اللاجئون السوريون.. أداة أنقرة للتغيير الديمغرافيّ

88
 تقرير / رامان آزاد 

ما انفكّت أنقرة تستخدمُ ملفَ اللاجئين السوريين تبالغ في أعدادهم وتستثمرهم وسيلةً للضغطِ في كلِّ الاتجاهات. وتحدث أردوغان عنهم في خطابه في الأمم المتحدة خلال الدورة الـ 74، وروّج لمشروعِ إعادةِ 3 ملايين لاجئ سوريّ إلى سوريا وتوسيعِ إطار ما سُمّي “المنطقة الآمنة”. ولم يخلُ حديثُه من تهديدٍ مبطنٍ لدولِ أوروبا بفتحِ مجال الهجرة إليها. وبالمحصلة بات اللاجئون السوريون أداة أنقرة لتحقيق أجندة التغيير الديمغرافيّ.
أنقرة تصخّمُ عددَ اللاجئين السوريين
أكّد معهد “ديزيم” الألمانيّ 30/9/2019 عبر موقعه الإلكترونيّ أنّه “من الواقعيّة” اعتبار عددُ اللاجئين السوريين في تركيا حوالي 2.7 مليون. وجاءتِ الدراسةُ الألمانيّة، لتناقضَ الأرقامَ الرسميّة التركيّة، وتطعنَ في مصداقيِّة السرديّةِ العدديّة التي دأب أردوغان والمسؤولون الأتراك ووسائل إعلامهم على ترديدها وأنّ تركيا استقبلت 3.6 مليون لاجئ سوريّ على أراضيها، وباتت عاجزة عن استقبال المزيد منهم. كما اعتمدت المؤسسات التابعة لمفوضية الأمم المتحدة السامية للاجئين هذا الرقم. ومعهد “ديزيم” الألمانيّ تابعٌ للمركز الألمانيّ لأبحاث الاندماج والهجرة في برلين.
وخلُص التقريرُ إلى أنّ مواطنَ ضعفٍ كثيرةٍ تشوبُ طريقةَ رفعِ البياناتِ حول اللاجئين، ويقول التقرير: “لم يكن هناك، نظامٌ منسقٌ لضبطِ طريقةِ تسجيلِ اللاجئين وإعادة تسجيلهم في أماكنَ أخرى”، أي لم يُحذفِ العائدون إلى سوريا ولا المهاجرون إلى أوروبا.
اعتاد أردوغان اللعب على ورقة اللاجئين السوريين وفي سياق ذلك يعتمدُ أرقاماً مبالغاً فيها للاجئين لا ينفكُّ عن مطالبةِ أوروبا بمزيدٍ من الدعمِ لمساعدة بلاده في إيوائهم، ويؤكّد على تجاوزِ العدد إمكانيّة الاستيعابِ، ويهدد باستمرار بفتح حدوده مع أوروبا إذا لم يستجبِ الاتحادُ الأوروبيّ له. وطالب مؤخراً بمزيد من الأموال لإقامة الجنة الموعودة “منطقة آمنة” للاجئين شمال سوريا، لتوطين نحو ثلاثة ملايين لاجئ سوريّ هناك. ومن المؤكد أن دول أوروبا لم تنس سيناريو عام 2015 والضغط عليها وتحصيلِ المكاسب الماديّة والسياسيّة. وقد أطلقت أنقرة خلال شهري آب وأيلول موجةَ لاجئين وصلت إلى الجزرِ اليونانية، لتكونَ بالوناتِ اختبارٍ لمدى جديّة الاتحاد الأوروبيّ بتلقي التهديدات.
يتبع أردوغان أسلوبَ المزايدةِ علناً فيما يتصل بأعداد اللاجئين السوريين الذين يزعمُ إسكانهم شمال سوريا، والهدف تبرير زيادة المساحة التي يجب أن تستوعبهم، للوصول إلى عمق أكثر من 32كم، ففي خطابه في 5/9/2019 وعد أردوغان بمنح منزل بحديقة مجاناً لحوالي 1 مليون سوريّ سيتم إرسالهم إلى هناك، ولكنه في المؤتمر الصحفيّ المشترك الذي مع بوتين وروحاني في 16/9/2019 رفع سقف وعوده ليصبح العدد 2 مليون.
