سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

الانفصالُ… ذلك الهاجسُ الوهميّ

تقرير/ رامان آزاد

“لا مشكلةَ مع الكردِ فهم إخوتنا وشركاؤنا في الوطن، ولهم ما لنا وعليهم ما علينا، ولكنَّ المشكلةَ بنزعةِ
الانفصالِ عندهم، يسعون لتقسيمِ الوطنِ وإقامةِ دولةٍ مستقلةٍ بهم”. هذه هي اللازمة المكررة على الدوام لتبرير سياسة الإقصاء والإلغاء وحتى الحربِ على الكردِ، وهي مجردُ هاجسٍ، يمكن حله عبر الحوارِ والانفتاحِ، والسؤالُ المطروحُ؛ هل الدولةُ القوميّةُ تستوعبُ قضايا مجتمعاتنا وتحلّ أزماتِ المنطقةِ المزمنةِ؟ ما هي البدائل؟
الدولةُ القوميّة انقلابٌ على الفِطرةِ
ماذا تعني الدولةُ أولاً؟ هل يستحقُّ كيانُ الدولةِ كلَّ هذه التضحيات والقرابين؟ ما هو الأصلُ والجوهرُ وما الفرع؟
الحقيقةُ هناك سوءُ فهمٍ للحياةِ نفسها في غايتها وأسلوبها، وببساطةٍ، الحياةُ هي الوجودُ الطبيعيّ والفطريّ، وهي الأصلُ والغايةُ الأسمى، وقد عاشتِ البشريّةُ آلافَ السنواتِ بدونِ كيانِ الدولةِ اعتباراً من الغابةِ والمشاعية.
ظهرتِ الدولةُ في سياقٍ تطوريّ للحياةِ، وباختصارٍ، الدولةُ هي بُنى مؤسساتيّةٌ لتنظيمِ الحياةِ، مهمتها خدميّة، وجاءتِ الحاجةُ إليها مع تعقّدِ الحياةِ، وعدمِ تمكن الإنسانِ من تلبيةَ كلّ حاجاته بنفسه، أي أنَّ مفهومَ الدولةِ يقومُ على التخادمِ والتنافعِ المجتمعيّ.
والحاجاتُ الإنسانيّة الطبيعيّة كالمأكلِ والملبسِ والأمنِ عابرةٌ للأعراقِ والقومياتِ والأديانِ والمذاهبِ فالطبِّ والتداوي حاجةٌ إنسانيّةٌ، ولا يوجدُ طبٌّ للأبيضِ وآخر للأسودِ، أو طبٌّ للعربِ وآخر للكردِ أو الفرس، والأمرُ ينسحبُ على كلِّ شؤونِ الحياةِ.
جسّد مفهومُ الدولةِ القوميّةِ الانقلابَ على الفطرةِ، وضيّق أفقَ الحياة، وعكسَ المعادلةَ، ليجعلَ الوسيلةَ غايةً، وتصبحَ الدولةُ غايةً بحدِّ ذاتها، أي الإنسانَ بخدمةِ الدولة، وانبثق معها مفهومٌ موازٍ هو السلطةُ أي القوة.
ودخلتِ الدولةُ في مزيدٍ من الاجتزاءِ والاستغراقِ في التفاصيل، لتكونَ عناوين لها. كأن تكونَ الدولةُ دينيّة مذهبيّة أو قوميّة حزبيّة، والمشكلةُ ستتعمقُ مع دولِ المذاهبِ والعوائل، فالاختلافُ كبيرٌ بين الدولةِ العربيّة البعثيّة وتلك العربيّة الدينيّة (سنيّة أو شيعيّة أو وهابيّة)، ولكن التفاصيل لا تقفُ عند هذا الحد بل هي أكبر وأدقُّ مع حساب المناطقيّة والعشائريّة والمرجعيات الدينية والاجتماعيّة، فكان مصيرُ العربيّ منبوذاً مثل الكرديّ ولكن لسببٍ مختلفٍ.
