شعر الفلك وإلهام السماء.. في القصائد العربية

36
وكالات

ترعرع الشاعر العربي وسط الصحراء، فكانت السماء سقفه والنجوم مرشده والكواكب معبوده، لذلك حضرت بقوة في قصائده حيث كان الشعر ديوان العرب وفخرهم ومرآة مجتمعهم.
ويعكس غنى الشعر العربي بالظواهر الفلكية معرفة دقيقة مبنية على الملاحظة والتجربة، وتفنن الشعراء في وصف القمر والشمس وأبراج الدلو والعقرب والحوت والجدي والجوزاء وكواكب المشتري وزحل ونجوم الفرقد وبنات نعش والثريا وغيرها.
ووظف الشعراء حركتها وسكونها وألوانها ومنازلها وبعدها وقربها وظهورها واختفاءها وغير ذلك من الدلالات في التعبير عن خوالجهم وأحوالهم النفسية وتصوير المعاني لإيصالها للمتلقي بأسلوب بليغ ومنيع.
ومن أبيات الشاعر الضرير أبي العلاء المعري (المتوفي 1057م) مرثيته الشهيرة لأبي حمزة الفقيه التي تدل على معرفته الجيدة بالكواكب والأفلاك إذ يقول فيها:
زحل أشرف الكواكب دارا
من لقاء الردى على ميعاد
ولنار المريخ من حدثان الدهر
مطف وإن علت في اتقاد
والثريا رهينة بافتراق الشمل
حتى تعد في الأفـــــــــراد“.
وفي ليلة علمية أدبية بالرباط نظمتها مبادرة الفلك الممتع والمكتبة الوسائطية في موضوع الظواهر الفلكية والشعر، حجّ جمهور من محبي القصيدة والقوافي يحذوهم فضولاً لمعرفة العلاقة بين عالمين مختلفين، أحدهما ينبني على معرفة دقيقة بالأجرام السماوية من حيث التطور والحركة، والآخر كلام موزون مقفى دال على المعنى.
وعدد الدكتور الحسن طالبي، وهو أستاذ اللغة العربية ودكتور في النقد اللغوي وأيضاً منشط فلكي، أبياتاً لشعراء عرب كانت السماء الشاسعة بسحرها وجمالها وما تكتنزه من ظواهر كونية مصدر إلهامهم ومطيتهم في الوصف والمقارنة والتشبيه والكناية والاستعارة.
وتقلب الجمهور ومعظمه من الشباب بين جمال القصائد وجماليات السماء من خلال أشعار ابن أبي ربيعة وأبي تمام والمعري وأبي الزناد وابن بشر والأخطل وأميمة بنت عبد شمس وغيرهم من شعراء الجاهلية والإسلام.
فالإنسان يرتبط بالفلك ارتباطاً وثيقاً، فقد كان العرب عامة والشعراء خاصة يمتلكون معرفة علمية متداولة في المجتمع المحلي، “فكان من الطبيعي أن نجد كماً هائلاً من الظواهر الفلكية وأسماء النجوم والكواكب والأبراج في الشعر العربي”.
وليس شعراء الصحراء وحدهم من تحضر في قصائدهم تلك الظواهر، فمع توسع الحضارة الإسلامية خارج بيئتها الصحراوية الأولى، ظل الشاعر العربي مرتبطاً بالسماء، لأنها موضوع مثير للعواطف وللأفكار وللتأمل”، ولأن الشاعر “كان دائماً يرفع عينيه إليها يهتدي بنجومها ويستضيء بقمرها في سفره للتجارة والحج والعلم”.
شعر وفلك:
استعار الشعراء من مدونة الفلك مفرداتهم لنظم شعر في مدح الملوك وذم الخصوم ورثاء الأحبة وبكاء الحال، فقالت أميمة بنت عبد شمس وهي ترثي من قتل من قومها:
“أبى ليلك لا يذهب
ونيط الطرف بالكوكب
ونجم دونه الأهوال
بين الدلو والعقرب”.
وقال الشاعر الجاهلي النجدي بشر بن أبي حازم:
“أراقب في السماء بنات نعش
وقد دارت كما عطف السوار”.
ويقصد أنه سهر طيلة الليل إلى أن دارت بنات نعش في آخر الليل، وبنات نعش (الكبرى والصغرى) اسم مجموعة نجمية من سبع نجوم تمثل أربع منها النعش، وتمثل الثلاث الأخريات بناته يتبعنه، وهي اليوم تعرف بالدب الأكبر والدب الأصغر، ووظف الشاعر بنات نعش لأنها لا تغيب على عكس النجوم الأخرى، وهو ما تنبه إليه الشعراء.
وأشار أبو العلاء المعري في أبيات له إلى اقتران الكواكب، وهي ظاهرة فلكية تقترب خلالها الكواكب من بعضها بعضاً، وكان العرب يرون لكل اقتران معنى ونبوءة، فينظرون لاقتران المشتري وزحل مثلاً نظرة تفاؤل فتتغير بعده الدنيا والأحوال:
“قِرانُ المُشتَّري زُحَلاً يُرَجّى
لِإيقاظِ النَواظِرِ مِن كَراها
وَهَيهاتَ البَريَّةُ في ضِلالٍ
وَقَد فَطَنَ اللَبيبُ لِما اعتَراها
وَكَم رَأَتِ الفَراقِدُ وَالثُرَيّا
قَبائِلَ ثُمَّ أَضحَت في ثَراها
تَقَضّى الناسُ جيلاً بَعدَ جيلٍ
وَخُلِّفَتِ النُجومُ كَما تَراها“.
وأشار شاعر العصر العباسي أبو تمام في قصيدته التي وصف فيها “معركة عمورية”، إلى مذنب كان المنجمون يتشاءمون منه، فنصحوا الخليفة المعتصم بعدم خوض المعركة بعد ظهوره، لكنه تجاهل رأيهم واحتكم لسيفه فانتصر فيها:
“السيف أصدق إنباء من الكتب
في حده الحد بين الجدِّ واللعبِ
بيض الصفائح لا سود الصحائف
في متونهن جلاء الشك والريب
والعلم في شهب الأرماح لامعة
بين الخميسين لا في السبعة الشهب
وخوفوا الناس من دهياء مظلمة
إذاً بدا الكوكب الـغربي ذو الذنب
وصيّروا الأبراج العليا مرتبة
ما كان منقلباً أو غير منقلب”.
التشبيه بحال السماء:
ويشبه شاعر حالة الوحدة والفرقة بالثريا، وهو تجمع للنجوم يُرى بالعين المجردة وبنات نعش (اسم مجموعة نجمية مكونة من سبع نجوم) فيقول:
“وكنا في اجتماع كالثريا
وصرنا فرقة كبنات نعش”.
ويصف المؤرخ والشاعر الأندلسي ابن الأبار البلنسي البدر لحظة الخسوف فيقول:
“نظرْت إلَى البَدرِ عند الخُسوف
وقد شين منظره الأَزين
كما سفَرتْ صَفحَةٌ لِلْحبِيب
فَحجَّبها بُرقع أدكن”.
ويبدو أن جمال السماء وسحرها وغموضها وكنوزها كان ينعكس دائماً على إبداعات الشعراء العرب كما يقول الحسن طالبي، كما انعكست ثقافة الشاعر الفلكية ومعرفته سواء الشعبية المتداولة أو العلمية الدقيقة بشكل جلي في القصائد التي نظمها في الغزل و الرثاء والمدح والهجاء والتأمل والتفكر.