بعد يومين فقط وفي كلمةٍ أمام رؤساء الجامعات بالقصر الرئاسيّ بمناسبة افتتاح السنة الأكاديميّة، زاد مجدداً من عدد السوريين الذين سيتم توطينهم، وقال: “كما ذكرنا في تصريحاتٍ سابقةٍ، إذا لم نحصل على نتيجةٍ من هنا (ويقصد المنطقة الآمنة) في غضون أسبوعين فسنقوم بتفعيلِ خطط العملِ الخاصة بنا. عبر تحويل شرق الفرات إلى “منطقة آمنة”، سيتم إعادة توطين 2-3 ملايين لاجئٍ سوريّ لا يزالون يعيشون في تركيا وأوروبا، وهذا يتوقف على عمقِ “المنطقة الآمنة” هناك. كلا الأمرين يعنيان أوروبا عن قربٍ مثلنا تماماً. إنَّ صدقَ وحجمَ الدعمِ المقدّم لتركيا في نضالها سيؤدّي إلى حلِّ هذه المشاكلِ أو تعميقها”. وبهذا فالعددُ الذي ذكره أردوغان يتجاوز واقعاً عدد اللاجئين السوريين في تركيا.
وفي إجراءٍ أقربَ للمناورةِ نشرت الجريدةُ الرسميّةُ التعميمَ الرئاسيّ رقم 19 في 18/9/2019، بتوقيع أردوغان، لتكون رسالةً إلى الاتحاد الأوروبيّ. ويتضمنُ تسريعَ الإجراءاتِ المتعلقة باتفاقية الإعفاء من التأشيرة واتفاقية الاتحاد الجمركيّ (GBA) واتفاقية اللاجئين المبرمة بين أنقرة والاتحاد الأوروبيّ في 20/3/ 2016، أي الإيهام بتوفير المعايير التي يطالب بها الاتحاد الأوروبيّ والتزام تركيا بها. فيما ردّتِ الحكومة اليونانيّة بأنّها بصددِ خطةِ إعادة نحو 10 آلاف مهاجرٍ إلى تركيا. ووفقاً لاتفاقية اللاجئين، يلتزم الاتحاد الأوروبيّ بتقديم مساعدات بالمليارات لتركيا، وأنّ يردّ لاتحاد الأوروبيّ المهاجرين الذين يصلون إلى إحدى الجزر اليونانيّة بشكلٍ غير مشروعٍ، إلى تركيا. وبمقابلِ كلّ سوريّ تستردّه تركيا، يقبلُ الاتحادُ الأوروبيّ سوريّاً آخر بشكلٍ مشروعٍ.
وتمَّ تعليق مفاوضات تحرير التأشيرة ومراجعتها، بعد محاولة الانقلاب في 15/7/2016، بسبب عدم اتخاذ خطوات واقعيّة كضمان الحقوق الأساسيّة وحرية الفكر والتعبير، والإصلاح القضائيّ، وإجراء تعديلات على قانون مكافحة الإرهاب بما يتوافق مع الاتحاد الأوروبيّ وتطبيق حالة الطوارئ (OHAL).
مشروعُ استيطانٍ تركيّ
مشروعُ الاستيطانِ تجسيدٌ لخطةِ التغييرِ الديمغرافيّ، وبالنظر إلى واقع عفرين اليوم بعد الاحتلال نجدُ أنّ التغييرَ الديمغرافيّ هو هدفُ الاحتلالِ وليس نتيجة طارئة، فالمنطقةُ أَضحت مستباحةً بالكاملِ وتشهدُ فلتاناً أمنيّاً وتضييقاً على السكان لدفعهم إلى الخروجِ من المنطقةِ بمقابل إسكان المهّجرين من باقي المناطق منها وبخاصة التركمان. والمشروع ينطوي على تدخلٍ سافرٍ في شؤون سوريا، إذ تعطي أنقرة نفسها الحقِّ في فرضِ من المكوناتِ السوريّة يمكنه العيشَ على حدودها.
وفي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة رفع أردوغان خريطة لشمال سوريا ليشير إلى المنطقةِ التي ينوي إقامة المشروعِ فيها. وقال إنّه “في حال مد عمق المنطقة الآمنة إلى خط دير الزور-الرقة، بوسعنا رفع عدد السوريين الذي سيعودون من بلادنا وأوروبا وبقية أرجاء العالم إلى 3 ملايين”. ودعا كلَّ الدولِ لدعم جهوده المتعلقة بسوريا”.
قال وزير الخارجية التركيّ مولود جاويش أوغلو في 27/9/2019 إنّ تركيا غير راضية عن وضع المحادثات الحالية مع الولايات المتحدة لإنشاء “منطقة آمنة” مزمعة في شمال شرق سوريا، وكرر أوغلو للصحفيين، بعد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك، التحذير من أن أنقرة ستعمل من جانب واحد إذا لم تحققِ المحادثاتُ نتائج.
