سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

إدلب معركة نزع القفازات

تقرير/ رامان آزاد-

سوريا ميدانُ التنافسِ والتسوياتِ الدوليّة، لعلَّ هذه العبارة تختزلُ معظمَ فصولِ الحربِ السوريةِ، فقد تحوّلت كلّ المجاميع المسلحة بمختلف تلاوينها إلى مجردِ أدواتٍ، وباتت مرتزقة مأجورة، سواءٌ السوريون المحليون أو العابرون للحدودِ.
التدخلّ الروسيّ بثقله العسكريّ أسفر عن تجميعِ تفاصيلِ الأزمةِ السوريّةِ في جغرافيا إدلب، ولتصبحَ المعركةُ فيها أهم فصول الأزمة، فيما حصلت تركيا لقاء التعاونِ مع موسكو على رخصةٍ باحتلال عفرين وقبلها الباب، وأقامت نقاط المراقبة بإدلب.
لم تُفضِ سلسلة اجتماعات أستانة عن ترسيخِ الأمانِ بالمناطقِ التي استعادتها دمشق، وهذا ما دعا لعقدِ الاتفاقِ الروسيّ-التركيّ في سوتشي ٢٠١٨/٩/١٧ والذي تضمن التزاماً تركيّاً بإنشاءِ منطقةِ منزوعةِ السلاحِ خلال شهر، ولكن أنقرة ماطلت بتنفيذها، حتى استهلك كلَّ المهل، وخلال هذه الفترة كان أردوغان يعوّل على متغيرٍ كبيرٍ جداً بنفس الطريقةِ في عملياته (درع الفرات وغصن الزيتون ونبع السلام). وكانت أنقرة تعدُّ العدةَ لبدءِ عملية عسكريّة موسعةٍ بريفي حلب وإدلب، ولم تتوقف حالاتُ استهدافِ تمركز القواتِ الروسيّة بمطار حميميم بالطائراتِ المسيّرة.
 إدلب: بيضة القبان الروسيّة في المعادلة السوريّة
إدلب هي معركة موسكو المؤجلة والأساسيّة، ولم تكن عملياتُ الترحيلِ إليها عبثيّة، فباتتِ المحافظةُ التجميعَ المكثّفِ لتفاصيل الأزمة السوريّة، وينبثقُ إصرار موسكو على عملية إدلب من اعتباراتٍ كثيرة أهمها تأكيدُ تموضعها في سوريا باعتبارها جزءاً من الأمنِ الأوراسيّ وهو المشروع الكبير الذي تخوضه مقابل الغرب، ولوجودِ آلاف المرتزقة من رعاياها في سوريا (الشيشان، الطاجيك، الأنجوش، الداغستان) وتخشى عودتهم. وفي هذه الظروف بدأتِ العمليةُ العسكريّة وتلاحقتِ المستجدّات.
العمليةُ العسكريّة بدأت متزامنة بريف حلب الغربيّ وريف إدلب الجنوبيّ، وعلى اتجاهين متعاكسين على طول الطريق الدوليّ. وكانت سريعةً خلافاً للتوقعاتِ، فكان سقوط سراقب في 8/2/2020بعد سقوط معرة النعمان في 29/1/2020، فبادرت أنقرة لتعزيز وجودها العسكريّ في محيط سراقب حيث مفترقُ الطريقين M4 و M5، وكان الردُّ بقصف قواتِ النظام والطيران الروسيّ للأرتالِ التركيّة في سراقب وتفنتاز والأتارب ومقتل 13 جندي تركيّ. القصفُ الروسيّ رسائل تأكيدٍ لتجاوز تركيا الخطوط المتفق عليها.