العدالة أول الضحايا
من الخدماتِ المهمةِ التي يجبُ على الدولةِ تقديمها إقامةُ العدالةِ وتسييرُ معاملاتِ التقاضي بين الناسِ، ولا توجدُ عدالةٌ عربيّة أو فارسيّة أو أوروبية، لأنّها أيضاً تشتقُّ ضرورتها من الفطرةِ أي الإنسانيّة. وبالمقابل لا يوجدُ ظلمٌ عربيّ أو فارسيّ، ولكن عندما قامتِ الدولةُ القوميّةُ بصياغةِ نموذجِ عقليّةٍ محددٍ وأشاعت ثقافتها الأحاديّةَ، وقتها ظهر الظلمُ العربيّ والاستبدادُ التركيّ والتعالي الفارسيّ وبالمقابل ظهرتِ المظلوميّةُ الكرديّة. وكانتِ العدالةُ ضحيةَ الدولةِ القوميّةِ بالمستوى الفكريّ والثقافيّ قبل القانونيّ الفرديّ.
ولم تكنِ الدولةُ القوميّة ضمانة العدالة والمساواة، ولم يمنع كيانُ الدولةِ العربيّةِ من زجِّ آلافِ العرب في معتقلاتٍ مذهبيّةٍ وحزبيّةٍ، ولكن لو أقيمتِ المحاكمُ وتمَّ التقاضي على أساسٍ إنسانيّ وفقاً لمبدأ أنّ الحريةَ حقُّ الإنسانِ الفطريّ، لما حصلَ ذلك.
انحرافُ الأحزابُ السلطويّةِ عن الفطرةِ
الحزبُ أيّاً كان مجردُ رؤيةٍ فكريّةٍ للحياةِ، وبالتالي ليست كلَّ الحياةِ، وتمثلُ الأحزابُ أسوأ أنواعِ الانحرافِ الفكريّ، عندما تعملُ على استحصالِ القوةِ للوصولِ إلى السلطةِ والاستحكامِ برقابِ الناسِ، لأنّها ستقع في هوة الشموليّة لا محالة.
من النتائج المباشرة لسلطة الأحزابِ القوميّةِ والعقائديّة أدلجةُ المجتمعِ، إذ يتدخلُ الحزبُ في تفاصيلِ حياةِ الناسِ كالتعليمِ والتربيّةِ والعلاقاتِ الاجتماعيّة وحتى الأسريّة، وبالتالي الوصايةُ الكاملةُ على الحياةِ، وتفرضُ لونها الأحاديّ، وتُحالُ الألوان الأخرى إلى عهدة المؤسسات الأمنيّة التي تلعب دور “محاكم التفتيش”، وما الحالة التي مرّت بها تركيا بعد محاولة الانقلاب المزعومة في 15/7/2016 إلا أحد أشكالها القبيحة حيث تمّت الإقالات والاعتقالات وإغلاق المؤسسات الإعلاميّة بصورة تعسفيّة لخدمةِ اللونِ الواحدِ.
في ظلِّ حكومة الأحزابِ تصبحُ الوظائفُ في الدولةِ ذاتِ توصيفٍ حزبيّ أكثر منها خدميّ، أي أنَّ الأصل في وظائف المؤسسات هو التوصيف الاعتباريّ الخدميّ الذي لا يحتاجُ للتحزبِ، وهل يمكنُ لوزيرِ المواصلاتِ أن يديرَ الطرقَ والنقلَ بطريقةٍ شيوعيّةٍ خلفاً لوزير كان يديرُها بطريقةٍ بعثيّةٍ مثلاً؟ أو أنَّ تختلفَ الخدمةُ بين وزيرٍ سنيّ وآخر شيعيّ؟
الحياة فطرةٌ تتجاوزُ إمكانيّة البشر، ومعيارُ التطورِ البشريّ يكمن بتسهيل شروطها، وليس بإغراقها بالروتينِ وتلوينها بأصباغٍ حزبيّة وعنصريّة، ولعلّ أهم أسباب انقسام الاتحاد السوفييتيّ يكمن في الشموليّة ومعارضة الفطرة، وكانت الليبراليّة الغربيّة من هذه الناحية متقدمة عليها. وكذا هي الحالة في الأنظمة العربيّة كلها التي جعلتِ المجتمعاتِ العربيّةَ أسيرةَ الأسرةِ الحاكمةِ أو الحزبِ، أو أسيرة المذهبِ الواحدِ في أنظمةِ الإسلامِ السياسيّ في إيران وتركيا.
