سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الباحث عبد المجيد قاسم: مأساة أطفالنا أكبر مأساة إنسانية! 

123
حاورته: ديلبر خليل-

الأدب مرآة المجتمع والأدباء ضميره وصوته، وكثيراً ما كان الكتّاب والشعراء رواد ثورات في مجتمعات تخرج من الظلمات إلى النور، والباحث والكاتب عبدالمجيد قاسم من أبرز مَنْ كتب ويكتب منذ سنوات عن أهم شرائح المجتمع وهم الأطفال. وبغية التعرف على شيء من نِتاجه في هذا المجال كان لنا معه هذا الحوار:
ـ نادراً؛ ما تطرَّقت الأدبيات الكرديّة إلى موضوعات أدب الأطفال، وأنتم ممَّن تناولوا هذا المجال بكثير من الإسهاب، وبمنهجيّة بحث علمية، ما هي الأسباب التي دفعتكم إلى هذا التوجُّه المتخصِّص في الكتابة البحثية؟
لقد تناولتْ في العقود الأخيرة الكثير من الدراسات والأبحاث الأدب الكردي، وأسهبت في نشأته وتطوره وصيرورته، ولكنها كانت تتناوله بشكل موسّع ومستفيض، دون التخصّص- غالباً- في الموضوعات البحثية، لذلك فقد أثرت في هذا البحث الكشف عن جوانب معينة من الأدب الكردي، أهمله أصحابه إهمالاً كبيراً، وركنوه جانباً لوقت غير معلوم، وهي المتعلِّقة بأدب الأطفال وثقافتهم.
وقد جاءت دراستي في إطار تقديم صورة واضحة وشاملة عن واقع ثقافة الطفل الكردي والأدب الموجّه له بشكل عام. وكمحاولة للتعريف بهذا الأدب كردياً، وإبراز ملامحه وروّاده، من خلال تتبّع مراحل تطوره التاريخية، وتسليط الضوء على بواكير النتاجات الأدبية المنجزة للأطفال في تجربة الكرد في سوريا بشكل خاص، وبالتالي إبراز هذا الموضوع الهام المفصلي. وهذه هي أهم الأسباب لتوجُّهي. ومن الأسباب الأخرى وراء اختيار موضوع الدراسة: تشجيع الكتابة الإبداعية في مجال أدب الأطفال الكردي، والدفع للاهتمام بثقافتهم عموماً، ومحاولة لسدّ ثغرة من الفراغ الكبير في المكتبتين العربية والكردية في مجال الدراسات المتخصصة في حقل الأدب الطفلي. ذلك على الرغم من العقبات الكثيرة التي واجهت إنجاز هذه الدراسة، كَنُدرة الأبحاث المتعلّقة، وصعوبة تحديد وفرز الأعمال الموجّهة للطفل الكردي، التي كانت نادرة أيضاً.
ـ مدينة (عامودا) من المدن الكردية الرائدة في معظم المجالات على مستوى إقليم الجزيرة، وأنتم من ريف هذه المدينة، وبالتحديد قرية (تل خنزير)، ماذا عن الطفولة التي عشتموها هناك وذكرياتها المستقرة في البال؟
نعم، أنتِ تثيرين فيَّ بسؤالك، أجمل ما قد يحتفظ به الإنسان في حياته، ألا وهي ذكريات الطفولة، وبالنسبة لي فقد كانت طفولتي كطفولة أيِّ طفل يعش في الريف، حيث كلّ شيء طبيعي وجميل، كل الأوقات والأزمنة جميلة، في حرِّ الصيف وقيظه، وبرد الشتاء وزمهريره، وحيث البرية الممتدة على مرأى النظر، والتلال المنتظرة لاحتضان الشمس قبيل مغيبها، والقبّة السماوية الملوّنة بأبهى التشكيلات الطبيعية.. فعلاً، لقد كانت أجمل فترات الحياة.
كتابكم المُعنون بـ: (أدب الأطفال في الثقافة الكردية.. كُرد سوريا أنموذجاً)، يتضمَّن محاور ثلاثة، تنتقل خلالها من العام إلى الخاص، وربما هذا ما ساعد القارئ على الفهم أكثر، حبذا لو تتحدثون عن هذه المحاور، والأسلوب العلمي الذي اتبعتموه في هذا النتاج المنجز.