تعتمدُ أنقرة أسلوبَ التهديدِ فمن جهة تهددُ أوروبا بفتحِ الأبواب الحدوديّة باتجاهه ولسان حالها: “أعطونا المزيد من المال، لنغلق بوابات الحدود، ونأخذ مليون لاجئ سوريّ منكم”. ومن جهة أخرى العمل من جانب واحد وإمهالِ الولايات المتحدة حتى نهاية أيلول لإقامةِ المنطقة الآمنة. ويُلاحظ تناسبِ حجم التهديد مع المبالغة بعدد اللاجئين والمساحة المراد التوسّع فيها.
روّجت أنقرة لمشروع استيطانيّ ضخم على مستوى كامل شمال سوريا، ووفق ما نشرته قناة TRT HEBER فالخطة تهدفُ إلى إسكان حوالي مليون شخص، وتضمّ 10 قطاعات سعة الواحدة منها لـ 30 ألف شخص، و140 قرية تتسع لـ 5 آلاف. أما بالنسبة للبلدات، فهي بحجم 6 آلاف منزل. وبحسب الخطة فإنّ مجموع مساحة القرى والبلدات السكنيّة سيقدر بنحو 92.6 مليون م2، فيما ستبلغ مساحة الأراضي الزراعيّة التي ستوزع على سكان القرى نحو 140 مليون م2. وسيبلغ مجموع الوحدات السكنيّة في المنطقة الآمنة 200 ألف وحدة.
تُقدّر ميزانية المشروع بنحو 151 مليار ليرة تركيّة، أي ما يعادل 27 مليون دولار تقريباً. ويعوّل أردوغان على التمويل الأجنبيّ وإمكانيّة تنظيم مؤتمر للمانحين بقيادة الأمم المتحدة لدعم عمليات عودة اللاجئين إلى المناطق الآمنة. وقال: “بالتعاون مع أمريكا وقوات التحالف وروسيا وإيران، يمكننا نقل اللاجئين من المخيمات إلى المنطقة الآمنة”.
بالمحصلة المسألة تتعدى مجرد الإسكان وتغيير التركيبة السكانيّة، فالمساحة التي سيُقام عليها المشروعُ كبيرةُ جداً وسيتم الاستيلاءُ عليها، والنتيجة حاجز ديمغرافيّ مغاير بين الكرد في تركيا وسوريا.
إنكارٌ لحقائقِ التاريخِ والواقعِ
منذ بداية الأزمة السوريّة وكلّ تصريحات أردوغان كانت منصبّة على معاداة الكرد وأنّهم يشكّلون خطراً على الأمن القوميّ التركيّ، وعلى هذا الأساس كل مجاميع المرتزقة لاستهدافهم بما فيها داعش والنصرة، وفجأة ينقلب على كلّ ما صرّح به خلال سنواتٍ. وقُبيل مغادرته إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعِ الجمعية العامة للأمم المتحدة، قال: “يتعين علينا تطهير المنطقة (شمال سوريا) من المنظمات الإرهابيّة وإعادتها إلى أصحابها الأصليين. وأصحابها الأصليون هم بالأساس من العرب 85-90%”.
تصريحُ أردوغان يناقض حقائقَ التاريخ والواقعِ، والنسبةُ التي ذكرها مثيرةٌ للجدلِ وهي استمرارٌ للدعوةِ للفتنةِ علناً، فهناك عددٌ كبيرٌ من المكوّناتِ الأخرى وتشملُ الكردَ والآشور والسريان والتركمان والأرمن والكلدان وسواهم فهل يشكّل كلُّ هؤلاء نسبة 10% المتبقية؟ وبعبارة أخرى هي محاولة لاستهداف مشروع الحلّ السياسيّ الذي تبنّى الوطنيّة والعيش المشترك.
تحدّث أردوغان في خطابه في 24/9/2019 أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عن مشروع إقامة مساكن على حزامٍ عمقه 20-30 كم داخل سوريا، لاستيعاب اللاجئين السوريين العائدين من تركيا أو أيّ دولة أخرى، ولكنه بنفس الوقت أثار مسألةَ تحديدُ ملكيّةِ هذه الأراضي التي يُفترضُ أن يُقام عليها المشروع. إذ لا تتوفر بياناتٌ دقيقةٌ من السجلِ العقاريّ بملكية الأراضي، ولا قيودٌ من دوائرِ الأحوالِ المدنيّةِ للمطابقةِ، وماذا لو ثبتَ أنّ القسمَ الأكبرَ من المنطقةِ التي يتحدث عنها تعود ملكيتها للكرد؟ فكيف سيقيمُ عليها مساكنَ لغير الكرد، كما أنّه ليس لدى أنقرة دلائلُ بأصحابِ الأراضي الحقيقيين لتقدمها للمجتمعِ الدوليّ. وما المعيار الذي يمكن تبنيه لإثبات ملكيات غير موثقةٍ لأراضِ زراعيّة يعملُ عليها أصحابها من عقودٍ ومسائل تتعلق بتركاتٍ لم تأخذ مسارها القانونيّ لتثبيتها.
