سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

التوظيفُ الدينيّ في الحربِ السوريّة ــ2

تحقيق/ رامان آزاد

اختلف علماءُ المسلمين في تقييمِ ما يحدثُ في سوريا ما بين القول بالفتنةِ والنأي عن الدخولِ فيها، وقائل بالثورة فدعا “للجهادِ”. ولأنّ فقهَ الجهادِ (المقاتلة) ملتبسٌ وفق المرجعيّة الدينيّة والمذهبِ، فالبعضُ لا يجيز الجهادَ إلا لضرورةِ دفع خطر العدو والدفاعِ عن النفسِ، وآخرون يفتون بالقتال لكفر أو طغيان، لم يكن متوقعاً الترويجُ للحالةِ “الجهاديّة” في بلدٍ مثل سوريا، فكانت فتوى التكفير سابقة لفتوى الجهاد، فيما جسّدت؛ والتي توالت منذ أولى أيام الأزمة لتُخرجَ المسألةَ السوريّة من محليتها وتصبحَ شأناً إسلاميّاً عاماً يستقطبُ “الجهاديين” من كلِّ أنحاءِ العالمِ.
الفتوى منطلقٌ ومضمونٌ
نشأتِ الحالةُ “الجهاديّةُ الإسلاميّةُ” في أفغانستان بصورةٍ طبيعيّةٍ على أنّها مقاومةٌ للإلحادِ الشيوعيّ المحتلِّ للبلادِ، وتداعت معظمُ الدولُ العربيّة للدعمِ والتمويلِ، وانبثقت ظاهرةُ “الأفغان العرب، كما شاركت واشنطن الدعم أيضاً لاحتواءِ المتغيرِ الإيرانيّ بعد الإطاحة بنظامِ الشاهِ، فالتقتِ “الجهاديّةُ العربيّةُ” والمصالحُ الأمريكيّة.
وإذ لا جهادَ من غير فتوى تحددُ ضرورتها وأحكامها، فإنّ منابر الفتاوى لم تتأخر في إبداءِ رأيها حول ما يجري في سوريا، والدعوةِ للنصرة والجهاد، ففي تسجيلٍ صوتيّ نُشر في 23/4/2011 وصف الشيخ صالح اللحيدان الدولة السوريّة بالدولة الفاجرة الخبيثة الخطيرة الملحدة، داعياُ للجهاد فيها. وركّز على الخطاب المذهبيّ، واستند إلى فتوى في مذهب مالك مفادها “يجوز قتل الثلث ليسعد الثلثان”.

أكثر الشخصيات الدينيّة فتوىً هو الشيخ يوسف القرضاويّ، والذي عرُف باسم شيخ الفتنة، وقد اشتهر بفتوى جواز قتل ثلث السوريين، كما أفتى في 16/12/2012 بقتل الشيخ محمد سعيد رمضان البوطيّ ضمن توصيفه له من علماء السلطة وأنّه “فقد عقله وفقد عقله”، وقد اغتيل الشيخ البوطي في 21/3/2013، وقبلها أفتى بحق معمر القذافي واصفاً إياه بالمجنونِ والملعونِ، وفي 4/3/2012 بأنّ الجهادَ في سوريا “فرضُ عينٍ وليس كفاية”، ولا تلزمُ موافقةُ الوالدين، كما أنّه أفتى بالجهادِ بمنطق مذهبيّ وعنصريّ ليشمل قتالَ الكردَ أيضاً، وصولاً للفتوى بالتفجير الانتحاريّ إذا ارتأتِ الجماعة ذلك، وليس قراراً فرديّاً، ما يطرح السؤال معنى “الجماعة”، فلا يُفسر إلا وفقَ الفقهِ الإخوانيّ والجهاديّ. وفي تظاهرةٍ لتكريمه في إسطنبول في 11/12/2016 قال: “لو كانت لي القدرةُ لذهبتُ للقتال في حلب”.
أفتى الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في 19/5/2013 باعتبارِ ما يجري في سوريا فتنةُ لا يجوزُ المشاركةُ فيها
وفي 6/10/2015 دعت هيئة كبار علماء العلماء بالسعودية لنصرة سوريا بشتى الوسائل وسبقها قبل أيام بيان لـ52 عالماً سعوديّاً دعوا للجهاد والنفير والتوحد.  وفي 6/10/2015 دعت هيئة كبار العلماء في السعودية برئاسة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ إلى بذل ما كل ما يُستطاع لنصرة “المضطهدين والمجاهدين في سوريا”
وفي 13/6/2013 دعا مؤتمرُ علماءِ المسلمين إلى النفرةِ والجهادِ بالمالِ والنفسِ والسلاحِ لنصرةِ الشعبِ السوريّ فيما أشادوا بموقف تركيا وقطر، ووقّعَ على البيانِ الاتحادِ العالميّ لعلماءِ المسلمين والإخوان المسلمون.
