من اروقة الأبداع.. ذاكرة الهواء…

26
إعداد: عبد الرحمن محمد –
الأديبة: دينا سليم –
الكاتبة الفلسطينيّة دنيا سليم من أبرز الوجوه النسائيّة العربيّة في مجال الأدب، ولها العشرات من الأعمال الأدبيّة بين قصة ورواية، ولها العديد من النشاطات الثقافيّة والاجتماعيّة، وعرفت في الوسط الأدبيّ كاتبةً ملتزمةً بالقضايا الإنسانيّة والمجتمعيّة على الصعيد العربيّ والعالميّ.
وُلدت دينا سليم في فلسطين عام 1957م، ودرست فيها وتزوجت، تخرَّجت من معهد إعداد المعلمين، حصلت على إجازة في العديد من العلوم التربويّة والنفسيّة. انتقلت إلى أستراليا. عرفت دنيا سليم بأسلوبها السلس وتقرّبها من الهم الإنسانيّ العام بعيداً عن التحزّبات والأفق الضيقة ونالت عدّة جوائز أدبيّة وتقديريّة، وشغلت العديد من المناصب الإداريّة الثقافيّة والأدبيّة. لها عدد من الروايات نذكر منها: «الحلم المزدوج، تراتيل عزاء البحر، سادينا، الحافيات، قلوب لمدن قلقة، ربيع المسافات، جدار الصمت»، كما نالت العديد من الجوائز العالميّة: «جائزة القصة القصيرة في فرنسا، جائزة المرأة المبدعة في رام الله فلسطين، جائزة ناجي النعمان»، وهي مشاركة فعالة في أغلب المؤتمرات والملتقيات الثقافية العربيّة والعالميّة.
ذاكرة الهـــــواء
حتى عندما حطّ الغراب بقدميه أرض طاولتي المستديرة لم أستغرب، بحث عن بعض فتات لقمتي الصباحيّة المتواضعة، لم أترك له سوى نثرة أو نثرتين من الخبز لم ترهما عيناي المثقلتان اللتان جنحتا في الأفق البعيد باحثتين فيه عن طير آخر يداعب فرائص قلبي، فقامت عيناه المستديرتان بواجب التنقيب عنهما وعندما وجدهما التهمهما بصمت وسرعة وكنت متأكدة أنهما لم تسدّا رمقه. نظر إليّ بعينيه الحادتين معاتباً يسائلني، ثم غادر بهما إلى الأفق المشغول بنسج بعض الغيوم في بطن أزرق فسيح، نظر كثيراً إلى البعيد وكأنه يشاركني محنة النظر، أحسست بانتمائه الوجودي وهو يلهث معي في البحث عن المجهول. غطى السماء سرب من الطيور المهاجرة، تماوج بهداية وغادر، وسرب آخر تهادى ورحل، والغراب العنيد المتكبر بقي معي لا يتحرك، يشاطرني معزوفتي القديمة… معاً غنينا بلهاثنا المتعب…
حاولت فك أسئلة الحوار بيننا، رسمت حواراً بدون حروف، كانت لغة العيون جادة… صعب فكّ الرموز الإيمائية! لزمتُ الصمت واستسلمت لتحركات ذيله الذي كان قوياً عندما ضرب سطح الطاولة لينتقل بجسده إلى حافة الكرسي المقابل، وقف على قدم واحدة وانتظر ردة فعلي، ثم ركّز جلسته بواسطة قدميه الاثنتين اللتين انتصبتا بحزم أمامي، كم كان قوياً هذا الطير المرتاح في وقفته! وكأنه لا ينتمي إلى سلالة الغربان التي نتشاءم منها، بل ينتمي إلى سلالة أخرى وبما أنه مسالم يبحث عن طعام نظيف تركته يعبث بخصوصيتي ولحظات توحدي مع نفسي.
شرد ذهني إلى البعيد، البعيد جداً، لم أعرف كيف ألملم هذا الشرود الذي يتأبطني دائماً كفأس كاسحة تهوى علي رأسي، كم مرّة يجب أن أذكّر نفسي أن الذكريات المُرّة لا تموت! أبداً لا تموت…
انتفض الغراب من مكانه وعاد إلى الطاولة، كان قريباً مني، خذلتني نظراته، شعرت بالندم عندما تذكرت إهمالي له فنسيت نثر ما تبقى من الخبز في حديقة بيتي والذي كان بدوره قد تعوّد أن يقتات منها.
