بوتين يُحرك أطماع أردوغان وفق أهوائه

67
صلاح إيبو 

قمة أنقرة التي كان للرئيس الروسي فلاديمر بوتين التأثير الأكبر، وتسويق الرئيس التركي المحتل رجب طيب أردوغان والرئيس الإيراني كتابعين له، يترجم واقعياً على أرض سوريا اليوم، إذ يحرض الإعلام الروسي وبشكلٍ مباشر تركيا على شن حرب محتملة ضد قوات سوريا الديمقراطية في شمال وشرق سوريا، لكن تحضيرات هذه الحرب بدأت من قمة أنقرة، باتفاق الأطراف الثلاث على تغييب ملف إدلب من واجهة الأحداث ودفع المجاميع المسلحة ولاسيما متطرفي جبهة النصرة الحزب التركستاني للقتال إلى جانب الجيش التركي المحتل في شرق الفرات.
في إدلب التي استعاد جيش النظام السيطرة على مساحات واسعة من ريف حماة الشمالي وإدلب الجنوبي، بات اليوم الوضع مختلفاً، عقب هدنة معلنة وأخرى قيد الدراسة ربما تستمر لستة أشهر بين الجانب الروسي وتركيا، تحاول فيها تركيا تقليل أعداد متطرفي جبهة النصرة باقي الفصائل الإسلامية عبر حلها سياسياً.
وما تم الإعلان عنه منذ أيام عن دمج ما يسمى الجهة الوطنية للتحرير الموالية لتركيا مع الجيش الوطني المشكل من قبل تركيا، تحت لواء الأخير، يُشير إلى نية تركيا حل الفصائل الإسلامية وتميعها ضمن هذا الجسم المشكل، وسبق هذه الخطوة خطوات سياسية أخرى قامت بها تركيا، بتشكيل ما تسمى الحكومة السورية المؤقتة برئاسة عبد الرحمن مصطفى المنحدر من أصول تركمانية، وجرى الإعلان عن دمج فصائل إدلب مع فصائل منطقة الباب وعفرين المحتلة من قبل رجل تركيا هذا.
هذه الترتيبات التركية السياسية والعسكرية يتم العمل عليها منذ مطلع عام 2017، وترسخت بعد احتلال تركيا لعفرين، ومحاولة بناء جسمٍ سياسي من فتات المعارضة السورية المرهونة للقرار التركي، يكون نداً للنظام السوري صورياً، واليوم ربما يرى المخطط التركي النور، وسط الاندماج العسكري وتشكيل الحكومة المؤقتة التي تتخذ من تركيا مقراً لها، ولا يتواجد لها أي وجود حقيقي في الأراضي السورية الخاضعة لما يسمى المعارضة السورية والمحتلة من قبل تركيا.
وفقاً للعديد من التحليلات السياسية والإعلامية السابقة، تندرج الخطة التركية في بناء جسم سياسي وإداري موحد، مرفق بجشم عسكري موحد يأتمر مباشرة للجانب التركي أحد رعايا آستانا، وثم يدخل هذا الجسم في مفاوضات غير مباشرة مع نظام دمشق الذي يرتهن بدوره للأوامر الروسية الراعية لآستانا وسوتشي.
ولا يمكن تجاهل التوقيت الذي أعلنته الدول الثلاث “إيران – روسيا – تركيا” في قمة أنقرة عن جهوزية اللجنة الدستورية، التي تم الإعلان عنها نهاية الشهر المنصرم، وبين الخطوات العسكرية في إدلب والحديث عن هدنة لنصف عام، وكل هذه الترتيبات تكون مقابل رفع وتيرة التهديدات التركية لشمال وشرق سوريا، والتي يحاول النظام السوري وروسيا تغذيتها بحملة إعلامية وحرب تصريحات ممنهجة لصالح تركيا.
إذاً على أرض الواقع المشروع الروسي التركي، أو إن صح التعبير “مشروع محور آستانا” لا يمكن تحقيقه على أرض الواقع إلا بتغيب القوى الديمقراطية في سوريا والممثلة بالإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وكانت أولى خطواتها العملية، منع مشاركة ممثلين عن الإدارة الذاتية في اللجنة الدستورية، والخطوة العملية رفع وتيرة التهديدات التركية باحتلال شمال شرق سوريا وتغيير ديمغرافيتها على غرار عفرين.
وهنا المستفيد الوحيد من وضع كرة النار هذه في يد أردوغان الذي يصفه الإعلام التركي المعارض بالديكتاتور، هي روسيا التي ستعمل على وضع واشنطن في الزاوية وتخيرها بين حليفين على الأرض، رغم إصرار واشنطن على المضي قُدماً في إتمام الآلية الأمنية للحدود التي دخلت مرحلتها الثالثة، والحفاظ على مصالحها في سوريا بوابة الشرق الأوسط.
 الحسابات التركية، لن تكون في صالحها، إذ تتداخل عدة عوامل إقليمية ودولية، منها الصراع في شرق المتوسط والأزمة الليبية وربما تتدخل بعض الدول العربية التي أعربت عن موقفها الرافض للاحتلال التركي للأراضي السورية، وبالتالي ينذر بتحول الصراع من إقليمي إلى دولي لن تستطيع تركيا تحمل عواقبها خارجياً أو داخلياً ولاسيما مع التدني الرهيب لحجم عملتها المحلية.
قوات سوريا الديمقراطية التي هزمت إرهاب داعش بالتنسيق مع التحالف الدولي، لن تقف موضع المتفرج على التهديدات، إذا رفضت “قسد” والإدارة الذاتية التهديدات التركية جملة وتفصيلاً ودعت المجتمع الدولي للعمل على كبح لجام أردوغان، رغم أن هذه القوات أبدت مرونة غير مسبوقة لإنجاح تفاهمات آلية حماية الحدود، إلا أن الأخيرة تمتلك مقومات قوة عديدة وأقوها قدرتها على فتح جبهات بطول 600 كيلومتر وإمكانية انتقال المواجهات العسكرية للداخل التركي، تجعل من الهجوم التركي مسرحاً عاماً لأزمات متلاحقة في الشرق الأوسط بشكل عام.
في الخلاصة، هناك توافقات بين روسيا وأمريكا، فيما يخص بعض الملفات العالقة بدءً من أوكرانيا وفنزويلا وصولاً للشرق الأوسط والتي تمثل سوريا عمقها، إذ يرجح أن يكون هناك توافق روسي أمريكي عام، ويجب أن يخدم هذا التوافق أهداف إسرائيل في المنطقة وفق ما خرجت به قمة القدس قبل أشهر، ومن هذا المنطلق يلاحظ أن الهجوم التركي إن حصل سيكون ضمن نطاق ضيق بحيث يسمح للاعبين الدوليين السيطرة عليه وعدم تهديد المشاريع المشتركة بين روسيا وأمريكا.