سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

محاولة إِنعاشِ الإرهاب من الاحتضار

19
تقرير/ رامان آزاد 

كانَ يوم 23/3/2019 تاريخيّاً مفصليّاً في سياقِ الحربِ على الإرهابِ الذي تمدّدَ على مساحةٍ شاسعةٍ وأذاقَ الناسَ كؤوساً مترعةً بالألم والعذابِ وأشهدهم قسراً طقوساً تعافها النفس الإنسانيّة، إذ تفنن بالقتل وقطع الرؤوس ليُكرِّس الرعب والخوف في قلوبهم فلا يعصون له أمراً. وكانتِ الباغوز النهاية على المستوى الجغرافيّ، فيما يحاولُ المرتزقةُ الانبعاثَ مجدداً، وقد تحوّلوا إلى أساليبَ جديدةٍ في الحياةِ والعملياتِ والتمويلِ.
خلايا التمساحِ أسلوب داعش الجديد
من المؤكد أنّ مرتزقة داعش كانوا يدركون المصيرَ المحتّمَ الذي ينتظرُهم، إذ توالت هزائمهم تباعاً من كوباني إلى منبج والطبقة والرقة وريف ديرالزور، ولذلك من المتوقع أنّ حالاتِ الفرارِ قد سبقت معركة الباغوز، ويبدو أنّ عشراتِ من قادة الصف الأول لداعش، تمكّنوا من الفرارِ، وأولهم أبو بكر البغداديّ، إلى مناطق مجاورة، ومن المرجّح أن تكون تركيا وجهة هروب آخرين فانخرطوا في مجاميعَ متطرفةٍ أخرى تدينُ بالولاء لتركيا في مناطق عفرين وإعزاز وجرابلس.
فيما فرّتِ العناصرُ المحليّة السوريّة والعراقيّة، إلى المناطق الصحراويّة على الحدود العراقيّة ـ السوريّة، والجهةُ المقصودةُ كانت ما بعد الفرات إلى عُمقِ البادية شرق تدمر، والقلمون الشرقي، قريباً من تلال الصفا، وجنوب وشرق السخنة، باتجاه البوكمال، وهذا عدا الخلايا في أنحاء أخرى من البادية السوريّة، فيما هربت عناصر إلى تركيا، وآخرين غير معروفين ذابوا في المجتمعات ليكونوا “خلايا نائمة” ترفع رأسها في لحظة عابرة تلدغ ثم تأوي إلى جحورها، ولهذا تبنّى المرتزقة تفجيراتٍ واعتداءاتٍ عديدة، في أرياف دير الزور وحمص ودمشق والسويداء. وتحدثت تقارير صحفيّة أنّ “داعش” يخطط لهجماتٍ في أوروبا عبر مجموعاته “النائمة” في تلك البلدان، والتي يُطلقُ عليها اسم “خلايا التمساح”.
يتنقل المرتزقة ليلاً بحريّة في الجيوب الصحراويّة، وينقلون الذخيرة والإمدادات في مركباتِ الدفع الرباعيّ، وقد يتحركون نهاراً متظاهرين بأنّهم مدنيون أو عناصر في الجيش السوريّ، فهم على درجةٍ كافيةٍ من القدرةِ على التكيّف مع ظروف الصحراء، وكانت نواتهم معروفةً باسم “قطاع الصحراء”، وكان معظمهم من سكان المناطق الصحراوية على جانبي الحدود السوريّة العراقيّة. واليوم ازداد عددهم بالتحاقِ الفارّين بهم من مناطق في سوريا والعراق. وبذلك يتخذون قواعد سريّة لهم في بوادي المنطقة الشاسعة قليلة السكان، ويعتمدون أسلوب الحربِ المعروفة “اللا متماثلة” بديلاً لمرحلة الحرب سابقاً، وإرغام الخصم على خوضِ معركةٍ في توقيتٍ ومكانٍ غير مناسبين له. والهدف إنهاك الخصم عبر معارك غير تقليديّة والاستفادة من المساحاتِ المفتوحة وغير المحدودة.
رغم هزائم “داعش”، فلا تزال الخشية قائمة من تنامي نشاطه مجدداً غرب العراق، وفي حوض حمرين، ومنطقة بيجي، ومدينة الموصل، في ظلِّ استمرارِ عدم التجاذبات الطائفيّة والسياسيّة. وقد تتلقى خلاياه النائمة في سوريا دعماً بأيّ صورة من جهاتٍ إقليميّة لتوظّفها لصالح أجندتها مثل تركيا في معركتها مع الكرد، بالتوازي مع توتر متزايد في علاقاتها مع الأمريكيّ.
