قمة حلف الشرق وآثارها

46
رياض درار –

لم أتوقف عن تسمية ضامني آستانا الثلاثي (موسكو، أنقرة، وطهران) بأنهم حلف الشرق؛ تيمناً بحلف بغداد الذي كانت أنقرة وطهران لاعباً أساسياً فيه ضد الاتحاد السوفياتي. إنما هذه المرة فهو ضد أمريكا، كانقلاب للعبة المصالح، وتأثيرات السياسة.
كانت أمريكا هي سبب التحولات الجارية، فهي بعد سقوط الاتحاد السوفياتي استأثرت بالعالم للتحكم به. ولكنها؛ لم تستطع، فعادت لتقدم تنازلاً لدور تقوم به دول متعددة، على رأسها الصين وروسيا، بينما ساهمت بإضعاف أوروبا الحليف التقليدي الدائم. ولا ننسى دول البريكس التي صعدت ولها دور تأثير على السياسة والاقتصاد. والوقوف في وجه تحكم دولة واحدة بمصير العالم. وأهم الصاعدين كانت طهران وأنقرة؛ نتيجة للسياسة الفاشلة للإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ العقد الأخير من القرن الماضي إلى يومنا، حيث انكشف التراجع الأمريكي في منافسة قوى صاعدة مالياً وعسكرياً. رافقه تخبط في السياسات هي أقرب للارتجال وللأيديولوجيا؛ بسبب المحافظين الجدد ونظريات التغيير على أسس طائفية ودينية ظهرت بسببها عفاريت التطرف من كل الأديان. وبالضد من التخطيط الطويل المعهود عن الإدارات الأمريكية السابقة والذي أعطى تأثيره في الحرب الباردة، التي أنهت تأثير ووجود الاتحاد السوفياتي.
في موضوع “حلف الشرق” سوريا هي محور الصراع، ومنها يمكن تأكيد انتصار هذا الحلف وقدرته على إدارة صراع طويل باسم حلف قادر على فرض سياسات ومواجهة مواقف بإرادة مشتركة. وبها يمكن تهديد الموقف الأمريكي، ودفعه للتراجع والدفاع بدل الهجوم، وربما الانكفاء عن دوره القديم المعهود. وهذا نتاج إمبراطورية تعرف أنها قد ترهلت ودخلت طور الكهولة، حيث لا تعني القوة شيئاً أمام إرادات صاعدة متنافسة معها، ووسط حلفاء لها هم أضعف حالاً؛ بسبب سياساتها المهينة معهم، والتي لا تقدم لهم أسباب القوة، ولا تحرضهم على امتلاك عوامل البقاء كدول مستقرة، وتكتفي باستنزاف مواردهم والحفاظ على حكوماتهم المستبدة؛ ما أشعل بركان غضب الشعوب منها وعليها، وجعل التطرف يتنامى بحجج عديدة، منها مواجهة المشروع الأمريكي في المنطقة. كانت الثورة الإيرانية مفتاح هذا العداء ولحقته العناصر الإسلامية الجهادية التي تأسست في أفغانستان وما زالت أسباب توالدها مستمرة بعد احتلال العراق وحروب الربيع العربي.
في التصور عن حلف الشرق واستمرار لقاءات ممثليه، وربما في لحظة يطلب مشاركة أكبر ويسعى نحو التوسع ليشمل العراق ولبنان ويهدد الخليج وإسرائيل. وهو ما تقوم به إيران بالتمدد الأيديولوجي والدعم العسكري لقوى متمردة على أمريكا ومتعصبة ضد إسرائيل، ومتنفذة في مناطقها كحزب الله اللبناني، والحشد الشعبي العراقي، والحوثي اليمني، وأصابع في سوريا لم تأخذ شكلها النهائي بعد.
هذا الحلف؛ التناقضات بين دوله الثلاثة كثيرة. ولكن؛ مصالحهم بمواجهة الوجود الأمريكي قريبة. ولذلك؛ ستستمر اللقاءات التي ستجعل النفوذ الروسي في سوريا ومنطقة شرق المتوسط أوسع، وأكثر تأثيراً، ويساهم في إدارة الملف السوري وحده يشرك من يشاء ويبعد من يشاء. وإيران ستحتفظ بالعراق وقد تستفرد به، ويمتد نفوذها إلى لبنان، حيث يدها الضاربة حزب الله وقد أصبحت له خبرات دولة وقدرات جيش، ويهدد إسرائيل من قرب بحيث يحقق مكاسب بالرعب. وتعمل دولة الاحتلال التركي على الحصول على الشريط الحدودي بطول 900 كم لتضمن الاعتراف بسيطرتها على لواء إسكندرون، ورسم سياسات الحدود بعيداً عن تأثير القوى الكردية التي تشكل لها فوبيا تجعلها ترسم سياساتها بهدي هذا الخوف. وتقبل بأي تحالف يمنع هذا الوجود أن يعبّر عن نفسه، وتسعى بوضع عازل عربي من اللاجئين تتحكم بإدارتهم وتتولى الإعمار في مناطقهم، ووسيلتها قسم من الكرد أهدافهم تتماشى مع الهدف التركي، تكيفوا مع احتلال عفرين مكتفين بإدانات خجولة، وهذا يعبر عن مدى الخزي الذي رضوا به وهم يرون الانتهاكات، ويكتفون بالبيانات واستمرار المشاركة مع المغتصب.
لقد أعطى هذا الحلف نتائجه في مسارات آستانا التي قضت على التهديدات المسلحة في مناطق عدة باسم خفض التصعيد، ثم نقل المتطرفين إلى إدلب وتركيز الصراع فيها، وما زال التنسيق جارياً لإخماد هذه البؤرة والتفرغ لإدارة المصالح المشتركة. ويبقى شمال وشرق سوريا؛ الورقة الأخيرة التي على ضوئها يتبدى الانتصار لهذا الحلف، بإخراج القوات الأمريكية، والسيطرة على خزان الثروة النفطية والزراعية. عندها سيعلن انتصار النظام، وتقاسم النفوذ السياسي والاقتصادي في سوريا بين أعضاء هذا الحلف، ولا عزاء للمتخوزقين.