بادلته نظرة مستهجنة، ولم تردّني نظراته إلى الدخول حيث مطبخي وأن أقوم بتصليح خطأي وآتي لهذا الطير بكسرة يملأ بها جوفه، لم أحرك ساكناً وهو كذلك، فكان كالمستبد، بلغته الخاصة قاومني فدمّر سكوني، انتفض فتنصلت ريشة سوداء منه على الأرض، تمنيت لو كانت ريشة بيضاء، إذ كان من فئة اللونين الأسود والأبيض، لم أرد التشاؤم، لكني سبحت في أفكاري مجدداً نحو المجهول القريب، وانتظرت الخبر، أريده خبراً إيجابياً، لا مجال لأخبار سيئة، لا أريدها… هل انتظار ريشة بيضاء من غراب أسود سعيد شيء مستحيل اليوم؟ سألت نفسي. لم تبدأ القصة بعد… ربما تبدأ من هنا… مرّ رجل عجوز مع فتاة تقود كلبا أو ربما كان الكلب هو الذي يقودهما، مرّا من أمامي على الرصيف المقابل، توقف الرجل كثيرا، ألقى ببعض ابتساماته نحو البيت، تأمله وحاول البحث في ثناياه عن شيء فقده، بحث عن الذكريات في بقعة أجلس فيها وفكري شارد نحو الأفق البعيد أبحث عنها أنا أيضا، ربما كان يرمم حدود زمنه العتيق، مثلما كنت أرمم حدود ذاكرتي التي لا تهتريء، لم يستطع لفّ الأشياء خلف قامته، فكانت قامته منحنية وظهره منكسراً، أشبع عينيه من بعيد، تمنى لو يخرج من تحت بطانته والالتفاف هارباً من أبطيه الهزيلين ويداهم المكان بقدميه الضعيفتين، أراد أن يصرخ وأن يعلن قراره، أن يشطب كل التوقيعات، أن ينفث الغبار على وجه الآخرين، ولم يكن مستعدا لأن يمسحه، هو ما يزال موجوداً، والمكان الذي تركه يلازمه حتى ولو انتهى منه العمر، لقد مرّ غباره على بعض منّي فانتفضت من مكاني، التقطت الريشة السوداء من الأرض، خشيني الطير الماكث معي وفرّ في صولته بمجون ثم عاد ليأخذ مكانه بقربي.
وقفت أتوسله من بعيد، ربما كان هناك خطأ في المحطات، بيتي الذي أسكنه غير مسكون بالسؤال… أو ربما كان!
جَمَد الرجل خلف الجدار الأبيض المنخفض الذي فصل بيننا، جدار يحيط بالحديقة ويهتز معلنا اقتراب موعد أفوله كلما فُتح بابه الصغير القابع في وسطه وأغلق، تطلّع إليه الغريب بيأس فكانت نظراته الباهتة تساوي بهتان لونه الأبيض.
مضى الرجل تاركاً لي التساؤلات، قررت أن أقوم من مكاني وأبدأ بتأسيس مملكتي بالجواب.
تختلف المحطات من مكان إلى آخر، لكن محطات الذاكرة توقفها يكون أعمق وأجدى، سأكتب على واجهة البيت: (هذا بيتي أنا) كي يعرفه كل عابر محطات.
اختلفت عليّ المحطات الكثيرة، لكن لا بدّ وأن القطار الصحيح قد قدم وأقلّني، نزلت منه إلى الأرض فترجلت في الدنيا الواسعة، منحتني الدنيا من نعمها، استقررت فيها، اقتنيت بيتا بديلاً، هو ملكي الآن، سعيدة أنا به، آمن، جميل، فيه ثمّة حياة، متفاخرة بحديقتي، بطيوري التي تمرّ في سمائي، وحتى بغرابي الذي لن يسمح بتسرب الآخرين إلى حياتي، رآني قلقة، فقد جاء غريم يخرجني من عزلتي الجميلة، تحول إلى بندقية مصوبة فوهتها إلى هدف قريب، تنتظر مني الأمر، طاردت البندقية الرجل العابر حتى عمق الخوف.
شعرت بارتياح لأني خرجت من قاع الجب الذي كان يستحوذ علي، ها أنذا قوية هذه المرة ولن أتنازل عن بيتي مرة ثانية وعلى الرجل المسن، ذلك الغريب المغادرة وبأسرع وقت، كما عليه أن يكون أكثر سعادة مني، فهو يملك مساحة حياة، لديه محطة أخرى يؤسس خطواته فيها، وأنا كنت الشاهدة على ذلك، شاهدته وهو يقف، يتأمل، يستذكر، ينفث أنفاسه الجميلة، لم تكن معطلة، لم يكن وحيداً، كانت معه فتاة جميلة شابة، أكيد أنها حفيدته، وكلب نظيف مهذب لم ينبح … حتى لو كانت خطواته غبيّة!