ولا يغيب عنا أنّ تنشيط داعش لخلاياه النائمةِ، كان بسببِ إنشائه خلال السنوات السابقة جهازاً أمنيّاً سريّاً مؤهلاً للعملِ في ظروف فقدان السيطرة العسكريّة المباشرة، للاستمرارِ حياً، واستعادة السيطرةِ لدى حدوثِ تغيّراتٍ ملائمةٍ ظرفيّاً، وهذا سرّ العملياتِ المختلفة التي ينفذها. وهناك ثلاثة مسارات محتملة قد ينتهجها داعش وهي العودة للبداية مواصلة التحشيد وتنفيذ هجمات مباغتة، واستهداف السجون تنفيذاً لتعليماتِ البغداديّ لاستعادة عناصره، أو الانتظار والرهان على الزمن.
داعش ورسائل التهديد
في13/6/2014 تشكل التحالف الدوليّ ضد “داعش”، وبدأ شنّ ضربات جويّة على معاقله، ولنشهد مع دخول عام 2015 كانت بداية انحسار جغرافيا سيطرة الإرهابِ اعتباراً من مدينة كوباني، وفي خريف 2016 دعا أبو بكر البغداديّ مقاتليه للدفاع عن الموصل، معقله الرئيس بالعراق، حتى آخر رجل، وفي 10/7/2017 أعلن رئيس الحكومة العراقيّة، حيدر العبادي تحرير المدينة، بعد معارك عنيفة استمرت تسعة أشهر، شنّتها القواتُ العراقيّة، مدعوماً بالتحالف الدوليّ.
في 23/8/2018 اعترف البغداديّ برسالة صوتيّة بأنّ مجموعاتِ “داعش” تخسر، وحثّ أتباعه على الاستمرار بالقتال. وتركّزت مجاميعُ المرتزقة في المناطق الحدوديّة، وخصوصاً في بلدتي الباغوز وهجين. وهناك كانت نهايتها على يد “قوات سوريا الديمقراطيّة”، وفي 23/3/2019 تمّ إعلانُ الانتهاءِ من حملة عاصفة الجزيرة، بعد معركة الباغوز معقلِ الإرهابِ الأخير في سوريا، ولتنتهيَ تسمية “الخلافة” المزعومة التي أُعلنت عام 2014.
بعد الهزيمة المدوية باتت منطقة البادية السوريّة معقل المرتزقة، بعد انحساره في سوريا وخسارته في آخر معاقله ببلدة “الباغوز” شرق دير الزور، وراح يبعث برسائل متنوعة ليؤكّد فيها أنّه لازال على قيد الحياة، بعضُ الرسائلِ كانت عملياتٍ إرهابيّةً والأخرى خطابات وتوجيهات، ففي أواخر نيسان 2018 دعا أبو بكر البغداديّ، أنصاره إلى شنِّ هجمات على خصومه في كلِّ مكان، وفي أول ظهورٍ مرئيّ له منذ عام 2014 حاول البغداديّ الايحاء أنّه لايزال يسيطر على الأمور وزعامته، وأنّه منهمك في شؤونه اليوميّة التي يديرها عن كثب، ولكنه اعترف بالهزيمة في غير مكان، مبرراً ذلك بأن ليس عليهم أن ينتصروا بل مواصلة “الجهاد. وفعل الأمر نفسه في رسائله الأخرى كان آخرها في 17/9/2019 إذ دعا لاستهداف السجون وتحرير نساء داعش.
من جملة الرسائل العملية كانت العمليات الإرهابيّة في أكثر من منطقة، ففي أواخر نيسان، شنّ المرتزقة هجوماً على كتيبتين للجيش السوريّ قرب منطقة “جبل البشري” في بادية حمص، وأسفر عن مقتل عدد من العناصرِ (بينهم ثلاثة ضبّاط) وجرح العشرات، إضافةً إلى تدمير آليات والاستيلاء على آليات أخرى وأسلحة وذخائر. وفي 11/6/2019 قتل وجرح عددٌ مِن عناصر الجيشِ السوريّ، في منطقة السخنة بريف حمص الشرقيّ في اشتباكات على مدى يومين.
