التفاهمات “التركية الروسية الإيرانية”… وتقويض نفوذ المعارضة السورية

63
مركز الفرات للدراسات –

مرّت الأزمة السورية بمراحل مختلفة ومتعددة، بدءاً من الحراك الشعبي إلى الصراع المسلح، وهو ما وجدته بعض القوى الكبرى فرصة لتحقيق مكاسب سياسية في المنطقة، فأخذت كل واحدة منها تعمل لصالح طرف معين عبر التحالف معه ودعمه. إلا إن بعض التحالفات دفعت بشريكها لمستوى خطير؛ كالمعارضة السورية عندما بدأت تخرج من مضمونها وأخذت تؤتمر من قوى أخرى؛ وتعمل لصالحها؛ وتحولت من موقع قوة إلى طرف ضعيف في المعادلة حتى اقترب موعد إقصائها بشكل كامل. فمنذ بداية الأزمة السورية وتحولها لصراع مسلح توسعت حالات الانشقاق ضمن صفوف الجيش السوري. فأصبح النظام السوري في وضع لم يُمَكّنه من فرض نفسه. إذ بدأت المعارضة السورية بمد نطاق سيطرتها في الأرياف والمناطق المحيطة، حيث شكّلوا مجموعات مسلحة. ومنذ عام 2012 انعطف الجيش الحر إلى الأحياء الشعبية في حلب واستولى على أجزاء منها، ونتيجة هذا الضغط تراجعت القوات الحكومية وامتدت سيطرة الجيش الحر في شمال غرب البلاد؛ محيط حلب وإدلب، بالإضافة إلى الاستيلاء على العديد من النقاط الحدودية والتي سهّلت دخول الأسلحة إلى المقاتلين المعارضين. وحتى عام 2014 سيطرت المعارضة على أغلب الأراضي السورية. وأخذت تعمل بأوامر من الدولة التركية؛ وبدأت تتستر خلفها بصفتها الراعي السياسي للفصائل المسلحة.
في البداية سَعَت أنقرة إلى عزل النظام السوري، إلا أن التدخل الروسي الايراني منذ عام 2015 مهّد لفشل مساعيها؛ فعند تراجع قوات النظام على عدة جبهات تدخلت روسيا عسكرياً لتمكين النظام السوري؛ فجاء القرار الأول بتوجيه ضربات جوية في سوريا، بعد تفويض من مجلس الاتحاد الروسي، بدءاً من عام 2015، مما غيّر موازين القوى لصالح النظام بعد التعاون الروسي والإيراني وحزب الله ضد المعارضة السورية، وأصبحت المناطق تستعاد تباعاً. مما وضع تركيا في عزلة تامّة عن المنطقة، وسبَّبَ في تآكل سياستها الخارجية منذ عام 2016، لذا بدأت تسعى لتأسيس سياسة واقعية جديدة تمكّن نفوذها في سوريا، حيث تحولت إلى سياسة مرنة لحفظ ماء الوجه من خلال الجهود الدبلوماسية الأخيرة عبر تفاهمات؛ تجنباً للمواجهة مع أي طرف، ومنذ ذلك الوقت بدأت المعارضة السورية بالتراجع عن تقدمها في جبهات القتال، كما إنها أصبحت تخسر مناطق سيطرتها نتيجة استغلالها لمصالح دول أخرى ووقوعها أسيرة تفاهمات تسببت في انتكاسها لمرات عدة دون أن تتعظ. فكان التمهيد لتقويض نفوذ المعارضة.