وفيما تغيبُ قضيةُ فلسطين والقدسِ ورموزها في مسارها الصحيح كحقيقة حقوقيّة، إلا أنّها تحضر في سوريا بأسماء مجموعاتٍ جهاديّةٍ تاهت بوصلتُها لتحاربَ في سوريا، وقد أفتى القرضاويّ بأن “لا جهادَ في فلسطين والأولى القتالُ في سوريا”.
“التنظيماتٌ الجهاديّةٌ” في سوريا
بعد استكمالِ الجانبِ العقائديّ في مستوى الفتوى وأُخِذ بأعناقِ النصوصِ وفُسّرت بما يتوافقُ مع التموضعِ السياسيّ، فتمّت شرعنةُ القتلِ على نحوِ التعميمِ، وكان التجسيدُ العمليّ لتلك الفتاوى، بظهورِ عشرات الجماعات المسلّحة التي مارست الترويع والتخويف وتفننت بالقتلِ ومارست الوصاية على المجتمع وفرضت أحكاماً جائرة خنقتِ الحياةِ وسلبت الناس حرياتهم في معاشهم وتنقلهم ولباسهم.
وبالمجملِ لم يكن بالإمكان تدخلُ الأطراف الخارجيّة في مسار الأزمة السوريّة لولا اعتمادُ الخطاب الطائفيّ المذهبيّ وسرديّة المظلوميّة التي لا تُرفع إلا بالقتلِ، فيما كان الخطاب الجهاديّ ملتزماً الإطارَ المذهبيّ، ليكونَ القتلُ على الهويةِ والمعتقدِ.
صحيح أنّ البدايةَ كانت سوريّة، إلا أّنّ ظهورَ التنظيماتِ الجهاديّة كان بوابةَ الانتقالِ من المحليّةِ إلى الإقليميّةِ والجهاديّة المعولمة، فارتفعت شعاراتٌ تستنهضُ الهممَ وتحرّضُ على القتالِ، وتبوأ الجهاديون الأجانبُ مراكزَ متقدمة ومارسوا سلطاتهم على السوريين. ومن نماذج تلك التنظيمات:
 “حركة الفجر الإسلاميّة”
تأسست بداية عام 2012، ببلدة دارة عزة بريف حلب، يقودها عبد الله الشاميّ، وتتبنّى مشروعاً إسلاميّاً مذهبيّاً، تُصنّفُ حركةً سلفيّةً جهاديّةً قاعديّة، تحت عقيدة “دفع الصائل ولجم الباغي”، ويعرّفها أنصارُها بأنّها “جبهة إسلاميّة تهدفُ لتحكيم شرع الله تعالى في جميع مناحي الحياة، ونقل الحراك من الحالة الثوريّة إلى الحالة الجهاديّة، عبر كلّ الوسائل الشرعيّة الممكنة، القتاليّة منها والدعويّة والإغاثيّة، وعدم الاقتصار على الجانب العسكريّ”. وتضم مقاتلين أتراك. ويقال إنّها تستمد افكارها من الشيخ أبو بصير الطرطوسيّ الذي كان مقيماً في لندن، وتضمُّ الحركةُ 18 كتيبة وسرية كانت منتشرةً في حلب وريف إدلب وأهمّها كتيبة “شيخ الإسلام ابن تيمية” ويوجد لها هيئة شرعيّة ومكتب دَعويّ. اندمجت بداية عام 2013 مع “حركة أحرار الشام” وانفصلت عنها بسبب التهميش، وفي 25/7/2014 دخلت في تحالف باسم أنصار الدين مع (جيش المهاجرين والأنصار، الكتيبة الخضراء، شام الإسلام). اتخذت موقفاً حياديّاً إزاء داعش ولعبت دور الوساطة في خلافاته مع باقي الفصائل، ثم أفتت بأنّه “تكفيريّ يجب مقاتلته”. في 10/12/2016 اندمجت معها كليّاً “حركة شام الإسلام” من مقاتلين مغاربة التي يتزعمها عبد الله البيضاويّ.
“جند الأقصى”
فصيلٌ سلفيٌّ جهاديٌّ عُرف بتشددهِ وممارسته العنفَ، يهدفُ إلى تطبيق الشريعة الإسلاميّة في إمارة إسلاميّة، يطغى عليه المهاجرون الخليجيون إضافة لتونسيين ومصريين، واحتضن من انشق عن “داعش” عام 2014.
