سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

 “لم نكتفِ من مرارة النزوح الأولى لنضطر للنزوح مرة أخرى”!!!

 تقرير/ ماهر زكريا –


 روناهي/ الطبقةـ خرج محمد صياح من مدينته البوكمال إثر القصف المتواصل على حيه ومنزله الذي أضحى في الغياب برفقة أسرته وعائلته متوجهاً إلى الرقة، ليحط رحاله في مخيم عين عيسى شمال شرق سوريا، ولكن هجمات المحتل التركي ومرتزقته على المخيم أدت إلى نزوحهم مرة أخرى إلى مخيم المحمودلي.

نزح محمد صياح بعد قصف الحي الذي كان يقطن فيه في مدينة البوكمال، وتعرض حينها أحد أطفال الحي لشظية، في البداية تخيل ذلك أنه حادث بسيط لربما هو الأكثر ألماً في حياة ذاك الطفل ما جعله عليلاً سقيماً ما لم تجرَ له عملية إنعاش في الوقت المناسب لكان الطفل توفي، أسودت الدنيا في عيني محمد وخاصةً أن هذا الصغير هو أحد أبناء أصدقائه وابن حيه ما كان وقتها ليعرف معنى حب البقاء أو غريزة البقاء، وحاول العودة إلى طبيعته لكن القصف زاد ورأى الناس وهم ينزحون فجاء قراره المفاجئ بترك كل شيء كان ذلك وقع أليم على أهله وعائلته بتركهم لحيهم ومنزلهم.

آلام امتزجت مع بعضها

وتابع صياح قائلاً: “نتيجة ما رأيته من دمار وقتل للأطفال والشباب في الشارع والتي هي جريمة بحق الطفولة بأن يفقد الطفل أو يخسر أحد أعضاء جسده أو يتسبب ذلك في إصابته بإعاقة دائمة تنهي فرحة أهله ليبقى هذا الطفل ذو إعاقة يزيد من الثقل على أهله منذ نعومة أظفاره، لكن ذلك بدا أبسط أنواع الألم خلال نزوحي قررنا الخروج من ديارنا”.

وأضاف صياح كلامه بالقول: “خرجت من مدينة البوكمال وكنت متوقعاً أنها ليالٍ وإن طالت لن تتجاوز الشهر وكانت الأيام تمضي سريعاً دون أن يروق لنا وجودنا في المخيم، لكن ذلك بات واقعاً وتقبلنا الوضع الجديد بين مآسي القتل والدمار والأوجاع التي كنا نراها ومشاهد الأطفال والأشخاص الجرحى والتي تقطعت أوصالهم”.

تقطعت بنا جميع السبل

وأردف صياح بالقول: “لقد صادفنا خلال ترحالنا العطش والجوع والخوف والقلق كل ذلك وكأنك تعيش مأساة أو حلم فظيع لا تتصور حجم ثقله هذا مع معاناة من تركنا خلفنا من الأقرباء والأهل داخل المدينة تقطعت بنا جميع السبل، كل شيء في جهة والنساء والأطفال والعجز الذين نزحوا برفقتنا مأساة أخرى، دخلت في مناطق ساخنة ترى الطائرات وكأنها تستهدفك وأنت تشعر بأن الصواريخ موجهة باتجاهك، وأنت ربما لن تعيش لفترة قادمة كان الوقت مجرد من الشعور بمن يحيط بك أنها لحظة الموت لتمضي علينا الأيام ببطء شديد لحين وصولنا إلى مخيم عين عيسى الذي يقع في شمال مدينة الرقة”.

ونوه صياح بالقول: “عند رؤيتي المخيم ظننت أنه الخلاص من النزوح لكن مشاهدتي لحالات البكاء والجرحى وسماع حالات الضياع شعرت أنه كابوس آخر، في حين كان أفراد أسرتي الذين كانوا معي أثناء وصولي إلى مخيم عين عيسى هم 15فرداً أغلبهم من النساء والأطفال بينما تركت أقاربي في مدينة البوكمال تحت الموت والقصف ولا أعلم ما حل بهم”.

وهنا يصبح النازحون أمام حالة جديدة ونمط جديد في المخيم، وكيف لا وهم خرجوا هرباً من القصف لينجوا بحياتهم، ولم يعلموا أين وضعهم مركب النزوح وفي مخيمات اللجوء ليشعروا إنهم بلا قوة أو قيمة”.

رغم وضعه السيئ يقدم العون للنازحين الجدد

أشار محمد أن وصوله إلى مخيم عين عيسى جعل منه شخصاً محظوظاً في عين الآخرين، وأشار بالقول: “بينما كنت أعاني آلام الغربة والفراق والانكسار يمزق قلبي وأصبحت متوتر الحال نتيجة لما تركته أوجاع الأسى على الفراق والحرمان ومجابهة هموم الحياة دون أمل”.

كيف لا وقد خرجت العائلة من قريتها دون لقمة خبز أو حتى فراش أو غطاء تلتحف الأرض ليلاً ببرد الشتاء ومطره، لتحط العائلة رحالها في خيمة متواضعة قبل أن تتوجه العائلة دون الأب لتستقر في مخيم يعانون فيه قلة الطعام وبرد الشتاء.

