الإرادة السوريّة المهدورة عندما تصبح موضوع القمم الدوليّة

91
إلهام أحمد –
تشكّلت مئات المجموعات التي عملت بالعسكرة باسم الثورة السوريّة، جميعها تسمّت بأسماء إسلاميّة البعض منها يحمل اسم الله وصفاته. أطلقت شعارات إسقاط النظام، بناء إمارات إسلاميّة واحتشام المرأة. هذه كانت ولا تزال أهداف الثورة السوريّة، التي بدأت بشرارة ورغبة بالعصيان من عدّة شباب وسط مدينة درعا عام ٢٠١١م لم تكن شعارات تلك الأيام إسلامويّة كما نراها اليوم، إنّما إسقاط النظام كان الهدف والشعار الأساس، لكن لم يبعد التفكير عما هو البديل في ذاك الوقت ولم تمضِ أيام حتى تأسلمت وتعسكر الحراك.
رغبات كثيرة كانت تملأ الشارع السوريّ، قناعات بأنّ النظام يحتاج لعملية تغيير ديمقراطيّة، لكن للأسف كلّ من فكر بهذا الاتجاه، رأى نفسه بفرع فلسطين في اليوم التالي. ويبدو أنّ شبيبة ٢٠١١م تأثروا بثورة تونس ومصر وتوقعوا أنّها ستكون سهلة وخلال ثلاثة أشهر سيسقط النظام من خلال إطلاق شعارات (يسقط النظام – سورية حرّة حرّة)، بالطبع الشباب كانو محقّين بأن يطالبوا بسورية جديدة ديمقراطيّة لكلّ السوريين، لكن ماذا حدث حتى تملص عن مهامه من وضع تلك الشعارات كأهداف للثورة ينادي بها الشبيبة بكلّ المظاهرات التي عمّت البلاد بعد أن واجهها النظام بالسلاح.
نعم مدينة درعا التي أطلقت الشرارة الأولى لحراك شعبيّ وانتقلت لفوضى عارمة عمّت البلاد، اليوم تعيش مرحلة صعبة في الخيار ما بين الاستسلام لحضن النظام أو الاستمرار على نظام بنته خلال سبعة أعوام مضت وصدرت من خلالها أفكارٌ تختلف كلياً عما كانت عليه سورية القديمة. سورية العلمانيّة تتحوّل إلى إسلامويّة، قد تدّعي بعض المجموعات الشبابيّة أنّها أصحاب فكر علمانيّ، لكنهم مستسلمون للإسلامويّة، كما المسيحيون والكرد الأعضاء ضمن الائتلاف السوري التركيّ. عفرين نموذج صارخ عن هذه الحقيقة، إدلب كانت مدينة تعدّدية الثقافات ولو أن الوجود الإسلاميّ هو الطاغي. إذاً ماذا حدث كي تصبح درعا بين خيارين لا ثالث لها، الاستسلام يعني التخلّي عن كل ما آمنوا به خلال الأعوام الماضية، الاستمرار بالمواجهة أيضاً يعني الفناء أو ترك المدينة بضغوطات دوليّة وفرض الإقامة الجبريّة عليهم، وزجّهم في معارك لا مصلحة لهم فيها فيما بعد. يمكننا أن ندّعي أن درعا لم تلقَ الدعم في آخر المطاف لأسباب عدّة أحدها أنّها إسلامويّة تحتوي مجموعات راديكاليّة، وكان من الممكن أن تشكّل خطراً على الأمن الدوليّ لمدى بعيد، لهذا لم تلقَ التأييد حتى من أقرب المقرّبين لها من الدول الداعمة للثورة السوريّة، فصمتت وأعطت الضوء الأخضر، على رأسها تركيا. أمريكا أيضاً صرّحت علناً أنّها لن تدعم الفصائل عسكريّاً في مواجهة النظام وعليها أن تتولى أمرها بنفسها.
عفرين أيضا كانت المدينة العلمانيّة المتعددة الثقافات، ديمقراطيّة، كانت قريبة جداً من مقاييس الدول التي تدّعي أنّها الأكثر ديمقراطيّة، رغم المقاومة البطوليّة التي أبداها العفرينيون ووحداتهم العسكريّة، إلا أنّها احتلت من قبل العدوان التركيّ وائتلافه الأخوانيّ، أيضاً حدث ذلك بحجج واهية لإعطاء الغطاء للتركيّ في سبيل القضاء على الفصائل من خلال عملية مقايضة تركيّة وروسيّة.