تأسس في أيلول 2013 على يد الفلسطينيّ محمد يوسف عثمان “أبو عبد العزيز القطريّ”، كان من جهاديي أفغانستان والشيشان وانتقل للعراق وانضمَّ لأبي مصعب الزرقاويّ، وعاد إلى سوريا 2012، وأسس “سرايا القدس” التابعة إلى “النصرة”، ثمَّ انشقَّ عن “جبهة النصرة” (فتح الشام) وأسس “جند الأقصى” وبايع “داعش”، خاض المعارك ضد قوات النظام في آب 2014 بريف حماه الشماليّ، واصطدم مع “حركة أحرار الشام”.
اُختطف القطريّ في 7/1/2014 ثم وُجدت جثته في مدينة دير سنبل واُتهم بقتله جمال معروف قائد “جبهة ثوار سوريا”، وتولى مكانه المدعو عمار الجعبور (أبو مصعب سراقب) وخاض “جند الأقصى” إلى جانب “النصرة” صراعاً ضد “جبهة ثورة سوريا” و”الفرقة 13″ و”حركة حزم”، واُتهم بعددٍ من الاغتيالاتِ في إدلب. وفي 8/10/2016 بدأت “حركة أحرار الشام” هجوماً عليها رداً على هجومٍ عليها، ولكنها احتمت ببيعتها “للنصرة” في 8/10/2016. ولم تلبث أنّ فكّت البيعة بعد 3 أشهر، فانضم بعض عناصرها للتركستانيّ وآخرون إلى “فتح الشام”، ومن تبقى تحوّل لتشكيل باسم “لواء الأقصى”.
 وخاضُ الفصيلُ معارك ضد النظام السوريّ بريف حماة الشماليّ أواخر 2016، وشكّلت المجموعات المنشقّةُ عنه في 9/3/2018 فصيلاً جديداً باسم “أنصار التوحيد” وبقي مستقلاً، ومع إعلان غرفة “الفتح المبين” بدأ مرحلة جديدة في 18/6/2019 اشترك فيها ليقاتل في إطارها. وحالياً جند الأقصى انضم إلى “فتح الشام” ويضمُّ حوالي ألف عنصر، ويتزعمه الشيخ أسامة الرفاعيّ. ومناطق انتشاره في سراقب بريف إدلب الجنوبي.
 “جبهة أنصار الدين”
تحالفٌ تبنّى الأيدلوجيا الجهاديّة السلفيّة، ضمّ حركةِ “فجر الإسلام” من “جهاديين سوريين” وحركة “شام الإسلام” من جهاديين مغاربة و”الكتيبة الخضراء” فيما شكّل “الجهاديون” الشيشان وغيرهم من الناطقين بالروسيّة “جيش المهاجرين والأنصار” الذي تزعمه أبو عمر الشيشاني والذي بايع “داعش في بداية 2014، وأخذ مكانه صلاح الدين الشيشاني والذي بايع “النصرة في 23/9/2015 وتركوا التحالف. وفي 12/2/2017 انضمت “الجبهة” إلى “هيئة تحرير الشام”، وبسبب هيمنة “فتح الشام ولأسبابٍ عقائديّة وميلها للقاعدةِ، أعلنت انفكاكها عن الهيئة شباط 2018
 “الكتيبة الخضراء”
نظراً للسريّةِ التي تعملُ بها فلا يُعرف تاريخٌ دقيقٌ لتأسيسها، كما أنّها مقتصدةٌ في البياناتِ والإعلام، تضمُّ جهاديين سعوديين وتزعمها السعوديّ عمر سيف، عملت في ريف حمص الشرقي ومنطقة القلمون، وتُعرف الكتيبة بانغماسيها وتنفيذ العمليات الانتحاريّة، وكانت قد بايعت “جيش المهاجرين والأنصار”، وانضمت في 25/7/2014 في تحالف “أنصار الدين”.
“جيش خالد بن الوليد”
جماعة سلفيّة جهاديّة تأسست بريف درعا في 21/5/2016 بريف درعا، وضمُّ (لواء شهداء اليرموك وحركة المثنى الإسلامية، جيش الجهاد سرايا الجهاد سابقاً)، وتزعمه على التوالي أبو هاشم الحمويّ، أبو عثمان الشاميّ، أبو محمد المقدسيّ، وقد بايع داعش في حزيران 2018، وخاض بشكلٍ مواجهاتٍ متقطعة ضد الفصائلِ التي بالجوار واعتمد أسلوبَ الحربِ المباغتةِ والكرِّ والفرِّ، وانتهى وجودُ جيشِ “خالد بن الوليد” في 31/7/2018 بعد 13 يوماً من الاشتباكاتِ مع قواتِ النظامِ وفصائلِ المصالحةِ، فاستسلم البعضُ وآخرون اتجهوا للباديةِ.