   تتناول هذه الدراسة التحليلية موضوعات جديدة، وهي موضوعات أدب الأطفال كما سبق الذكر، وذلك عبر محاور ثلاثة. الأول: أدب الأطفال بصفة عامة، وكونه لا يزال فنّاً أدبيّاً حديثاً نسبياً، على الرغم من المراحل التاريخية المتعاقبة التي مرَّ بها، ووصولاً إلى التطوّرات الهائلة التي بلغها في العصر الحديث. المحور الثاني: أدب الأطفال لدى الكرد عموماً، وهو موضوع لم تُثَار حوله دراسات مستقلة باللغة العربية حتى الآن. المحور الثالث والأهم التي تدور في فلكها الدراسة: أدب الأطفال لدى الكرد في سوريا، وأبرز نماذجه الأدبية المدوّنة عبر مراحل تطور هذا النوع من الكتابة. أما الأسلوب العلمي المتَّبع، فكان الأسلوب المنهجي القائم رصد التجارب الأدبية الكردية في هذا المجال عبر فترات زمنية طويلة، ومن جهة أخرى الأسلوب المعتمد على فرز النتاجات المنجزة للأطفال الكرد في سوريا، وتقديم الملاحظات حولها من وجهة النظر التربوية.
ـ ما هي أبرز النتاجات الشعرية للأطفال الكرد في سوريا؟
يعدُّ شعر الأطفال من أهم فروع أدب الأطفال، بالنظر إلى دوره في بناء شخصياتهم بناءً متوازناً وسليماً بشكل عام. كردياً نشرت مجلة (Hawar/ الصرخة) التي أسّسها الأمير جلادت عالي بدرخان، مجموعة من القصائد الطفلية منذ بداية الثلاثينات من القرن العشرين، كتبها كوكبة الكتّاب والمثقفين التي رافقت الأمير في عمله. حديثاً لم تظهر النتاجات الشعرية للأطفال بالنسبة إلى الكرد في سورية، إلا في بداية التسعينات من القرن الماضي، وولادة أول مجموعة شعرية للأطفال. حيث أصدر (Konê Reş/ بيت الشَّعْر) وهو من أبرز الشعراء المعاصرين الذين عرفوا بتوجههم للكتابة للأطفال، أصدر مجموعته الشعرية الأولى لهم (Sîpan û Jîn/ سيپان وجين) عام 1993م وفي عام 1996م أصدر: كوني ره ش، مجموعة ثانية للأطفال بعنوان: (Şagirtê Bedir-Xan im/ أنا تلميذ بدرخان)
ومن الشعراء الذين كتبوا للأطفال: (Ferhad Içmo/ فرهاد عجمو) الذي أصدر لهم مجموعة شعرية بعنوان (Landik 1/ المهد) عام 1998م، ثم أتبعها بمجموعة ثانية تحمل العنوان ذاته Landik 2. وفي عام 2003م أصدر الأديب والمحامي القدير محمد خلف، (Rêwî/ عابر سبيل) مجموعة شعرية للأطفال بعنوان: (Nazê û Diyar/ نازي وديار) من الإصدرات التي تناولت الأطفال حديثاً: المجموعة الشعرية: (Hola Biçûkan/ ساحة الصغار) لـ (Bavê Serbest/ أبو سربست) عام 2010م وصدر لــ كوني ره ش، مجموعة شعرية هي الثالثة له، بعنوان: (Helbestên Zarokan/ قصائد للأطفال) عام 2013م. كما صدر للشاعر والباحث (Salihê Heydo/ صالح حيدو) المجموعتين الشعريتين: (Sirûdên Bilbilan Li Nav Baxên Gulan/ أناشيد البلابل في حدائق الورد) الموجّهة للأطفال خصيصاً، عام م2015 و(Şewq û Fener/ شعاعٌ ونور) في العام نفسه. وأصدر (Dilêrê Kurd/ دلير كورد) مجموعة شعرية بعنوان: (Fîxan/ أغاريد) قصائد للصغار، عام 2016م. وله مجموعة ثانية بعنوان: (Şîlan/ زهرة جبلية) قيد الطبع. وصدر حديثاً المجموعة الشعرية: (Roniya Jînê/ نور الحياة) للشاعر (Ridwan yûsif/ رضوان يوسف) التي ‫تتضمن مجموعة من (الأناشيد) للأطفال الكرد.
ـ لو نستذكر هنا بعض الرواد في الكتابة القصصية للأطفال في سوريا؟
مثلما استأثر الفنُّ القصصي للأطفال بمكانة كبيرة بين النتاجات الشفاهية الكردية، فقد احتل موقعاً متميّزاً في تجربة الأدب الكردي المدوّن. ففي حين ظلّ الأطفال الكرد يستمعون إلى مختلف الأشكال النثرية، كمفردات للأدب الشعبي الكردي خلال فترات طويلة.. أصبحوا يقرؤون اليوم نماذجاً أدبيةً مدوّنة، أو مواد صحافية منشورة هنا وهناك. حيث قدَّم بعض الكتّاب على هذا الصعيد قصصاً وحكايات للأطفال في بعض الدوريات الكردية، أهمهم على الإطلاق الأمير جلادت عالي بدرخان، رائد الكتابة القصصية، ومن أوائل الذين أدركوا أهمية الكتابة للأطفال في وقت مبكر، على الرغم من حداثة الفكرة والموضوع بين آداب الأمم المجاورة آنذاك. إلى جانب مجموعة من الكتّاب الآخرين مثل: بكري قوطرش، مصطفى أحمد البوطي، محمد أمين سليمان، وغيرهم.
