سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

مُجتمعاتنا العَريقة والأصيلة…أساسٌ متينٌ من المبادئ القيّمة

حسام إسماعيل

روناهي/ عين عيسى ـ تُعتبر آداب المَجالس لدى مجتمعاتنا إحدى أهم مُميزات هذه المجتمعات العريقة والأصيَّلة، لما لها من أهميَّة في تحقيق وتطبيق المبادئ الأخلاقيَّة العريَّقة والمُتميزة التي بنيت عليها مُجتمعاتنا في هذهِ المناطق، وعموم المُجتمعات والشعوبِ في الفسيفساء السورية.
وتعتبر هذه الآداب امتداد، وتراكم لآلاف السنين فقد عرفت المجتمعات منذ القديم المجالس، وهي أماكن تُعَد للجلوس والحديث، وقد يكون بها مصالح أخرى كالصلح بين المتخاصمين، ونحو ذلك، وتكون المجالس بالعادة في أماكن ظاهرة عن جسم البيت الأساسي، فقد تكون غرفة بعيدة عدة مترات عنه، تتوفر فيها كافة اللوازم والأساسيات التي تجعل لها خصوصية معينة، وقد تكون غرفة موجودة ضمن البيت، ولكنها متفرّدة عنه نوعاً ما، بحيث إذا أتى أي شخص يستطيع أن يُخمّن أنَّها الغرفةُ المخصصة بالمجلس أو مكان الاجتماع.
عاداتُ وآدابُ مجتمعاتنا… مدرسةٌ مُتكاملة ٌ
والمجالس مجتمعات مصغرة ، يحضرها أناس من طبقات عدة، ويتكلم فيها رجال مختلفي المشارب، فمنهم الصالح ومنهم الطالح، ومنهم المصلح ومنهم المفسد، والعاقل من يدير دفة المجلس لما فيه خير المجلس، فإن لم يستطع، فالإعراض عن ذلك المجلس هو محض الخير، وعين الصواب.
وللمجالس آداب وقواعد تضبطه وتجعل منه من مجرد مجلس بحت يضم تلك المجتمعات المصغرة، إلى عبارة عن مدرسة أخلاقية وأدبية ومعرفية، حتى من ناحية التصرفات البسيطة الواجب اتباعها لتوسيع انتشارها لتشمل المجتمع بأسره.
فعند دخول المجلس على سبيل المثال يجب ألا تدخل عابس الوجه، فالبشاشة والابتسامة مطلوبة، وأحياناً يدخل الإنسان إلى المكان، ويكون مثقلاً بالهموم والأحزان الأمر الذي يجعل هذا المطلب تفريغ لتلك الشحنة السلبية التي تعتريه، ويفرغها حال دخوله المجلس عن طريق تبادلها وتوزيع أجزاء منها، وتبدأ بالتلاشي رويداً رويداً إلى أن يصل الشخص إلى حد الرضا التام الناتج عن هذا الاحتكاك الاجتماعي السحري والفريد الذي يوفره المجلس.
بعد ذلك يدخل الشخص، ويلقي التحية الدارجة المعتادة التي تكون بكلمات ( السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ـ مرحبا ـ مساكم الله بالخيرـ دم باش)، ومن ثم يأخذ مكانه في المجلس مع مراعاة عدم تجاوز من هو أكبر منه سناً، فالإنسان الكبير بالسن له تقديره، ويجلس في أفضل الأمكنة في المجالس، ويعتبر تقديره وتوجيبه من الأمور المهمة، لمكانته وقدره، وتجربته الطويلة في الحياة، وعادةً هو صاحب القرار الفصل في أي مسألة تستوجب الحسم فيها، وتحتاج إلى تبيان، وتشريع معين، فالمجلس الذي يرتاده كبار السن من المجالس الموقرة التي يرتادها الناس ولا يفارقونها.
عاداتُ تقديمِ الطعام والشراب