بداية التحول نحو التفاهم الروسي والإيراني
بدأت أنقرة بالتخلي عن سعيها لعزل النظام السوري، وحولت مسار تعاونها مع المجموعات المسلحة لأجندات خاصة وخارجة عن عُرف الثورة السورية، خاصةً بعد مشاركة قوات التحالف عام 2014 ضد تنظيم داعش في معارك كوباني، ورفع مستوى التنسيق والتعاون بين واشنطن والكرد، والذي تزامن مع تشكيل “قوات سورية الديمقراطية” في تشرين الأول 2015 والعمل على تسليح وتدريب هذه القوات، فشكَّل هذا التحالف معضلة جديدة لدى تركيا، فأصبحت أنقرة ترى في روسيا الفاعل الأكبر في تفهّم حساسيتها تجاه الكرد، وقناعتها بأن موسكو ستلعب دوراً حاسماً في تحقيق التوازن لمصالح تركيا في سوريا، فبدأت بإطلاق مبادرات الغاية منها جذب إيران وروسيا للطرف التركي في حربها ضد الكرد؛ وأي مساعي للحكم الذاتي، وفي المقابل أصبحت موسكو تلعب دور الشريك المخادع من خلال الورقة الكردية وتعاطيها كعامل مهم لعلاقة أنقرة مع الغرب، ونجحت في إقناع تركيا ببقاء النظام السوري وسيطرته على كامل الأراضي السورية. ومن هنا بدأت هذه الأطراف بالتوافق على تحقيق أهدافها بما يخدم مصالحها، والضحية كانت المعارضة السورية.
”درع الفرات” أول ممر آمن للمسلحين السوريين من المعارضة
في 26 اغسطس 2016 أعلنت أنقرة بدء عملية “درع الفرات” بناءً على تفاهمات تركية روسية لإنشاء ممر آمن على الحدود السورية عند بلدة الباب، الهدف منها منع تشكيل كيان كردي موحد وقطع الطريق أمام الكرد في ربط منطقتي كوباني وعفرين. وبالمقابل لتشكل مناطق تأوي المعارضة السورية المدعومة من تركيا عند تراجعها من المناطق التي تسيطر عليها. فكانت نتيجة هذا التفاهم انسحاب الجيش الحر من حلب إلى مناطق “درع الفرات” التي أنشأتها تركيا، قبل أن تبدأ الغارات الجوية السورية الروسية، فكانت حلب أول تنازل من تركيا؛ والتضحية بأهم معقل للمعارضة السورية، مما سلّط الضوء على مصالح تركيا المتغيرة في نهجها تجاه المعارضة السورية، وخلفية هذه التفاهمات. كما إن فشل المحاولات التركية عبر وكلائها لتقليص النفوذ الكردي نحو شرق الفرات فقط؛ السبب الذي دفعها لزيادة تحركاتها الدبلوماسية واتجهت نحو إطلاق محادثات آستانا في ديسمبر 2016 مع روسيا وإيران لوقف إطلاق النار؛ والحصول على ضمانات لتثبيت أماكن لها في الأراضي السورية خاصة في ظل فشل مواليها من المجموعات المسلحة في صد الهجمات الروسية والسورية، والقتال ضد الكرد. وكان من أهم بنود اتفاقيات آستانا والتي أقصت المعارضة من مناطق سيطرتها.
مناطق خفض التصعيد
وهي وثيقة عرضتها موسكو خلال الجولة الرابعة من محادثات آستانا عام 2017، وفي الرابع من مايو 2017 وقّعت الدول الضامنة (تركيا وروسيا وايران) على هذه الاتفاقية لتشكيل مناطق عدم الاشتباك في ثماني محافظات تتواجد فيها الفصائل المسلحة، إلا إن غياب سُبُل التعامل مع الانتهاكات لوقف إطلاق النار وغياب آليات معاقبة مرتكبي الانتهاكات والتخفيف من حِدة الأعمال العدائية. بيّنت استراتيجية جديدة لتفاهمات الدول الثلاث؛ الغاية منها الحصول على المزيد من الامتيازات لصالح النظام السوري، حيث شن النظام السوري عملية عسكرية في منطقة خفض التصعيد بإدلب. وبالمقابل أعطت موسكو الضوء الأخضر لتركيا لاجتياح عفرين مقابل ضغطها على المعارضة للمشاركة في المفاوضات، وترافق مع هذه الأحداث سيطرة النظام على مطار أبو الظهور في ريف ادلب. وانسحاب القوات الروسية من المنطقة الفاصلة بين مدينتي إعزاز وعفرين تمهيداً لدخول تركيا إلى عفرين. بالتزامن مع فرض “مصالحة” على المعارضة في الغوطة نتيجة الهجوم الواسع عليها، والسيطرة على مدن وبلدات جنوب العاصمة، وريفي حمص وحماة الجنوبي، والريف الجنوبي لدمشق. أما ما نالته إيران من هذه التفاهمات هو إخلاء ما تبقى من سكان بلدتي الفوعة وكفريا المدعومة منها بعد حصار دام ثلاث سنوات. ونتيجة هذه المفاوضات كان عبر التضحية بالمعارضة السورية، وسحقها إما بالحسم العسكري، وفرض سياسة الحكم والأمر الواقع بالقوة، أو بإجبارها على دخول المصالحات، مما زاد من تمزيق صفوفها.