يعتمدُ أردوغان على مخيلته ليثيرَ قضيةً معقّدةً وفي غاية الحساسيّةِ، ذلك لأنّه يستند إلى نتائجِ إجراءاتٍ قامت بها الحكومة السوريّة عام 1962 حيث تمَّ تجريدُ عددٍ كبيرٍ من الكرد من الجنسيّة، فلم يتمكن هؤلاء من تثبيتِ ملكياتهم، ناهيك عن قيودهم المدنيّة، فاُعتبروا في عدادِ الأجانبِ، ولم تكنِ الإجراءاتُ المتخذةُ في نيسان 2011 كافيةً لإعادةِ الاعتبارِ والجنسيّةِ لكلِّ الكردِ المجردين من الهويةِ السوريّةِ، ويقدّرُ عددُ من حصل على الهوية (120-130 ألف) مواطن، فيما العددُ الحقيقيّ يتجاوزُ الضعفَ.
التهديد بالعدوان
30/9/2019 كان أردوغان متفائلاً في زيارته إلى الولاياتِ المتحدةِ بمقابلةِ الرئيس الأمريكيّ ترامب، بعدما رفعَ سقفَ التهديدِ مع واشنطن وأمهلها حتى نهايةِ أيلول الماضي، وأثار احتمالَ القيامِ بعملٍ من جانبٍ واحدٍ ويتمثلُ بتوغلٍ في سوريا، فحشدَ القواتِ على الحدودِ، إذ لم يكن راضياً عن الاتفاق الأخير مع واشنطن.
وجاء التصعيد التركيّ في سياقِ سياسة أنقرة التي انحازت إلى التنسيق مع موسكو، على حساب علاقتها مع واشنطن، ولتبدو هذه السياسة غامضة وأقرب للتأرجح بين عاصمتي القرار الدوليّ، ولا تتسم ببعد النظر، وتدفع بالقضايا باتجاه التأزم والانحياز إلى دعم الإرهاب والاستثمار فيه.
لكن أردوغان لم يُوفق بمقابلةِ ترامب ليعود خائباً، واكتفى الرئيس الأمريكيّ ترامب بإرسال السيناتور الجمهوريّ، ليندسي غراهام، إلى مقر إقامة أردوغان لينظر في جديد ما يحمله أردوغان في جعبته حول خططه لسوريا وتجاهل الباقي ولم يأتِ ترامب على ذكر أردوغان في جملة الرؤساء الذين قابلهم. وكلّ ما فعله أردوغان هو إثارة جملة من القضايا الشائكة أراد استثمارها لصالحها ويؤكّد على محوريّة دور تركيا بالمنطقة، بل تجاوز إلى الكشف على خطط التوطين والتغيير الديمغرافيّ في بلدٍ آخر ملمحاً بالتهديد لفتح باب الهجرة غير الشرعيّة إلى أوروبا.
الأمر الذي سيدخل أردوغان في حالة التخبط، فالعلاقة مع واشنطن لا بديل لا، وليس من السهل على أنقرة فك ارتباطها مع واشنطن، التي تلوّح بعصا العقوبات الاقتصاديّة عليها. فهل تريد واشنطن أن تدفع بأردوغان إلى اتخاذ قرار منفرد يكون أقرب للتورط، ويخطو إلى نهايته مدفوعاً بالغرور؟ وأردوغان المغامرُ يحتاجُ لأيّ عملٍ يصرفه في الداخل نصراً فيكون وسيلةَ ترميمٍ إسعافيّ لحاضنته الشعبيّة والحزبيّة وارتفاع الأصوات التي تتحدث عن الفساد والعلاقة مع الإرهاب
من جانب آخر فالعلاقة بين أردوغان وحلفائه كحزب الحركة القوميّة المتطرف، وكبار المسؤولين والقادة العسكريين لا تتسم بالانسجام، والنقاشاتُ مستمرّةٌ حول تغييرِ الخريطة التي تبنتها واشنطن شمال سوريا، التي يبدي الجانبُ الأمريكيّ تصميماً على إنفاذها. ولعلها تستندُ أنقرة تأييد موسكو لها، فقد انتقد لافروف مؤخراً واشنطن واتهمها بإنشاء كيانٍ انفصاليّ، فتحاول أنقرة خرقَ الخريطةِ عبر عمليّة عسكريّة محدودة على الحدودِ وبنفس الوقت لتأكيد جديتها، وتفعيلِ عمليةِ التفاوضِ من جديدٍ، إذ أنّها تخشى عواقب عمليةٍ عسكريّةٍ كبيرةٍ رغم التهديد المستمر بذلك.