وصول الجيش السوريّ إلى قرية آفس والطلحية يجعله أقرب إلى القاعدة الجوية “مطار الحوامات” في تفتناز ويعني تجاوزاً لما تم تدواله بأنَّ العمليةَ العسكريّةَ ستستمرُّ حتى سراقب واستعادةِ السيطرةِ على الطرقِ، واقتصارها على شرقِ الطريق… وقد عرض الوفدُ الروسيُّ على أنقرة اتفاقاً لتغييرِ حدودِ منطقةِ خفض التصعيد ويبدو أنَّ أنقرة رفضت مبدئياً. وبالتالي فمع التصعيدِ الجديدِ يصبحُ التوافقُ الروسيّ-التركيّ على مفترق مهم جداً حول إدلب.
أعلنت أنقرة عن عملية باسم “دعم السلام”، وبدأتِ القصفَ على سراقب في محاولة استعادتها، أي قبل انتهاء المهلة التي حددها أردوغان بنهاية الشهر الحالي. ولكنها قبل انتهاء المهلة تحدثت أنقرة في 11/2/2020 عن ردٍّ عسكريّ على قصف على مطار تفتناز وارتفاع عدد الجنود القتلى إلى 13، إلا أنّ وقائع الميدان لم تؤكده فقد كان السقفُ مرتفعاً بالقول إنّها استهدفت ١١٥ نقطة عسكريّة بتوقيتٍ محدودٍ زمنيّاً ودمّرت ١٠١ منها، وفي 11/2/2020 وعقد أردوغان اجتماعاً أمنيّاً وقرر “الرد بالمثل”.
إعلانُ أردوغان عمليةَ “دعمِ السلامِ” في مواجهةِ تقدمِ قوات النظام وإسقاط حوامةٍ، لم يأتِ من فراغٍ، بل يعني معارضةَ إرادةَ موسكو، ومعلومٌ أنّ أنقرة تلعبُ في هوةِ التناقضات ما بين واشنطن وموسكو، ولا تصعّدُ مواقفها إزاء أيّ منهما إلا بالتنسيق مع الطرفِ المقابل.
وإذا أخذنا بالاعتبار معارضة واشنطن للعملية العسكريّة بإدلب، فإنَّ تصريحَ وزير الخارجية الأمريكيّ مايك بومبيو بالوقوفِ إلى جانب تركيا كان متوقعاً، ولكن الإشارةَ إلى أنّ تركيا دولة عضوٌ في الناتو يحملُ دلالةَ التحالفِ وليس الموقف الانفراديّ. وهو موقفٌ معاكسٌ لما حدث قبيل العدوان على شمال سوريا والعملية المسماة “نبع السلام”، فقد كان دعمُ موسكو كفيلاً بإحراجِ واشنطن لتقررَ سحبَ قواتها من الحدودِ، ويزدادُ الموقف الأمريكيّ وضوحاً بإيفادِ جميس جيفري إلى أنقرة.
الرِّهان بين الاتفاقات والميدان
حتى اليوم لا تُعرفُ حدودُ توافقاتِ أنقرة مع كلّ من واشنطن وموسكو، لتُعرفَ خطوطُ النارِ ومساراتُ العملية السياسيّة، فتركيا طرفٌ بالحربِ السوريّة، وبنفس الوقتِ سببٌ أساسيّ لاستمرارها. فهل ينهي اتفاقٌ جديدٌ التصعيدَ الميدانيّ أم هناك المزيد؟ وما الثمن الذي ينتظره أردوغان ليرفعَ يدَه عن إدلب لو تمَّ الاتفاق أو ما هي الحدودُ الدُنيا لتقبل موسكو؟
فشل أردوغان في إدلب يحرجه سياسيّاً فهي المواجهة المباشرة ونزع القفازات، والتدخلُ التركيّ لا يهدفُ لحمايةِ المدنيين بإدلب، فإرسالُه للسوريين للقتالِ في ليبيا يؤكّدُ أنّه يتلاعبُ بهم، ولكن الحديث عن مصيرِ العوائلِ والأهالي دافعي فاتورة الحرب والذين باتوا في العراءِ، هو من قبيل الشعار فقط.