المنطقة منزوعة السلاح
وهو تفاهم آخر بين تركيا وروسيا في سبتمبر 2018 للفصل بين قوات النظام وفصائل المعارضة وهيئة تحرير الشام في إدلب لتجنيب المنطقة أي عملية عسكرية للنظام السوري. كان المكسب التركي منها تعزيز صورتها كطرف فاعل ووحيد للمعارضة، والحفاظ على نفوذها في المنطقة، عبر نقاط المراقبة، والتي تعتبر بالنسبة لها بمثابة نصر عبر إثبات وجودها في سوريا. لكن المستفيدين الأكبر كانتا روسيا والنظام السوري، فالعملية العسكرية على هذه المنطقة دون أي رد تركي، سَهَّلت انسحاب المعارضة من مناطق مثل ”خان شيخون ” والبلدات المحيطة بها. حيث مَهَّد لروسيا والنظام السوري بدخول أسهل، وهي تجربة لاقت نجاحاً سابقاً في مناطق “خفض التصعيد” عبر التفاهم التركي الروسي الإيراني. فكانت النتيجة سقوط العديد من مناطق المعارضة.
قمة أنقرة الأخيرة لإقصاء المعارضة من آخر معاقلها
وهي قمة أخرى أو تفاهم آخر جرى بين الدول الثلاث “روسيا وإيران وتركيا” في أنقرة 17 أيلول 2019، حيث ركزت على سُبُل إنهاء الحرب في سورية، وحل خلافاتهم حول القضايا الحساسة، وكان الحدث الأهم هو مدينة إدلب (آخر معاقل المعارضة السورية)، حيث كان القلق حول الوضع فيها سيد الموقف للرؤساء الثلاثة في قمتهم. وفيها وجدت تركيا نفسها في موقف لإعادة النظر حول سياستها الحالية فيما يتعلق بإدلب، وعِدائها لأي اتصال مع دمشق، لمنع تدفق مزيد من اللاجئين نحو تركيا، وكذلك للإبقاء على نفوذها داخل سوريا لتأمين دور لها في أية مفاوضات ما بعد الحرب. لكن على ما يبدو إن الهدف من هذه القمة كان بإقصاء المعارضة من آخر معاقله (ادلب). فما يدار حالياً عبر وسائل الإعلام حول نتائج هذه القمة هو الاتفاق على سورية موحدة، وإعادة كتابة سورية جديدة، وهي نتائج تضفي طابع الشرعية للنظام السوري، ويعتبر فوز لروسيا وحليفها النظام السوري، في الوقت التي تنظر إليها المعارضة السورية على أنها “المدخل” للوصول إلى حل سياسي، لكنها في الحقيقة بمثابة ” إعلان فوز للجهود العسكرية “الروسية السورية”. ويستند تحليل نتيجة التفاهم الثلاثي الأخير حول إقصاء المعارضة لعدة أسباب وهي:
1- شَكَّل انسحاب المسلحين من خان شيخون علامة فارقة لإدلب آخر معاقل الجيش الحر في سوريا، حيث مهّدت لدخول قوات الحكومة السورية إلى البلدة. وأصبحت خان شيخون نقطة محورية في معركة إدلب بسبب موقعها على الطريق الرئيسي السريع الذي يربط مدينة إدلب بحماة من الجنوب.