إلى جانب هذه الآداب هنالك عادة تقديم المشروب المعتاد، وغالباً ما تكون القهوة هي سيدة المشاريب إن صح التعبير وتصنع في ذات المجلس عادة إلى جانب الشاي المعد بإتقان وبراعة، ويجب أن تقدم القهوة باليد اليمنى، ويجب شربها، أو الاعتذار لشربها لعذرٍ مقنع قبل صبها في الفنجان، وعدم شربها يخلق العديد من التساؤلات بحق الضيف أو الجليس، فإما أن يكون له حاجة فيرمي الفنجان، ولا يشربه إلا لقضاء حاجته أو ليعتذر من شربها كما سبق وذكرنا لعذرٍ قد يكون صحي على سبيل المثال، مما أن قلب الفنجان بعد الانتهاء منه يعني أمرٌ ما له علاقة بالشرف، كذلك يجب عدم تقديم الشاي، وتكون الكؤوس المخصصة له، ناقصة العدد، فهذا يدل على عد ارتياحك للجليس أو الضيف، وعند تقديم الطعام لا بد من أن يكون الخبز آخر شيء يحضر إلى المائدة، ولهذا الأمر دلالات (بأن المائدة اكتملت)، فيعلن صاحب المجلس للضيوف والجلساء التقدم إلى الطعام، البدء بتناوله، ويبقى هو يشرف على المائدة، ويلبي كل احتياجاتهم من تعديل الصحون بالطعام، وجلب الماء، إلى ان يفرغوا من الأكل، وفي هذه الأثناء يجب على الضيوف والجلساء المتقدمين إلى الطعام عدم انتقاد طعام وشراب صاحب المجلس فهذا يعني إهانة صاحب الدار.
وهناك عادة دارجة في بعض المجالس وهي إن تم تقديم الملح فعليك الأخذ منه، ولو بالشيء اليسير، فإنه يدل على تقوية العلاقة بين الطرفين (الجليس، وصاحب المجلس).
البشاشة وعدم قطع الحديث واحترام الكبير
ومن آداب المجالس أيضاً عدم التحدث بمحضر الأب وكبار السن إلا للضرورة، فالحديث بمحضرهم قلة أدب، وليس المقصود بذلك أن يلزم الابن أو صغير السن الصمت مطلقاً، بل المقصود أن حديثاً بدء به كبار السن ويقوم شخصٌ أصغر سناً بالتعقيب عليه أو قطعهُ هو أمرٌ غير محبب البتة، ويسبب التشويش على صاحب الرواية أو(السالفة) بحسب المصطلح الدارج للحديث في مجتمعاتنا، ولكي يصل مغزاها والعبرة منها بالشكل المطلوب وجب الصمت، وعدم الحديث إلا عند الانتهاء منها، ولا يجب التحدث قبل توجيه السؤال للإلمام به ومعرفة مراده، والغاية منه بشكل جيد.
ومن الآداب التي تستحق كل الاحترام والتقدير لما لها من أهمية في إنهاء المشاحنات والبغضاء بين الأشخاص عند وجود الجلساء هي احترام الضيف وتأمينه (ولو كان قاتل أبيك) كما يقال، والتحدث إلى الجميع حتى ولو كان هنالك (زعل أو مشاحنة)، والابتسامة بوجه الجلساء جميعاً، فكان نتاج ذلك تجنب الكثير من المشاكل والحساسيات التي تسببها المشاحنات أو المشادات بين أفراد المجتمع، وأدى إلى إنهائها في هذه المجالس الأصيلة والعريقة التي تنتشر في مجتمعاتنا.
ما أحوجنا في هذا العصر في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، والتكنولوجيا ووسائل الاتصالات المتطورة إلى إعادة إحياء مجالسنا الأصيلة، التي كانت منبعاً للعادات والتقاليد الأصيلة الواجب علينا اتباعها، ونبذ ما سواها من مجالس السوء التي بدأت بالانتشار بكثرة في مناطقنا، والخوف وإفساد الأجيال لما تسببه من انطواء سلبي على الذات وحب النفس (الأنا)، والمصالح الشخصية على حساب المصلحة العامة التي ترفع من شأن مجتمعاتنا، إلى جانب مخاطرها في تأطير أفكار شبابنا في إطارٍ رسمته الحداثة الرأسمالية، والعصرنة الكاذبة التي بدأت نتائجها تطفو إلى السطح، فما العادات المتغيرة، أو المزاجيات الموجودة لدى شبابنا اليوم إلا نتاج تلك العصرنة المقيتة، فأصبحنا نترك عاداتنا الأصيلة لننجر انجراراً لا يمكن إيقافه وراء عادةٍ لا تمت لنا بصلة، وتقليد أعمى يوصلنا إلى الهاوية.