من الروّاد الكرد في مجال الكتابة القصصية للأطفال في سوريا، يبرز اسم الكاتب د.محمد عبدو النجاري، والباحث عبد الرزاق أوسي/ Rezo، (يرحمه الله) اللذين أصدرا كتيّبين ملوّنين من القطع الكبير، يضمّان حكايات شعبية كرديّة رُويت للأطفال، بعنوان: (حكايات شعبيّة كرديّة للأطفال) عام 1991م وكتب الشيخ توفيق الحسيني: الفتى الذكي والعمالقة، قصة من الفلكلور الكردي بالعربية عام 2006م، وأيضاً: قصص شعبية من الفلكلور الكردي. وترجم الشيخ في هذا المجال بعض النتاجات، كطرائف كردية، للشاعر الكبير تيريژ. كما جمعت ديا جوان حكايات كردية، وطبعتها في دمشق عام 2004م، بعنوان: حكايات شعبيّة كرديّة، ترجماها للعربية الشيخان توفيق وشهاب الحسيني، وتضمّنت حكاية كانت تروى للصغار، عنوانها: غزالوك ودلالوك
ـ ما أهمية المسرح بالنسبة للأطفال، وبنائهم النفسي والاجتماعي؟
مسرح الطفل هو فنٌّ موجَّه خصّيصاً للأطفال، يجمع بين بعض أشكال أدب الطفولة وفنونه، ويستند إلى مجموعة من الاعتبارات التربوية والفنية التي تنطلق من ميولهم ورغباتهم، حيث تُشخَّص فيه الأدوار التمثيلية وتُقدَّم العروض على مكان مخصَّص لهذا الغرض، بهدف التواصل معهم والتأثير فيهم، وبالتالي تحقيق الأغراض المرغوبة.
يختلف مسرح الأطفال عن مسرح الكبار نسبيّاً، ويختلف أيضاً عن محاولات اختزاله في المسرح المدرسي، وعدّه وسيلة تعليم أو تسلية وملء أوقات الفراغ فحسب، فهو يحتل مكانة تربوية بارزة، ويؤدي دوراً تواصليّاً هاماً، إضافة إلى كونه وسيلة للتعبير عن أفكار الأطفال ومشاعرهم، لذا تراهم ينجذبون إليه، يتفاعلون مع عروضه، ويرتادون معه عالماً مفتوحاً على التصوّرات.
ـ برأيكم، ما الآثار التي تتركها الهجمات (الطورانية) التركية اليوم، على نفسيّة الأطفال في شمال وشرق سوريا؟
لقد أصدرت العديد من المنظمات الدولية التي تُعنى بشؤون الطفل، ووثّقت عشرات التقارير عن الضريبة الباهظة التي تدفعها الطفولة جراء العدوان المتكرر للدولة التركية الطورانية، والمسلحون الذين يدورون في فلكها، على شمال سوريا، كما أكَّدت العديد من المصادر الدولية على استخدام القوات التركية لذخائر الفوسفور الأبيض الحارقة والمحرَّمة دولياً ضدَّ الأطفال في مدينة (سري كانيه/ رأس العين) الآمنة، وقد تمَّ تشخيص الحروق على أجسام الضحايا من قِبل جهات دولية متخصِّصة، بأنها ناتجة عن استخدام هذه المادة. وكل ذلك ترك آثاراً جسيمة على الأطفال من جميع جوانب شخصياتهم.
الحقيقة، إنَّ المأساة التي يعيشُها أطفالنا نتيجة العدوان التركي، هي أكبر مأساة يمكن أن تشهدها الإنسانية، لأنها تغتال فيهم لحظات الفرح بالحياة، وتقتل آمالهم وأحلامهم وبرائتهم، وتغتصب كلَّ حقوقهم المشروعة. وإنه لمن العار على الإنسانية أن تسمح بانتهاك الطفولة بهذه الأشكال السافرة، وأن تتغاضى عن هؤلاء المجرمين الذين يُغيِّبون الابتسامة عن شفاه أطفالنا، ويقتلون الفرح والبهجة في قلوبهم، ويملؤون ذاكرتهم الصغيرة بمشاهد الخوف والرعب والريبة، ومظاهر البؤس والتشرّد والشقاء، وهم في عمر الزهور.