2- وجود جماعات إسلامية متطرفة في إدلب، واندماج عناصر من الجيش السوري الحر معها، يُشكّل ذريعة رئيسية لكل من روسيا وإيران والنظام السوري لاستعادة كامل الغرب السوري من هذه المجموعات.
3- فشل الجهود الأممية لإيجاد حل سياسي سواء في آستانا أو سوتشي، في ظل إصرار الأطراف على مواقفهم، رجّح كفة عودة أغلب مناطق المعارضة للحكومة السورية، كون نتائج العديد من التفاهمات تميل لصالحه، نتيجة الحسم العسكري، في ظل تراجع حلفاء المعارضة عن الدعم.
4– الضربة الأمريكية الأخيرة لقواعد النصرة في إدلب، يعتبر مؤشر لرغبتها في إنهاء نفوذ الجماعات الإسلامية ومؤيديها في تلك المنطقة، كما أنها رسالة واضحة لرغبة الجميع في إنهاء صراع الجماعات المسلحة بإدلب بمن فيهم الجيش الحر، وإشارة حول الغضب الأمريكي تجاه هذه المجموعات واعتبارها جزء من تفشي هذه الفوضى في تلك المناطق. وتأكيد للدور الأمريكي كقوة حاضرة في هذه المنطقة، وقدرته على حل هذه المجموعات، بعيداً عن هذه التفاهمات.
5– المصلحة المشتركة بين الدول الضامنة تقتضي بإخراج الأمريكيين من سوريا، فالمحادثات تهدف لاستبعاد الغرب من المعادلة السورية. ويبدو أن مصالح تركيا والولايات المتحدة لن تتقارب في ظل استمرار دعم الأخيرة لحلفائها من الكرد وعدم الانصياع للرغبات التركية حول المنطقة الآمنة، فلم تجد تركيا أي خيار سوى الانخراط دبلوماسياً مع روسيا وإيران والنظام السوري، وإقصاء المعارضة من آخر معاقله عبر هذه التفاهمات.
6ـ وصول النظام السوري وحليفها الروسي والإيراني لآخر معاقل المعارضة السورية في شمال غرب البلاد، كان السبب في تغيير الاستراتيجية التركية نحو الدول الضامنة، وخاصة أنها رأت أن مصالحها بدأت تتبدد كثيراً بانتهاء الحرب، فدخلت تركيا كشريك لإنهاء المعارضة في هذه المنطقة بدلاً من معاداة الدول الأخرى.
7– الجيش الحر أصبح أمل السوريين الفاشل، حيث فقد قوته أمام الجماعات الإسلامية، بالإضافة لانضمام العديد من عناصره لتلك الجماعات كجبهة النصرة وتنظيم الدولة وكافة التنظيمات الجهادية، وأصبح يعتمد على الحرب الدعائية لتبرير فشله في العمليات العسكرية، بالإضافة لعدم وجود قيادة موحدة له في إدلب يسهل التعامل أو التفاوض معه وخاصةً مع تركيا، حوله لقوة لا يُعتمد عليها ومصدر إزعاج بالنسبة للجميع.
تدخّل تركيا السلبي في الأزمة السورية، تحوّل نحو استغلال قوة المعارضة لتنفيذ أجندة خاصة بها. تُوّج هذا التدخل بعمليتي (درع الفرات) و(غصن الزيتون) اللتين شرّعتا احتلال مناطق جرابلس وإعزاز والباب؛ وأخيراً عفرين. كما أصبحت تركيا تلعب بأوتار صراع النفوذ بين القوى الكبرى في سوريا، مُدعيةً بأنها الراعية الأولى لحقوق الشعب السوري، وعلى الجانب الآخر بدأت بعمل اتفاقيات ومبادرات مع كلٍّ من روسيا وإيران، الداعمتين للنظام السوري، فباتت الأمور كلها تقود لصالح الأخير على حساب تقلص نفوذ المعارضة السورية التي ما زالت تثق بدور هذه التفاهمات لنيل مطالبها.