وخلال الأسبوع الماضي شنّ المرتزقة هجوماً على قوات النظام والقوات الروسيّة في مدينة السخنة بريف حمص الشرقي (50 كم جنوب ديرالزور) التي استعاد الجيش السوريّ السيطرة عليها في 6/8/2017
التمويل عبر التهديد
30/9/2019 داعش لم ينتهِ بالكامل بل لجأ من فرَّ منهم إلى البادية في مناطق بين العراق وسوريا، ويحاول استعادة قوته مجدداً وترميم بنيته التنظيميّة، وأما من الناحية الماليّة فإنّه يعمد إلى إجبار المدنيين على دفع أموال “الزكاة”.
وفي 30/9/2019 نشر المرصد السوري لحقوق الإنسان تقريراً مطوّلاً عن انتهاكات مرتزقة داعش للمدنيين في سوريا، للضغط عليهم وابتزازهم. ويؤكد المرصد أنّ ملثمين إرهابيين استهدفوا بقنبلة يدوية، منزل رئيس قسم الصيانة بدائرة المياه في المجلس المدنيّ لديرالزور بمدينة البصيرة، دون إلحاق خسائر بشريّة وهو الاستهداف الثاني من نوعه خلال أيلول الماضي، واستناداً لمصادر موثوقة قال المرصد إنّ الاستهداف لم يكن هدفه قتل رئيس قسم الصيانة، بل للضغط عليه بغية الخضوع لمطالب المرتزقة المتمثلة بدفع مبلغ 15 ألف دولار أمريكيّ “كزكاة”.
وتشير التقارير، إلى أنّ مرتزقة داعش يستخدمون طرقاً جديدة لترويع السكان وترهيبهم، وابتزازهم، عبر رسائل نصيّة على الهواتف تطالبهم بتسليم الزكاة، ويُهددُ بالقتل. وفي ابتداع جديد لأسلوب التهديد يعمد المرتزقة إلى إلقاء “كفن” يُكتب عليه اسم الشخص المُهدد كرسالة تهديد له بالقتل في حال عدم دفع الزكاة والإتاوات المقررة، كما يعتمد المرتزقة من خلال جباية الزكاة من التجار والمتعهدين وخصوصاً العاملين بمجال النفط والتوريد بتهديدهم بطرق مختلفة منها طرق الأبواب ليلاً والتهديد المباشر.
تؤكد الوقائع أنّ مناطق مختلفة تشهد نشاطاً لخلايا الإرهاب مستغلة الظروف كبعد المسافة والليل، رغم العمليات الأمنيّة المستمرة لقوات سوريا الديمقراطيّة والتحالف الدوليّ لتطهير المنطقة منهم، وقد نفذ المرتزقة عدداً من الاغتيالات والتفجيرات بالألغام والآليات والعبوات في مناسبات متفاوتة، كما عمدوا إلى تعليق منشوراتٍ على أبواب المساجد في بلدة أبو حردوب بريف دير الزور الشرقي، وتحوي هذه المنشورات أسماء لأشخاص وقعوا وفقاً لمنظورهم “بالردة” بالتحاقهم بصفوف قسد، وسيُحاسبون ما لم يعلنوا “التوبة”.
التمويل الخارجيّ
وتشير الدراسات إلى أنّ داعش استحدث مصادر جديدة للتمويل تعتمد بشكل أساسيّ على معطيات نفوذه المتنوعة داخل بعض المناطق التي ما زال يتمتع فيها بسيطرة كبيرة خاصة في بنغلادش والعراق والصومال والفليبين وغرب وشمال أفريقيا ووسط آسيا.
تؤكّد الدراساتُ أنّ التنوعَ الماليَّ أعطى المرتزقة مرونةً بتحقيقِ بعضٍ من الاكتفاءِ الذاتيّ، ومكّنهم من الاستمراِر بالقتال وتمويلِ العملياتِ الإرهابيّة ومقاومة الجهود الدوليّة التي تحاول عرقلة وتعقب مصادره الماليّة وفرض عقوبات على الأفراد والكيانات التي تتورط بتقديم تسهيلاتٍ ماليّةً لهم واتخاذ إجراءاتٍ قانونيّةٍ حيالهم بوضعهم على قوائم العقوبات الجنائيّة الدوليّة.
وتعتمد الشبكة الماليّة لداعش على الاستفادة من الوفرة الماليّة التي تحققت له من مصادره الاقتصاديّة خلال سيطرته على أجزاء واسعة من العراق وسوريا بين عامي 2014 -2017، وإعادة تدويرها خلال فترة الانهيارات المتتالية لمعاقله خلال عامي 2017 -2018؛ بل استحدث مواردَ جديدةً من خلال آلياتٍ تقليديّة وغير تقليديّة ليحافظ على بقائه واستمرارِ قدرته على تهديدِ الأمنِ والسلمِ العالميّ.
