذورها إلى أعماق أرضها, الشعوب التي خلقت الإنسانية وبنت الحضارة وكتبت التاريخ، الشعوب التي ما زال العالم مدين لها بالخبز الذي يأكله.

والدول المحتلة والرأسمالية لا تريد لهذه الشعوب أن تستعيد أمجادها وحضارتها لتشرق عليها الشمس من جديد بل تريدها شعوباً خانعة ذليلة راضية بالعبودية والتبعية لها. فكان ظهور مناضل ومفكر كالقائد أوجلان في هذه المنطقة بأفكاره النيّرة التي تدعو هذه الشعوب إلى الحرية ولعب دورها في بناء الحضارة الإنسانية من جديد وطرحه لمشروع الأمة الديمقراطية. هذا الفكر وهذه الفلسفة لم تكن كما تشتهيها سفن الرأسمالية وأفكارها الاستعمارية التي لا تعرف سوى مصالحها الاقتصادية والسياسية واستعباد الشعوب ونهب خيراتها لذلك وقفت تلك الدول مع تركيا فحملة الطوفان لم تقم بها تركيا وحدها بل كانت بصمات كلاً من الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية واليونانية والكينية والبريطانية واضحة فيها وتركيا لوحدها لم تكن قادرة على القيام بهذه العملية اللاإنسانية لولا مساعدة تلك الدول وكان الهدف الرئيسي من تلك المؤامرة تصفية القضية الكردية باعتقال القائد أوجلان فقد تصوّر النظام التركي أن جهاز مخابراته قادر في تعاونه مع المخابرات الأمريكية والإسرائيلية قد يسدل الستار على القضية الكردية وستنتهي قضية أمة باعتقال هذا القائد.

ولأن تجاربهم السابقة والكثيرة مع الثورات والانتفاضات الكردية أكدت لهم أنه باعتقال قادة الثورات أو إعدامهم ستتمكن تركيا من إنهاء تلك الثورات والقضاء عليها لكن هذه المرة أخطأ العدو، فالقائد أوجلان ليس قائداً أو ثائراً عادياً في عيون شعبه الذي حُرم من حريته وثقافته ولغته وتاريخه لمئات السنين حتى كاد العالم ينسى الكرد وقضيتهم. هذا القائد الذي أزال غبار سنوات طويلة عن ذهن شعبه وأيقظه من سبات عميق ومن إبادةٍ وشيكة لكنّه أنقذ شعبه وأرشده إلى طريق حقيقته وحريته وتاريخه المشرق وثقافته الموغلة في القدم لهذا كلّه التف الشعب حوله وآمن بفكره وفلسفته ورأى فيه النور الذي ينير لهم دربهم وعشقهم للحرية وحبهم لأرضهم ولغتهم وثقافتهم ورأى في فكر القائد خلاصه من الأنظمة القمعية والمستبدة التي تحكمهم منذ سنين طويلة أنظمة حرمتهم من أبسط حقوقهم وارتكبت بحقهم المذابح الجماعية والتغيير الديمغرافي في مناطقهم، وإحراقٍ لقراهم وتهجيرٍ قسري بحقهم وتوزيع أراضيهم على فئاتٍ أخرى وبالرغم من اعتقال هذا القائد العظيم ووضعه في غياهب سجون إيمرالي إلا أنه لم يستسلم ولم يهدأ له بال وشعبه يعاني ما يعاني من ظلم واستبداد. فكتب العشرات من الكتب وأرسلها لشعبه بل لكل الشعوب التّواقة إلى الحرية والإنسانية والسلام فكانت لهم سبيلاً نحو الحرية والديمقراطية المنشودة، وانتشر فكره كنور الشمس تغلغل في قلوب كل المتعطشين للحرية وأصبحت كتبه تناقش في الكثير من الجامعات في العالم كله. واليوم وفي روج آفا وشمال سوريا وبإدارتها الذاتية التي اتخذت من فكره وفلسفته نهجاً تسير عليه، وبذلك أكدت للعالم مدى نجاح وصحة هذا الفكر فبالرغم من عمر الإدارة القصير استطاعت أن تنجز ما عجزت عنه دول كثيرة متحديةً الظروف الصعبة التي تواجهها من مقاومتها لأشرس إرهابٍ عرفته الإنسانية وقاومته وانتصرت عليه وطهّرت أرضها وحررت شعبها. ووقفت في وجه أطماع الحكومة التركية التي طالما ادّعت أنها تتدخل في الشمال السوري وروج آفا وتحاربها بشتى الوسائل حفاظاً على أمنها القومي وكلها ذرائع لأنها تخاف من النجاح الذي حققته هذه الإدارة ،هذا النجاح الذي سيمتد إلى أراضيها ويقتدي به الكرد في باكور كردستان وسيتنفسون الحرية وهذا ما يبغضه أردوغان وحكومته، فيعمد إلى التدخل والهجوم والاحتلال وينشر الدمار والقتل والفساد والتتريك ويطلق العنان لمرتزقته لينشروا الخوف والرعب والقتل والفساد وهتك الأعراض في كل أرضٍ سورية قام باحتلالها. فأهداف أردوغان وحكومته باتت واضحة وضوح الشمس لكلِّ العالم وأطماعه بدت جلية ليس في روج آفا وشمال سوريا، فحسب بل هي إعادة أمجاد السلطنة العثمانية فعينهم على حلب والموصل وكركوك وأراضٍ عربية كثيرة وتدخله العسكري في ليبيا أكبر دليلٍ على أحلامه الخبيثة في إعادة أمجاد أجداده الدموية التي قامت على سفك دماء الشعوب.

كان لا بدّ لشعوب المنطقة التكاتف والوقوف معاً ضدّ أطماع هذه الدولة التي تحاول بشتى الوسائل وكلّ الطرق القذرة احتلال أراضي غيرها وقتل شعوبها ونهب خيراتها. فلا طريق سوى طريق المقاومة والدفاع عن الأرض والوطن والاعتماد على الذات لا على تلك الدول التي تبحث عن مصالحها وتتقاسم أوطان الشعوب. فالمؤامرة كبيرة وما زالت مستمرة فلا بدّ لنا من المقاومة للحفاظ على ذاتنا وكياننا ولنعيد لذلك القائد الذي ضحى بنفسه وحريته من أجل حرية شعوب المنطقة فمعاً لنكسر قيود وأقفال إيمرالي، معاً لنعيد لقائدنا آبو حريته