الفامينية…

28
بيريفان خليل –
لم تصمت المرأة إزاء ما يحصل بحقها من سلبٍ للحقوق وتعنيف واغتيالها بشتى الوسائل ضمن المجالات كافة، فدوماً كان هناك نخبةٌ من النساء ممن يكدحن ويجتهدن في سبيل تغيير واقع المرأة ككل، والوقوف إلى جانب جنسها وتحريرها، فكان سعيهن باستمرار ضمن هذا الإطار. فظهرت حركات كثيرة إلى جانب المنظمات المعنية بشؤون المرأة، ومنها الحركة الفامينية. هذه الحركة جاءت كردِّ فعلٍ ضد النظام السلطوي الرجولي لتعرِّف بالمرأة وبالرجل وكلٌّ على حدة، وتطبِّق قانون المساواة بين الجنسين، وأولى انتقادات الفامينية كانت للتاريخ بحكم أن التاريخ كُتب بيد الرجل، لذا مُحيَ منه دور المرأة، وتم تهميشها كلياً، وزعمت الفامينية بأن التاريخ قد مات كون المرأة لم تجد نفسها فيه، ولم تكتب لنفسها تاريخاً خاصاً بها.
سعت الفامينية من أجل إحقاق حقوق المرأة كثيراً، لكنها لم تتكمن من تحليل المجتمع ككل لتعرف جذور المشكلة التي وضعت المرأة في ذلك الواقع، أي أنها قالت: «إن المشكلة تكمن هنا، ولكن لم تتطرَّق إلى وضع حلولٍ لها»، فلم تتمكن الفامينية من تعريف الجنسية بالمعنى الأيديولوجي، ولم تسلط الضوء على ظاهرة استغلال المرأة، وبذلك دعمت الحداثة الرأسمالية بعض الشيء.المشكلة الأساسية التي تعرضت لها الفامينية، ولم تخوِّلها لتكون حركة ناجحة كلياً من أجل المرأة وتحررها، هو عدم وصولها إلى البنيوية والأعماق. فكان عمل الفامينية يتمثل في أن يكون هناك جنسٌ واحدٌ على حساب الجنس الآخر، أي أن يكون هناك جنس المرأة فقط، كما فعلت الحداثة الرأسمالية، فالحداثة الرأسمالية كانت تقول: إنَّ جنس الرجل هو الوحيد في المجتمع، وهو الذي همَّش المرأة وأقصاها، وعملت الفامينية الفعل نفسه في أن يكون جنس المرأة هو الجنس الوحيد في المجتمع، ظناً منها بأنها بهذه الطريقة ستضمن تحرر المرأة وحريتها وخروجها من قوقعتها، ولم تدرك بأنها تزيد المشكلة تعقيداً. فالفامينية لم تصل إلى مفهوم التشاركية بين الجنسين، لذا أخفقت في أن تكون صوت المرأة والمجتمع ككل؛ لأن تحرر المجتمع يكمن في تحرر المرأة.
ولأن الفامينية كانت تنادي باسم المساواة بين الطرفين، فقد كان مفهوم المساواة لديها من الناحية البيولوجية أيضاً، فإنها كانت تدعو إلى المساواة حتى في إنجاب الأطفال! وتؤكد على أنه كون المرأة تحبل لذا؛ على الرجل أيضاً أن يحبل، ولم تدرك الحركة الفامينية الفروقات البيولوجية بين جسد المرأة والرجل، فقط كانت تركز على فكرة المساواة دون النظر إلى البنية الجسدية لكليهما. كما لم تصل إلى الحل الجذري والعميق لمشكلة المرأة والمجتمع، ولم تصل إلى النتيجة أو إلى الحل الأنسب لإخراج المرأة من الظلم والمعاناة التي كانت تعيشها، بل زادت واقعها تعقيداً في أن يعادي المجتمع نفسه الجنس الأنثوي.
ما يهمنا هو أن الحركات المنادية باسم المرأة والنضال ظلَّت مستمرةً، ولا ننكر بأن الحركة الفامينية رغم تقصيرها ونواقصها عملت بجهدٍ كبيرٍ من أجل المرأة ودعمتها بعض الشيء وأثبتت أن هناك من يساند المرأة ويقاوم من أجل جنسها.