الحلُّ لا يكمنُ في الوصفاتِ الجاهزةِ المستوردةِ، كما هو حالُ السوريين الذين ينتظرون حلاً للأزمةِ كنتيجةِ لتوافقاتِ القوى الدوليّة والإقليميّة، فيما يخوضون فيما بينهم صراعَ استنزافٍ لطاقاتِ وطنهم، بل الحلُّ بتأكيدِ التوصيفِ الاعتباريّ الخدميّ للدولةِ، وتبنّي التعدديّة الحزبيّةِ والسياسيّةِ على مستوى الفكرِ ليكونَ مصدرَ إغناءٍ وليس للممارسة السلطويّة.
ما معنى الانفصال؟
هو إنشاءُ كيانٍ جديدٍ على حسابٍ كيانٍ آخرٍ، ونقصانٍ في مساحةِ الدولةِ. والسؤالُ المهمُ يتعلقُ بالدافعِ لذلك، ولعلَّ الإجابةَ بغايةِ الوضوحِ، في منطقة كلُّ الكياناتِ السياسيّة تقوم على أساسٍ قوميّ، ولذلك سيبقى مشروعُ إقامةِ الدولةِ هدفاً في المخيلةِ الكرديّةِ، أي أنَّ واقعَ وجودِ الدولِ القوميّةِ بالمنطقةِ هو المحرّضُ.
الكرديّ بصورةٍ طبيعيّةٍ لا يخطرُ بباله إنشاءُ كيانٍ دولةٍ له، ولكنه عندما يجدُ مواطنته منقوصةً ويُمنعُ من لغته الأم وثقافته وعاداته وتقاليده ويُمنعُ من العملِ ويتم إلغاؤه وتزويرُ تاريخه واعتباره مجردَ لاجئٍ طارئٍ على الجغرافيا وخطراً افتراضيّاً على الأمنِ القوميّ للدولةِ وتُتخذُ إجراءاتٌ احترازيّةٌ ضده، وتصبحُ لغته وثقافته من صلاحيةِ المؤسسات الأمنيّةِ، سيفكرُ بدولةٍ خاصةٍ به تسمحُ له بكلِّ ما هو ممنوعٌ.
إذاً المشكلةُ لدى الآخر، فهو الذي يخلقُ محرّضاتِ الانفصالِ، ثم يتخذُ الإجراءاتِ بمنعها، والمفارقةُ أنّ منعَ الانفصالِ لا يستندُ لمبرراتٍ وطنيّة بل يستندُ لأسبابٍ قوميّةٍ وهي بالأساسِ محرّضة.
إنّ هاجسَ الانفصالِ إقرارٌ عبر اللاوعي من الآخرِ بأنّه لو كان مكان الكرديَّ لفكرَ بالانفصالِ، وبالمقابل لن يفكرَ الكرديُّ بالانفصالِ عن وطنٍ يتساوى فيه مع العربيّ أو التركيّ أو الفارسيّ بالمواطنةِ، وعندما يبرأ الجميعُ من “متلازمةِ عوزِ الديمقراطية”. وببساطة الحلُّ عنوانه دولةُ المواطنةِ للجميعِ.
