محمد الحجي: “اللجنة الدستورية بشكلها الحالي تقود إلى تقسيم سوريا”

50
 حاوره/ آزاد كردي –

تفاجأ الشعب السوري منذ أيام عن إعلان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرش قوائم أسماء اللجنة الدستورية التي من أبرز مهامها مناقشة الدستور السوري. وتضم هذه القوائم مئة وخمسين اسماً بصفة ممثلين عن طرفي الصراع السوري، إضافة إلى ممثلين عن المجتمع المدني. ومنذ الوهلة الأولى التي صدرت فيها القوائم لاقت ردوداً من الاستهجان والشجب على مستوى الحكومات أو الشخصيات السياسية سواء من الداخل السوري أو خارجه؛ مما أثار حفيظة الشعب السوري في مناطق شمال وشرق سوريا الذي خرج في عدد من المناطق؛ للتعبير عن رفضهم لذلك؛ تحت عنوان” دستور لا نشارك فيه، لا يمثلنا”.
وفي هذا الصدد أجرت صحيفتنا حواراً مع السياسي محمد الحجي الذي حدثنا عن رأيه حول تشكيل اللجنة الدستورية، وما هدفها، وما دوافع إقصاء مناطق الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا منها، علاوة على حقائق أخرى، وكان الحوار على الشكل التالي.
ـ كيف تنظرون إلى تشكيل اللجنة الدستورية على الرغم من أنها ولدت في جو لا يخلو من التطورات العسكرية والمعارك الضارية في سوريا؟
هذه اللجنة من الصعوبة بمكان أن تكون قادرة على إيقاف الأعمال العسكرية، اللجنة الدستورية أحد أبرز مهامها بناء جسور الثقة بين أعضاء اللجنة. لكن؛ لا أحد يصدق أن عمل اللجنة الدستورية سيمضي إلى مشواره النهائي المنوط به دون أي عراقيل، وهذا ما تعودنا عليه خلال سنوات الحرب. وبخاصة أن هناك اعتبارات أخرى لم تؤخذ بعين الاعتبار كإقصاء شعوب شمال وشرق سوريا منها. لذا؛ إني غير متفائل حيالها وحيال ما سيصدر عنها، وأي تقدم سياسي منوط بإشراك السوريين جميعاً فيه. وباعتقادي أن النظام السوري لن يلتزم بما سيصدر عن اللجنة ولن يكون هناك اتفاق؛ لأن هناك خلافات كبيرة بين اللجان الثلاثة التي تتألف منها اللجنة؛ لأنه يهدف إلى توسعة نطاق سيطرته محاولاً إعادة الوضع إلى المربع الأول، أي ما قبل عام 2011م. كما أن المجاميع المرتزقة للمعارضة في مناطق سيطرة الاحتلال التركي تعيش حالة من الفوضى والاقتتال الشبه يومي، مما يعوق إطلاق سراح المعتقلين وتبادل الأسرى وتقديم العديد من التنازلات السياسية، وأيضاً تأثير الدولة التركية عليهم واستخدامهم لمصالحها. والأمر الهام في هذا الخصوص أن مناطق الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا أقصيت من التمثيل في هذه اللجنة الدستورية، وهذا يضع علامات استفهام حول دلالات الإقصاء، وما الأهداف الرامية لذلك؟ بالرغم أن هذه المناطق من أكثر المناطق السورية أمناً وأماناً، وهذا ما يترك علامات استفهام كثيرة حول هذه اللجنة وكيفية التوافق حولها، وبهذه الطريقة وسيطرة جهات معينة على اللجنة الدستورية لن يكتب لها النجاح.
ـ على مدى ثماني سنوات كانت هناك الكثير من المباحثات والاجتماعات بخصوص الحل في سوريا، برأيكم هل سيحدث انفراج بعد تشكيل اللجنة الدستورية؟
الائتلاف المعارض رحب بتشكيل اللجنة الدستورية مذ الإعلان عن تأسيسها وأبدى ارتياحه على اعتبار أنهم لم ينجزوا خلال هذه السنوات أي تقدم على الصعيد السياسي؛ كون كل المحاولات كانت تصطدم بالفيتو الروسي، ولهذا ينظر لها هؤلاء على أنها حبل النجاة أمام غياهب قرارة عمر الأزمة السورية. بينما سيستغلها النظام السوري، ومن ورائه حلفاؤه للحصول على ورقة دولية من أجل إعادة الإعمار وتشجيع عودة اللاجئين، والمحاولة لإبقاء بشار الأسد على رأس الهرم في سوريا لولاية أخرى. والسؤال المطروح عن جدوى اللجنة التي سوف تجتمع خلال الشهر الجاري لتناقش الانتقال السياسي، كيف يحدث هذا، وهناك بعض الشعوب السورية مهمشة في اللجنة الدستورية، ممن ضحوا بفلذة أكبادهم في سبيل عزة الوطن والذود عنه، خلال تصديهم للمرتزقة والإرهابيين وتحرير المساحات والمدن منهم، ثم يأتي اليوم الذي يتم إقصائهم من صياغة الدستور السوري الجديد.
 لقد عانى الشعب السوري طوال فترة الحرب من ويلاتها الكبيرة، هل يمكن اختزال تطلعات الشعب السوري وما ينتظره من آمال عريضة على تشكيل اللجنة التي سينحصر مهامها فيما بعد بتغييرات شكلية في تركيبة الدولة، ولن تكون قادرة على فرض تغييرات جوهرية في تركيبة النظام العسكري والأمني. هل بوسع الائتلاف المعارض اختراق العملية السياسية؟ والتوصل لنتائج إيجابية، كلا لأنه يرى في المناطق التي تسيطر عليها الإدارة الذاتية بأنها مسلوبة من أهلها على الرغم من أن أهلها هم من يقومون بإدارتها، وبالتالي ما الفائدة من دستور لا يكتبه السوريون بأنفسهم، ولا ينهي معاناة الشعب السوري، فضلاً أن اللجنة الدستورية بشكلها الحالي تقود إلى تقسيم سوريا.