ونوه صياح قائلاً: “عائلتي تتألف من 15 فرد أغلبهم من النساء والأطفال، وهنا زادت مصاريف العائلة، حيث لم يبقَ من المال إلا الشيء القليل ما اضطرني لأستدين من معارفي الذي نزحوا معي لأصرف على نفسي ومن معي، لقد شعرت بالضعف والحاجة ولقد تشردت الأسرة بعد أن أصبحنا في منتصف الطريق، ولا أدري كيف أتواصل مع الأقرباء ضاع كل شيء حتى أرقام الهواتف، وشيئاً فشيئاً عملت على تدبر أمري إلى أن استلمت خيمة متواضعة في مخيم عين عيسى ليصبح بحثي عن العمل خارج المخيم، وبتعرفي على بعض الأصدقاء الجدد وكوني عملت سابقاً في مطعم فتحت مطعم بسيط في مخيم عين عيسى، وهكذا تحسنت أموري، ويوماً بعد يوم أصبحت أساعد النازحين الجدد”.

صور هجوم المرتزقة على مخيم عين عيسى خُلِّدت بذاكرتي

تبادر لذهن محمد كيف هاجم مرتزقة الجيش التركي أهالي وسكان مخيم عين عيسى ليقتلوا فتاة بعمر الرابعة وشاب بعمر الـ 18 سنة في أول أيام الهجوم، وكيف احترقت بعض الخيم وسماع أصوات النساء وبكاء أطفال المخيم، كل ذلك بسبب مساعدة المحتل التركي لمرتزقته من داعش، وبعدها فروا هرباً ليتم تهجير البعض والجراح أصابت جسدهم. بينما سرق المرتزقة ما يمكن سرقته، وتابع صياح: “إنها سياسة القتل والتهجير التي ينتهجها مرتزقة داعش، كيف يتسبب هؤلاء الأشخاص في إعاقات دائمة أو مؤقتة لطفل فقير الحال أو لطفلة ولا يهمهم ما سيحدث له بعد ذلك، هناك أطفال فقدوا أمهاتهم وأصبحوا في وضع مؤلم كثيراً لا لشيء سوى أنهم يحتاجون لرعاية، بينما تُرك بعض الصغار دون عناية”.

وأكد محمد بأن إطلاق الرصاص على المخيم كان بشكل عشوائي، حيث دافع الأسايش الذين كانوا موجودين هناك لثلاثة أيام متواصلة، وتابع بالقول: “فالحل كان مؤقت وأن الحالة المعنوية تحطمت بشكل كامل، وقد حاول عدد من النساء الداعشيات عدة مرات في محاولة الهروب، ومن طرف آخر إنه جحيم أن ترى النساء النازحات يبكين وكذلك الأطفال، رأينا أطفال ميتين مختلطي الدماء ومفتتي العظام وقطع اللحم متناثرة على عظامهم وجراحهم كثيرة، رؤيتهم بتلك الصورة تدمي القلوب والفؤاد لا أنسى تلك الصور التي رأيتها أبداً”.

النزوح مرة أخرى إلى المحمودلي

نوه محمد إلى أن مخيم عين عيسى كان يحوي حوالي 20 ألف نازح وأغلبهم من الأطفال والنساء، وقصف الجيش التركي ومرتزقته استهدف المخيم ليقتل أحد الفتيات الصغيرات أمام أنظارهم، وكانت تبلغ من العمر حوالي أربعة سنوات، وتبع ذلك معاناة الحصار للمخيم دامت فترة ثلاثة أيام، من قبل المحتل التركي ومرتزقته من الجيش الوطني السوري وداعش، وأضاف بالقول: “لم يكن لنا سبيل سوى الخروج بعد أن أصيب أطفالنا ونساؤنا بالذعر والخوف، كما قُتل شاب بعمر الـ 18 سنة لتعاد مأساة النزوح مرة أخرى، رغم أن أهل المخيم حاولوا الصمود وبعد ثلاثة أيام من المعاناة من أصوات الرصاص والأخذ والرد؛ أرسلت الإدارة المدنية الديمقراطية في منطقة الطبقة بالتعاون مع لجنة العمل والشؤون الاجتماعية وإدارة مخيم المحمودلي سيارات لنقل مقيمي مخيم عين عيسى إلى مخيم المحمودلي رغم أن القصف كان على مرمى المخيم من تلة قريبة من المكان، وكما كان الطريق صعب بين المخيم وطريق الرقة ومعمل السكر”.

واختتم النازح من مدينة البوكمال محمد صياح قائلاً: “نزوحنا إلى مخيم المحمودلي نتيجة هجمات العدوان التركي ومرتزقته على مخيم عين عيسى بقينا على الطريق لفترة أربعة أيام في حين خرجت سيارات ترافيك معنا إلى مخيم المحمودلي، واليوم نحن من قاطنيه وأنا أعمل في مطعم في المخيم لأتدبر شؤون عائلتي”.