سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

النِّفاق التركي في إدلب

مركز روج آفا للدراسات الاستراتيجية

بعد نجاح السياسة الروسية في سوريا وإعادة سيطرة النظام على مساحات كبيرة كانت فيما مضى تحت سيطرة ما تسمى بالمعارضة السورية من خلال اتباع سياسة خفض التصعيد والتي كانت من نتائجها قضم الأراضي التي تسيطر عليها الجماعات المسلحة سواء بالقوة العسكرية أو من خلال سياسة المقايضات التي أجبرت الجماعات المسلحة على التراجع وتسليم مناطقهم لقوات النظام والتجمع في إدلب التي أصبحت مركزاً للمرتزقة الموالية لتركيا وتصديرهم نحو بلدان أخرى كليبيا. ورقة بيد أردوغان لاستخدامها لتحقيق أجنداته العثمانية في المنطقة.
 وعلى الرغم من كشف القناع عن نوايا أردوغان ومعاناة الشعب السوري في إدلب وتدمير القرى والبلدات في إدلب نتيجة سياسة أردوغان المناهضة لأهداف الشعب السوري في العيش بأمن وسلام، ما تزال الجماعات المسلحة المسيطرة على إدلب مرتبطة بتركيا واستخباراتها لتحقيق مكاسبها الشخصية والآنية على حساب أبناء المنطقة.
مع بدء الحملة العسكرية على الريف الجنوبي لإدلب بدأت قوات النظام بالسيطرة على المدن الاستراتيجية الواقعة على طريق M4,M5 مثل مدينة معرة النعمان وسراقب ومن ثم التوجه نحو الريحانية وجسر الشغور  بهدف السيطرة على كامل الطريقين الاستراتيجيين كمرحلة أولى والبدء بتحرير إدلب كمرحلة ثانية وتحت أنظار الجيش التركي الذي ما زال يقف موقف المتفرج حيال ما يحدث، وعدم جدوى نقاط المراقبة التركية في وقف زحف قوات النظام أو الطيران الروسي في الريف الجنوبي لإدلب بل أصبحت بعض النقاط ضمن مناطق سيطرة قوات النظام وهي مسألة وقت حتى تقوم القوات التركية بالانسحاب من تلك النقاط.
سياسة أردوغان بين التخبّط والتوعّد بالرد
 بالرغم من تصريحات أردوغان المضللة تجاه ما يحدث في إدلب والتي يمكن إدراجها تحت بند حفظ ماء الوجه أو إخفاء نواياه التي تقوم في الأساس الحصول على مكتسبات على حساب الشعب السوري الذي أصبح يعاني أكثر نتيجة سياسة أردوغان البراغماتية وتدخله السلبي في الأزمة السورية، فقد بات أردوغان يُصرّح بأنه لن يقف مكتوف اليدين حيال ما يحدث في إدلب حيث بدأ باتهام الروس بنسف اتفاقيات آستانا وسوتشي وتهديده بتفعيل اتفاقية أضنة وهنا يمكن وضع علامة استفهام عليها، ومهما كان الرد التركي من قصف أو قتل بعض جنود النظام لن يكون إلا لإيهام المعارضة بأن تركيا ليست موافقة على العملية العسكرية على إدلب، ولاستكمال التغيير الديمغرافي في عفرين من خلال توطين المهجرين في عفرين. فالسكوت التركي والذي هو الضامن لما يسمى بالمعارضة في إدلب قد يكون مؤشراً على وجود توافق تركي روسي مع النظام واجتماع رئيس الاستخبارات التركية حقان فيدان مع علي مملوك رئيس مكتب الأمن القومي السوري في موسكو وبرعاية روسية ولأول مرة منذ الأزمة السورية يدخل ضمن هذا التوافق، فبعد الاجتماع الثلاثي في موسكو بدأت الحملة العسكرية على إدلب ونتج عنها دخول قوات النظام إلى معرة النعمان ولأول مرة منذ سقوط المدينة بيد ما تسمى بالمعارضة عام 2012 وتوجه قوات النظام نحو مدينة سراقب الاستراتيجية والسيطرة عليها وهو ما قد يعني وجود اتفاق بين الأطراف الثلاثة على إنهاء المعارضة في إدلب مقابل إنهاء الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا مع منح تركيا الضوء الأخضر باجتياح المنطقة الواقعة بين كري سبي وجرابلس “كوباني” وربط شرق الفرات بغرب الفرات وإنهاء رمزية كوباني “العالمية” في إلحاق أول هزيمة بمرتزقة  داعش، ذلك التنظيم الذي حاول أردوغان الاعتماد عليه وتقويته لضرب المناطق الكردية واحتلالها وإحداث تغييرات ديمغرافية فيها عن طريق تنظيم داعش، بدلاً من تركيا، فبعد فشل مشروعه بدأ باجتياح عفرين وسري كانيه وكري سبي والقيام بعمليات التغيير الديمغرافي فيها.
الصمتُ التركي في إدلب مقابل التدخّل في ليبيا
ويمكن إدراج الصمت التركي لما يحدث في إدلب مقابل الصمت الروسي تجاه التدخل التركي السافر في الأزمة الليبية, وهذه سياسة روسية شبيهة بسياستها في مناطق خفض التصعيد أي أن روسيا بدأت باستغلال التدخل التركي في ليبيا والحصول على مكاسب جديدة في إدلب. وفي النهاية ستكون روسيا الرابح الأكبر في الأزمة السورية ونجاح سياستها في سوريا يكون باستغلال الجميع لتحقيق هدفها الكبير في بسط سيطرة النظام على كامل المساحة السورية، إلا أن العقبة الكبرى ستكون إدلب وفي كيفية السيطرة عليها كون تلك المدينة تضم كافة التنظيمات المتطرفة والمسلحة بكافة الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة والمدعومة من تركيا وبالتالي قد تنذر بحدوث معركة كبرى فيها يكون الخاسر الأكبر من المدنيين وقد تنتهي لصالح روسيا بسبب سياسة أردوغان المعادية للشعب السوري واستغلال الأزمة السورية لتحقيق أحلامه الوردية في بناء إمبراطوريته العثمانية الجديدة في المنطقة.