ـ كيف تفسرون الأسباب التي دفعت واضعو اللجنة الدستورية إلى إقصاء ممثلين عن مناطق الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا؟
يبدو أن إقصاء الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا من اللجنة الدستورية إجراء غير عادل، فكما هو معلوم للجميع؛ فإنّ الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا تشرف على مناطق واسعة في شمال وشمال شرق سوريا، بعد تمكن قوات سوريا الديمقراطية من تحريرها من مرتزقة داعش في آخر نقاط سيطرته في الباغوز. ويأتي هذا الاستبعاد الجائر لممثلي شمال وشرق سوريا عن اللجنة الدستورية بعد الاجتماع الذي عقد في أنقرة بين تركيا وإيران وروسيا، حيث اتفقت هذه الأطراف على إحداث التقارب مع النظام السوري مقابل إقصاء ممثلي شمال وشرق سوريا من اللجنة الدستورية. ويبدو أنّ أردوغان الذي يجد نفسه اليوم في مأزق تمسك واشنطن بحلفائها في شمال شرق سوريا فيما يخص الاتفاق حول الآلية الأمنية، بدأ يحاول التقرب من النظام السوري إرضاء لروسيا ظناً منه أنه سينجح في تحقيق مراده بهذا الشكل. وكان ترحيب واشنطن بتشكيل هذه اللجنة الدستورية فاتراً، وأيضاً هي لا تريد القيام بتغيرات على الأرض في منطقة شمال وشرق سوريا، حيث تواصل دعم قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية في مواجهة مرتزقة داعش الإرهابيّ، وهي لا تتفق إطلاقاً مع وجهة النظر التركية حول ما تسميه أنقرة بالمنطقة الآمنة. بينما تدعم الولايات المتحدة توجّه قوات سوريا الديمقراطية، على اعتبار هذا الاتفاق هو أمن للحدود لا يُسمح بموجبه لدولة الاحتلال التركي أن يكون لها أي وجود على الأرض. ولا شكّ أنّ تجاهل ممثلي شمال وشرق سوريا في هذه اللجنة الدستورية لن يدعم أي حل مستقبلي في سوريا؛ لأنّ هذا الإجراء يعني إقصاء أكثر من ستة ملايين سوري من حقّهم الشرعي المشاركة في وضع دستور للبلاد، وانطلاقاً من ذلك، فإنّ هذه اللجنة الدستورية قد حُكِمَ عليها مسبقاً بالفشل والخيبة، وهي تبدو عاجزة، تمزّقها الخلافات والتّدخلات الخارجية، وهو ما يجعل مهمتها بحكم الفاشلة قبل أن تبدأ.
ـ ما وجهة نظركم في موقف الإدارة الذاتية بشمال وشرق سوريا حول تشكيل اللجنة الدستورية؟
إنّ جميع السوريين في شمال شرق سوريا يتطلعون أنْ يكونوا ممثلين في أي حدث يُناقش مستقبل البلاد، وهم يدعمون إدارتهم الذاتية ومجالسهم التشريعية التي اختاروها بطريقة ديمقراطية لتكون صوتاً لهم، ومحافظة على مصالحهم وتطلعاتهم. لذا؛ لن يكون هنالك أي انفراج في الأزمة السورية إذا أصرَّتْ القوى الفاعلة في الشأن السوري تجاهل منطقة شمال وشرق سوريا من الحلول. أمّا نحن في هذه المنطقة، نتطلع إلى المشاركة الفاعلة في إرساء الحل السوري ـ السوري، إلا أنّنا ضمن هذه المعطيات لن نأبه بهذه اللجنة الدستورية، ولن نتعاطى معها، وكل ما سيصدر عنها لن يكون ملزماً إلا لمن وضعها وشكّلها على أسس سياسية إقصائية. لا يخفى على الشخص الذي يتابع تطورات الوضع في سوريا منذ جنيف وانتهاءً بآستانا محاولة تضليل الشعب السوري بأمور جانبية كالهدن وغيرها، ويحاولون إبقاء المحور الأساسي مغيّباً وهو كتابة دستور جديد لسوريا، وبعد عام على الصفقات المشبوهة تمخضت الاجتماعات عن لجنة كتابة دستور تناسب تطلعات الدول التي تحكمها مصالح محضة بسورية؛ والدليل أن اللجنة التي أعلن عنها أخيراً تتجاهل شرائح هامة من السوريين. كما أن هناك ترويج للروس منذ عام 2012 لهذا الدستور الذي يشكك كثير من السوريين من أنه مكتوب منذ تلك الفترة، وبإقصاء مناطق الأداة الذاتية من لجنة صياغة الدستور، هذا يعني إقصاء ما يقارب ستة ملايين شخص من كتابة الدستور الذي سينظم شكل الحكم الذي سيعيشون في ظله وفي ظل هذه الحقائق لا يخفى على أي ضليع بالشأن السوري فشل هذا الدستور قبل كتابته، فليس من المعقول أن يكتب دستور بلد ما بيد ثلة قليلة تتبع مصالح دول أخرى، وينتظر منه أن يكون دستوراً ناجحاً أو مقبولاً.