يستخدم داعش “المنظمات الخيريّة” كواجهة للتحويلات الماليّة عبر العالم إلى خلاياه، وتبدأ بجمع التبرعاتِ لصالح جمعية خيريّة ثم تقوم بدورها بإرسالها إلى داعش من خلال أسماء مستعارةٍ لأفرادٍ في مواقع المراسلة والتواصل الإلكترونيّ (فيسبوك أو تطبيقات واتس آب وماسنجر وتليغرام).
أمثلة لنشاط داعش
هناك عدد من العمليات الإرهابيّة المنفذة وأخرى فشلت فقد أعلنت قوات سوريا الديمقراطيّة الثلاثاء إلقاءها القبضَ على المدعو “أبو جنة” وهو عنصر أمنيّ لداعش، ومسؤولٌ عن تفجيراتِ سابقة بمحافظة الرقة، وكان بصددِ التحضيرِ لإعداد هجمات مستقبليّة إذ كان بحوزته لدى القبضِ عليه ثلاثُ قنابل، وأشارت قسد إلى أنّ اعتقال “أبي جنة” جاء نتيجةَ عملية أمنيّة قامت بها، وأضافت أنّه منفّذ هجمات سابقة تشملُ سيارةً مفخخة بمدينة الطبقة.
كما تعرضَت عربة عسكريّة لقوات النظام، مساء 1/10/2019، لكمينٍ بعبوة ناسفة شديدةِ الانفجارِ بريف دير الزور الشرقيّ، ما أدى لمقتل 6 منهم وجرح 9 آخرين
فيما شهد “مخيم الهول” حالة من التوتر، وأشارت تقاريرٌ إعلاميّةٌ أنّ امرأةً لقيت مصرعَها وأصيبت 7 أخريات واعتقلت أكثر من 50 امرأة من قبل قوات الأمن الداخليّ، بعد أعمال شغبٍ في قسمِ المهاجرات وقعت الإثنين الماضي. وأشارت قوى الأمن الى أنّها تدخلت فور حدوثِ الفوضى، إلا أنّ النساءَ تمردن، وواجهن القوى الأمنيّة بالسلاح وأطلقن النار فعلاً، ليتطورَ الموقفُ وتردُّ القوى الأمنيّة بإطلاق النار للتخويفِ والردع. والحادث طرح عدداً من الأسئلة حول إمكانيّة القتلِ وأسلوب الحصول على السلاح.
وتفيد المعلومات أنَّ نحو 50 امرأة “داعشيّة” أفردن خيمتين في قسم المهاجرات لإنشاءِ “محاكم سريّة” والقيام بدور “الحسبة النسائيّة” لمحاكمة النساء الأخريات بتهمة ابتعادهن عن فكرهم المتطرف، وفي هذا الساق تعرضت امرأة للقتل بالسكين، وعلى الفور تدخلت القوات، إلا أن نساء التنظيم أحدثوا حالة من التمرد، وأطلقوا النار على القوات. كما تعرضت يوم الأحد، امرأتان من نساء داعش للاعتداء بالضرب المُبرح من قبل نساء داعشيات روسيات لعدم انضمامهما للدورة واعتبرن من المرتدات، فالمتشددات في قسم المهاجرات فرضن على النساء الالتحاق بدورة “شرعيّة” سريّة وارتكبن جرائم عديدة بحجة “الردة ومخالفة الشريعة”، بحق النساء ممن تخلفن عن الدورة.
الحادث لم يأتِ منفرداً فقد تعرض الشاب العراقيّ اللاجئ (ح. د) بالقطاع الخامس بمخيم الهول، لمحاولة قتل بسكين من قبل امرأتين تسللتا إلى خيمته وأصيب بجرحٍ بليغٍ بالبطنِ. وسبق أن عُثر على جثةٍ امرأة إندونيسيّة أخرى مقتولة وملقاة في مجاري الصرف الصحيّ.
بالمجمل قضية الإرهاب شائكة جداً وتتطلب وضع استراتيجيّةٍ شاملةٍ وتعاوناً على المستوى الدوليّ لتجفيف منابعه الفكريّة والماليّة ومراقبة تنقل العناصر المتطرفة عبر الحدود، والمؤكد أنّ قضايا التنمية والحريات العامة وتحصين المجتمعات مهمٌ جداً إذ لا يمكنُ إعادةُ تأهيلِ حملةِ الفكرِ المتطرفِ في مجتمعاتٍ مضطربة تفتقرُ للديمقراطيّةُ وتمارس الإقصاء، وبكلّ الأحوال فالحلولُ بعيدةُ المدى.