إنّ أحدَ أهمِ أسبابِ إدامةِ الصراعِ وتعطلِ الحل، هو محاولةُ تطبيقِ شعارِ “إعادةِ كلِّ الجغرافيا السوريّة لسيطرةِ أو سلطةِ الدولة” والسؤال ماذا تعني السيطرة أو السلطة؟ إنّها استخدامُ القوةِ، أي الصراعَ المسلّحَ، بالتوازي مع الإقرار بعدمِ وجودِ مبادرةٍ من قبل الدولةِ لاحتواءِ مواطنيها إلا أن يعلنوا الولاءَ لها والتكيفَ القسريّ وفقَ منظومة الدولةِ القائمةِ. وهذا جوهرُ الخطةِ الروسيّةِ وقد تبنتها موسكو في الشيشان وجورجيا وعبر ضمِّ شبه جزيرة القرم.
أنقرة تقودُ مليشياتٍ انفصاليّةً
كان العدوانُ على عفرين ومن بعده على شمال سوريا بحجّةِ منعِ الانفصالِ، وقالت أنقرة إنّها تحاربُ “ميليشياتٍ انفصاليّةً”، ولكنها عمليّاً تُصدّرُ مشكلتها الداخليّةَ وتعملُ على إنفاذِ خطةِ توسعِها بالمنطقةِ، وجمعت مسلحين سوريين من خلفيات دينيّةٍ متطرفة من كلِّ الألوان، وهم لا يخفون ولاءهم لأنقرة ولشخص أردوغان واستعدادهم للقتالِ حيثُ ما يُطلبُ منهم حتى في تركستان الصينيّة فداءً “للخلافة العثمانيّة”، وهم يخوضون القتالَ لأسبابٍ عنصريّةٍ وغاياتٍ كيديّةٍ حاقدةٍ، ويرفعون العلمَ التركيّ ويطالبون بفصلِ المناطقِ المحتلةِ عن سوريا، وقد شهِد العالم صوراً لجرائم القتل والسرقات والنهب والقتل على الهوية والاعتقاد، وتتعاملُ معهم أنقرة بمنطقِ الورش المتنقلة و”فرق القتل” تنقلهم من منطقةٍ لأخرى، آخرُ ميادينها طرابلس الغرب في ليبيا لدعمِ حكومةِ الوفاقِ برئاسةِ فائز السّراج. فيما انتظمت في صفوفِ قسد عدةُ مكوناتٍ سوريّةٍ وطنيّةٍ، أخذت على عاتقها محاربةَ الإرهابِ وتحريرَ القرى والبلدات من إرهابِ داعش، فمن هم الانفصاليون؟ الواقع أنّ الانفصالَ لا يعدو كونه من أراجيفِ أنقرة ودعايتها الحاقدةِ. وهل مجاميع المرتزقة من أمثال الحمزات والعمشات وحتى النصرة وسواها هي الحلّ؟ هو سؤال برسم السوريين كلهم؟
لم يدرك كثيرون أنّ المشروعَ الذي يتمُّ تنفيذه بالمنطقة يتضمنُ تحويلَ الدولِ القوميّةِ وفق خريطة سايكس بيكو، إلى دولٍ دينيّةٍ مذهبيّةٍ، وتعملُ أنقرة على جعلها ولاياتٍ في إطار مشروعِ “العثمانيّة الجديدة”، وقد أدركَ الكردُ ذلك فلم ينخرطوا بالصراعِ المسلّحِ، مؤكدين أنّ قضيتهم حقوقيّة، وستضيعُ في الحساباتِ المذهبيّةِ، وبذلك طرحوا الديمقراطيّة التعدديّة، وهذا ما يناقضُ فكرةَ الانفصالِ. ولعلّ الكرد ارتكبوا أخطاء إداريّة ولديهم مشاكلهم البينيّة، إلا أنّهم أصابوا وسبقوا الآخرين في خيارِهم الديمقراطيّ.
السلامُ والحلُّ على مسافةٍ قصيرةٍ جداً من كلِّ السوريين، هي مسافة “فكرة”، وفهم الحياة، والتسليم بالفطرة باعتبارها الحقيقة الأسمى. والحلّ بأن يكونَ الولاءِ للحياةِ وتفعيلُ مفهوم الدولة الوطنيّة التي لا تنتقم بل تحتضنُ الجميعَ.