سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الربيع العربي الجديد ولكن!

13
فوزة يوسف –

الشرق الأوسط ومنذ القرن الخامس عشر تقريباً وحتى الآن يعيش أزمة عارمة. بعد أن نُقل مركز الحضارة إلى الغرب ونحن نعيش حالة حرب دائمة، هذه الحرب ليست فقط ضد الهجمات الخارجية إنما أغلبها حروب داخلية إما بين الدول الإقليمية أو بين الشعوب وحكوماتها أو بين مجموعات مختلفة ضمن البلد نفسه. سلسلة العنف هذه باتت جزءاً من الحياة أو اللا حياة في الشرق الأوسط. بالطبع تفسيرنا للوضع الذي نعيشه دائماً يعتمد على نظرية المؤامرة وبأن الغرب يتآمرون علينا وهم سبب كل الكوارث؛ فلا نستخرج أي نتائج ونعيد ونكرر كل فترة الدوامة نفسها التي تطحننا كشعوب وأفراد. لا أدّعي بأنه لا يوجد مؤامرات وخطط على إقليمنا. ولكن؛ الأسباب الداخلية هي أكثر مصيرية، وإذا لم نحللها ونستوعبها بشكل جيد ولم نقنع أنفسنا بأن الداء والدواء مكنون فينا؛ فلن نفلح في تجاوز ما نعيشه وسنظل نعيش هذه المآسي أبد الدهر. إننا اليوم أمام موجة جديدة من الربيع العربي في لبنان والعراق والجزائر، ففي هذه الدول يقوم الشعب يومياً بالمطالبة بالقضاء على الفساد، وسوء الإدارة، وتدني المستوى المعيشي وكذلك على نظام المحاصصة وغيرها. المطالب الشعبية في لبنان لا تختلف عن العراق، و لا تختلف عن مطالب التونسيين والجزائريين. لكن؛ دون أن نستخرج أي درس من الربيع العربي الماضي يتم اتهام هذه الاعتصامات والحراك الشعبي أيضاً بأنه مدبر من الخارج. هناك مثل كردي يقول “إذا لم تكن دودة الشجرة منها؛ فلا يمكن أن تسقط الشجرة”؛ بمعنى أن السبب الداخلي هو الذي ينخر جذورنا وساقنا و جعل المجتمعات كأوراق الشجر تسقط في مهب الريح ولو بشكل بسيط.
نعم إن قضيتنا الأساسية في الشرق الأوسط هو افتقارنا للوعي السياسي والوعي الديمقراطي، إننا نفتقر لثقافة قبول الآخر، ولا نحب أوطاننا وحكوماتنا لا تحب أوطانها. لذلك؛ لا تبني ولا تعقد علاقة حميمة مع شعوبها، بل الحكومة يعني أن تحكم  بالعنف وتسرق، فالدولة عندنا تتحول إلى أفضل آلية للسرقة، هل رأيتم وزيراً فقيراً أو رئيس وزراء فقير أو قائد أركان فقير، كلهم لديهم نقود في البنوك، من أين حصلوا عليها؟!، أنه مال السرقة ولا يمكن إطلاق اسم آخر عليه. من أجل أن تسرق وتنهب أكثر تفتح الحكومات الإقليمية المجال للدول الخارجية أن تسرق هي أيضاً عن طريق الاحتكارات، فيحولون بلدانهم إلى بقرة يحلبها وتستفيد منها الحكومات اللصة وأسيادهم الغرب أو الإقليمين. لكن؛ الشعب يتضرع الجوع والعطش.
 كل ما يحصل هو  نتيجة عدم وجود نظام ديمقراطي، وقادة وطنية تحب أوطانها، السبب هو التمزق الفكري والمجتمعي الذي نعيشه؛ نتيجة قتل بعض الهويات لبعضها الآخر، فالكل متربص بالآخر، المذهبية، الطائفية، الدولة القومية الفاشية التي تنكر التنوع وهوية الآخر. كل هذه الأسباب وهو ميراث ترك لنا قبل أن نخلق. لكننا؛ نتوارثها ونشربها مع حليب أمهاتنا. فكل شيء يتغير لكننا نبقى كما نحن عليه. مائة سنة والقضية الكردية تنزف دماً في أجزائها الأربعة. ولكن؛ ما زال أردوغان يريد القضاء عليها وإبادة شعب بالكامل. أكثر من ستين سنة والقضية الفلسطينية تعيش حالة العقم، مائتي سنة ونحن نتقاتل فيما بيننا، حرب الخليج بين صدام وإيران، حرب إسرائيل والعرب، حرب السنة والشيعة، حرب الطوائف، حرب الحكومات ضد شعوبها، حرب الدولة ضد المجتمعات، حرب الرجال ضد النساء، حرب القبائل، حرب التنظيمات المتطرفة ضد الهويات الدينية، الحرب على قطعة أرض… كل ذلك بات حرب الكل ضد الكل.
 تتغير الأجيال ولكن نكرر الشيء نفسه؛ لأنه لا يوجد لدينا شيء اسمه تغيير طريقة الفكر، تغيير نمط الحياة، فالتزمت العقائدي والتعصب القومي والجنسي أصبح كابوساً يقطع أنفاسنا. لكن؛ حان الوقت باعتقادي علينا أن نبدأ بالتغيير من أنفسنا كل من نفسه، وأن يعيد النظر في مبادئه وطريقة حياته وسلوكه، وأن يقنع نفسه بأنه لا يمكن أن ينقذنا أي شيء سوى الديمقراطية. إننا بحاجة إلى الحداثة الديمقراطية بكل جوانبها أكثر من حاجتنا للخبز والماء. إننا بحاجة إلى نمط جديد في سلوكياتنا وهو أن نعلم أن هذه الأرض تسعنا جميعاً ولا حاجة لأن نقتل بعضنا لكي نعيش. يجب أن نرى بأن التنوع والاختلاف لا يعني العداء وإنما يصنع جواً طبيعياً لكي نعيش فيه بشكل صحي أكثر. إننا أمام مرحلة تاريخية كشرق أوسطيين، فإما أن نطرق باب الحداثة الديمقراطية فيفتح أمامنا آفاق حياة جديدة خلال القرن الواحد والعشرين أو أن نبقى أسرى للتعصب القومي والديني والجنسي والمذهبي وأسرى للجشع بكل أنواعه، فنعيش قرناً دامياً آخر وهذا سيكون هديتنا لأجيالنا مع الأسف وهي حياة مليئة بالحروب والعنف والظلم والاضطهاد والخوف والكوابيس.