سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الكرد وظلم ذوي القُربى

13
عبد الستار قاسم
وإذا كان لنا أن ندّعي الوقوف مع حقوق الإنسان، ومع العدل وحقوق الشعوب في الحرية والاستقلال فإنه لا مفر أمامنا إلا أن نقف مع الشعب الكردي. ومن أراد أن يكون منصفاً لنفسه فعليه أن يكون منصفاً لغيره، وما يرتضيه لنفسه عليه أن يرضاه للآخرين، وإلا فإنه يقع في الانفصام والازدواجية وفقدان المعيار الأخلاقي.

الشعب الكردي مظلوم بشدة، وأغلب إجراءات الظلم ضده تأتي من الذين يجب أن يتحملوا واجب الإحسان إليه وهم العرب والأتراك والإيرانيون. الكرد يتعرضون للمهانة والقتل وتدمير القرى والحيلولة دونهم والاستقلال السياسي منذ زمن بعيد.

في البداية حرمتهم الدول الاستعمارية المنتصرة في الحرب العالمية الثانية من إقامة دولة كردية مستقلة، وقسمت كردستان إلى أجزاء من إيران والعراق وسوريا وأرمينيا وتركيا، وبذلك مزقت الشعب الكردي إلى كتل سكانية تحت سيطرة عدد من الدول. علما بأن مساحة كردستان تبلغ حوالي نصف مليون كم2، وعدد الكرد الآن يبلغ حوالي 25 مليون نسمة. هذه مساحة وعدد سكان أكبر بكثير من مساحات وعدد سكان العديد من الشعوب التي حصلت على دول خاصة بها.
ويقول عدد من المؤرخين إن الكرد ينحدرون في الغالب من الجنس الآري، ولذلك هم أقرب عرقياً إلى الإيرانيين منهم إلى العرب والأتراك.

عانى الكرد كثيراً على أيدي العرب والإيرانيين والأتراك، والآن يعانون كثيراً من  الهجمات التركية البرية والجوية التي تحاول منع إقامة دولة كردية أو إقليم كردي بإدارة ذاتية في الشمال الشرقي من سوريا.

عانى الكرد كثيراً من سياسة مصطفى كمال أتاتورك الذي حاول تحويلهم عن قوميتهم وثقافتهم الوطنية بالقوة. وقد سنَّ أتاتورك قانون السجن لكل كردي يتحدث بالكردية. كان على الكرد أن يتجاوزوا لغتهم وثقافتهم لصالح الهيمنة الثقافية التركية. وعانى الكرد الذين ينتمون في الغالب للمذهب السني من قمع العراق، وحرموا كثيراً من حقوقهم الإنسانية البسيطة مثل الاحتفال بمناسباتهم القومية، ووصل الحد إلى ضربهم بالكيميائي ومقتل الآلاف منهم جماعياً في حلبجة رغم إن حكومة العراق وافقت على منح الكرد حكماً ذاتياً عام 1970 بعد حروب قاسية استنزفت الطرفين.. أما الإيرانيون فضربوهم عسكرياً ودمروا عددا كبيراً من القرى الكردية في شمال غرب وغرب إيران.

الآن من الواضح أن الأتراك يقدمون عوناً متنوعاً  لداعش كي يقضي على المناطق الكردية رغم أن تركيا تقول إنها لا تقدم دعماً أو تسهيلات لتنظيم داعش.

ربما لا تكون تركيا مكترثة كثيراً بالكرد، لكن موقفها من النظام السوري يدفعها لاستعمال الكرد ورقة تغطي بها التدخل العسكري في سوريا. لكن تركيا طالما هاجمت الكرد الموجودين في منطقة كردستان تركيا. وطالما منعتهم من تشكيل أحزاب سياسية وحرمتهم خوض انتخابات للحصول على تمثيل في المجالس التشريعية التركية.

الكرد لهم الحق بإقامة كيان خاص بهم، فهم قوم أصحاب ثقافة ولغة مميزتين، كما شعوب الأرض الأخرى، لهم الحق لتأكيد أنفسهم، وتنظيم شؤونهم، والتمتع بكامل الحقوق التي تتمتع بها الشعوب والأمم الأخرى. نحن العرب نتحدث دائماً عن حق تقرير المصير للشعوب، ونمقت الهيمنة والسيطرة الخارجية، ومثلما نحب لأنفسنا علينا أن نحب لغيرنا.
لا يحق للعرب والإيرانيين والأتراك أن يضطهدوهم أو أن يحرموهم من تحقيق تطلعاتهم. يتحدث العرب والإيرانيون والأتراك عن الحرية وحقهم في طرد الاستعمار وتحقيق الاستقلال، ولا يجوز لهم أن يتصرفوا عكس ما يبوحون به في وسائل الإعلام.

الكرد أصحاب ثقافة مميزة، ولهم بصماتهم الثقافية والحضارية في المنطقة العربية الإسلامية. هم شعب كباقي الشعوب ولهم طموحات قومية، وببساطة هم لا يريدون أن يبقوا تحت حكم غيرهم، ويبحثون عن تأكيد ذاتهم الخاصة، وتنمية طاقاتهم الثقافية والفكرية والاقتصادية والتراثية، هم يريدون العودة إلى الحياة ليكونوا على قدم المساواة مع الشعوب الأخرى.