“حراس الدين”
 في 27/2/2018 أُعلن عن تشكّل “حرّاس الدين” القاعديّ، بقيادة أبو همام الشاميّ، وهو سوريّ من ريف دمشق بدأ مسيرته الجهاديّة عام 1999 بمبايعة بن لادن، فعيّنه مسؤولاً على السوريين بأفغانستان، ثم أرسله إلى الموصل العراقيّة مع الغزو الأمريكيّ للعراق فعملَ مع أبي مصعب الزرقاويّ الأب الروحيّ لداعش. ولكنَّ إعلان الجولانيّ فكِّ بيعته للقاعدة في تموز 2016، وضع مرتزقة القاعدة التاريخيين أمام خيارٍ جديدٍ، بلبسِ عباءةِ الاعتدالِ للحصول على قبولٍ دوليّ وإقليميّ، وهو توجّهٌ اعتبره مراقبون تكتيكاً للتملّصِ من التوصيف بالإرهاب. إلا أنّ مجموعة من القياديين رفضت تغيير المنهج والراية، والانقلاب على الظواهري زعيم القاعدة والاتفاق مع تركيا، وبذلك تشكّل حراس الدين.
كما وُجدت في الساحة السوريّة فصائل أصغر بريف اللاذقية، مثل كتيبة البتار الليبيّة التي تأسست في 23/12/2012، وكتيبة صقور العز التي ضمّت جهاديين سعوديين أبرزهم “صقر الجهاد”، ومجموعات تونسيّة وقوقازيّة تلاشت أو انضمّت إلى فصائل أخرى. وكتيبة “جند الشام” و”أجناد القوقاز” الشيشانيتان، وكتيبة التوحيد والجهاد” وتصم جهاديين من الأوزبك والطاجيك وتركستان، وكتيبة “الإمام البخاري” وتضم جهاديين من الأوزبك.
“حركة نور الدين الزنكيّ”
لم تعلن عن نفسها جهاديّة، بل حركة إسلاميّة سنيّة، وهي من أكثر الفصائل في تغيير تحالفاتها، وبدأت بدعم تركيّ تحالفت مع “النصرة” وانتهت بسببها.
أسسها توفيق شهاب الدين في 1/11/2011 في ريف حلب الغربي، وتوسعت نشاطاتها العسكريّة لتشملّ محافظة حلب بالكامل، وتلقت الدعم من غرفة عمليات MOM بتركيا، التي شاركت فيها 10 دول، وانضمت إلى لواء التوحيد في 18/7/2012 وانفصلت عنه بنهاية العام نفسه، لتنضم إلى ألوية فاستقم، وتضيف كلمة “إسلاميّة” إلى اسمها، وانسحبت في حزيران 2013، واستعادت اسمها، لتنضم إلى جيش المجاهدين  2/1/2014 مع فصائل (لواء الأنصار، أمجاد الإسلام، تجمع فاستقم كما أُمرت)، وفي 24/9/2016  شارك الزنكيّ في غرفة فتح حلب، وانفكتِ “الزنكيّ” عن جيش المجاهدين، وفي 28/1/2017 وبعد خسارة حلب “انضمَّ” إلى “هيئةِ تحريرِ الشامِ” وانشقَّت عنها في أيلول 2017، لتنضمَّ إلى الجبهة الوطنيّة للتحرير في 1/8/2018.
في 20/7/2016 أقدم أحد أفراد الزنكيّ على ذبح طفلٍ فلسطينيّ، وأثارتِ الحادثة استهجاناً كبيراً في الأوساطِ العامةِ، وأدانتِ الحركةُ الحادثَ واعتبرته جريمةً.
في مطلع 2019 خاضت الزنكي أربعة أيام من الاشتباكات الضارية مع “هيئة تحرير الشام”، التي سيطرت على كامل ريف حلب الغربيّ.
بعد اجتماع قادتها بقيادات تركيّة أعلنت “الزنكيّ في عن حلِّ نفسها والانسحاب إلى عفرين، وتشكيل اللواء الثالث والانضمام إلى فيلقِ المجدِ ويبرز اسم خالد العمر أبو اليمان ويغيب شهاب الدين.