نقول: لأنّ الشرارة الأولى للثورة في إدلب لم تضع الهدف في أن تكون تعدّدية غير إقصائيّة، علمانيّة، ديمقراطيّة، تحوّل الكرد لورقة بيد الدول لتتاجر بالثورة مقابل القضاء على الشعب الكرديّ وقضيتهم العادلة. لكن لو أنّنا فكرنا بعكس ما حدث حتى الآن، ورأينا أمامنا صورة من لوحة كاملة مكتملة لكل موزاييك المجتمع السوريّ، ضمن مسار عملية التغيير الديمقراطيّ التعدديّ، لما حدثت كلّ الثغرات الموجودة تلك، وما استطاع النظام اختراق تلك الثغرات، ولا استطاع التركيّ أن يسحب الفصائل لطرفه ويستخدمهم في مواجهة السوريّ. وما عقدت القمم التي تنادي بحل الأزمة السورية، لأنّها بالأساس تفرز الأزمة تلو الأخرى نتيجة اجتماعاتها. سبعة أعوام ويعقد جنيف، وأستانة، ماذا استطاع أن يحلّ، مسار جنيف بدأ ببعض الشخصيات من كلا طرفي المعارضة والنظام، بعد سبعة أعوام ستُضاف مجموعة المجتمع المدنيّ للمحادثات، لكن حتى الآن لا توجد آفاق للحل، ويبدو أنّها لا تهدف للحل بالأساس، إنّما إضاعة مزيد من الوقت، ليلعب اللاعبين على الأرض بشكل جيد وتشتد المنافسة بين الأطراف. وبنتيجة المنافسة شارف وجود المعارضة المدعومة إقليميّاً على الانتهاء في سورية، مقابل زيادة نفوذ النظام السوريّ، ولعبت قسد دورها في القضاء على الإرهاب وهيّأت الجو لتطوير مشروع ديمقراطيّ يمكن التعامل به في سورية. لذا فمعارك وصراع النفوذ على الأرض السوريّة باتت على مشارف الانتهاء. حتى ولو كان الصراع دوليّاً، ولا يعني بالضرورة أن يكون الحل أيضا دوليّ، فالشعب السوريّ بنفسه قادر على إيقاف صراع النفوذ عبر محاولات وجهود صعبة، لكنها ليست مستحيلة، وهو قادر على وضع الحلول الصحيحة بعد صراع دام ثمانية أعوام. ويمكن أن تكون حلولاً أكثر واقعيّة باعتبار أنّ السوريين تعرّفوا على حقيقة كلّ التيارات التي ظهرت على الأرض السوريّة ولو أن الكثير منها كان مستورداً من الخارج ويخدم مصالح دول إقليميّة.
لذلك نقول: إنّ الحلّ السوريّ السوريّ، سيكون الأكثر واقعيّة والأكثر تقبّلاً بين الشعب السوريّ، علماً أن وضعه المشتت لا يسمح له أن يفكر بواقعيّة، وتبعيته للأنظمة والدول التي يقيم فيها، بقائه في ظلّ سلطة قوى لا يرغب بالتعامل معها، سيؤدّي إلى حلول مغلوطة، لذلك الوصول فإنّ التوافقات بين الكتل المعارضة والتيارات الديمقراطيّة وأطروحات شخصيات وطنيّة ستظهر الكثير من التقاطعات بين كلّ الكتل السوريّة من المعارضة والموالين للنظام. إذاً هنا تظهر أهمية الحوار السوريّ-السوريّ، البحث عن التقاطعات بشكل دائم وتذليل الصعوبات في إغلاق الثغرات الموجودة بين المسارات ضمن اطار مشروع سوري متكامل لا اقصاء فيه، لا إنكار للحقوق القوميّة، لا نبذ للمعتقدات فيها. بهذا ستكون كلّ القمم المنعقدة فاشلة وستلتجئ للسوريين وتجربتهم في الحلّ.