أنقرة بمواجهة توافقٍ دوليّ في إدلب

65

” تحقيق / رامان آزاد ” –


هل بدأت مرحلة الانسداد لساسة أنقرة؟ هذا هو السؤال الذي يتم تداوله في أروقة السياسة اليوم، فأردوغان اعتبر المفصلَ السوريّ جسرَ عبورٍ إلى العمقِ الاستراتيجيّ ليعيدَ أمجاد العثمانيّة في نسختها الحداثيّة، وراوده حلم الإمبراطوريّة، فلعب في هوةِ التناقض الدوليّ وسخّر أزمات المنطقة لصالحه، وإدلب محكّ الاختبار لسياسته وربما مستقبله.

حلمُ التحوّلِ الإمبراطوريّ

لم يقتصر الحلمُ التركيّ على تحقيق معدلات نمو اقتصاديّة غير مسبوقة ولا تصفير المشكلات مع دول الجوار الجغرافيّ، بل محاكاة الدول العظمى في إنشاء قواعد عسكريّة خارج الحدود الوطنيّة (قطر، جيبوتي، جزيرة سواكن والتدخّل العسكريّ المباشر وغير المباشر في دول المنطقة (سوريا، العراق، اليمن، ليبيا).

من المسائل المهمة التي يجب التوقف عندها مليّاً، هي محاولة تركيا الحصول على أحدثِ أنواعِ الأسلحة في العالم، فكانت صفقةُ منظومة الصواريخ الروسيّة إس-400 والتي تمّت رغم معارضةِ واشنطن وتسببت بأزمةٍ بالعلاقات معها، وكذلك صفقة المقاتلات إف-35، والتي تحفظت عليها واشنطن وأوقفت برنامج تدريب الطيارين الأتراك، أي أنّها أرادت امتلاك فض أفضلأفضل صواريخ دفاع جويّ وسلاح جو ومن مصدرين متنافسين، وبذلك تتجاوز روسيا والولايات المتحدة، ومؤخراً تحدث أردوغان عن حق تركيا بامتلاك السلاح النوويّ، وهذا عدا كون تركيا دولةً تصنعُ أنواعاً من السلاح والمدرّعات والعربات العسكريّة المصفّحة وتصدّر إنتاجها العسكريّ، وكلّ ذلك يشير إلى المسار الذي تنتهجه أنقرة باتجاه الحلم الإمبراطوريّ عدا استخدام القوة الناعمة لغزو العالم، ولكنه يطرح السؤال لماذا كلّ هذا التسلح؟ من هم الأعداء الذين من المحتمل أن تواجههم؟

في سوريا كان الدورُ التركيّ محوريّاً في كلِّ تفاصيل الأزمة، وكلّ السلاحِ والمقاتلين دخلوا سوريا عبر الأراضي التركيّة، والتي أقيمت عليها معسكرات التدريب، وكذلك مخيمات اللجوء الأولى ليكونَ اللاجئون السوريون سلاحاً تتلاعبُ به أنقرة ضد الدول الأوروبيّة عبر ضخّ موجاتِ المهاجرين، وقد عادت مؤخراً للتهديد بفتح باب الهجرة، بسبب ما اعتبرته عدم وفاء الدول الأوروبيّة بتعهداتها الماليّة بهذا الخصوص.

احتلت تركيا الباب وجرابلس وعفرين واستناداً لتوافقات أستانة أقامت 12 نقطة مراقبة في إدلب ووصلت مشارف حماه. وفي الواقع كلّ التفاهمات والاتفاقات التي جرت باسم المصالحة في مناطق خفض التصعيد كانت بضمان وتعاونٍ تركيّ فهي الطرفُ المفاوضُ نيابةً المسلحين، وهي حقيقةٌ تدركها موسكو تتعامل على هذا الأساس معها، لا بل أنقرة كانت راغبة بهذه الاتفاقات متطلعةً إلى انضواء كلّ المسلحين المنسحبين تحت قيادتها في إدلب بمجرد وصولهم إذ لا خياراتٍ بديلةً لديهم، لتستخدمهم في مناطق أخرى كما في عفرين، وتتلاعبُ بخياراتِ السوريين منهم، فيما اعتقدت أنّ نقاطَ المراقبة التي أنشأتها ستشكّلُ عاملَ ردعٍ وحمايةٍ للمسلحين بالمحافظة. ولذلك خرج أردوغان ليقول أنّ العملية العسكريّة في إدلب تهدد الأمن القوميّ التركيّ، وواقعاً هو الحلم التركيّ.

انهيار الهدنة في إدلب

بدأت في نيسان الماضي العملية العسكريّة في إدلب، وأُعلن عن سقوط خطوط سوتشي، فأنقرة لم تبدِ عمليّاً التعاونَ المطلوبَ منها وفق الاتفاق مع موسكو، وفقَ مقتضيات أستانة واتفاق سوتشي، وكذلك الهدنة الأخيرة، واتضح سير المعارك وشكلٌ من التوازن في الميدان، بسببِ الدعمِ العسكريّ التركيّ الذي لم يتوقف، ورغم أرجحيّة تقدّمٍ لصالح دمشق فإنّها لجأت إلى تغييرِ تكتيكِاتها واعتماد العملياتِ الليليّة، ونقلت رويترز أنّ الطائراتِ قصفت ليلاً قرية قرب كفر تخاريم ومنطقة قريبة من بلدة دركوش بريف إدلب. وذكر نشطاء والمرصد السوريّ لحقوق الإنسان أنّ الضربة الجوية جاءت بعد ساعات من ضربات جويّة في جزء من شمال غرب البلاد للمرة الأولى منذ إعلان الهدنة. فيما نفت موسكو تنفيذ الضربات الأولى.

وتقول المعارضة وفقاً لرويترز إنّ تعزيزات جديدة من قوات روسيّة خاصة وفصائل مدعومة من إيران ووحدات عسكريّة سوريّة خاصة تصل يوميّاً وتحتشد في خطوط المواجهة جنوب إدلب.

انتهت الهدنة المؤقتة التي تمّت من طرف واحدٍ (موسكو ودمشق) والفرصةُ المشروطةُ أمام أنقرة لتنفيذ تعهداتِها في أيلول 2018 لحلِّ هيئة تحرير الشام وحكومة الإنقاذ الوطنيّ دون نجاح الضامن التركيّ بتحقيقِ المطالبِ الروسيّة فعادتِ الغاراتُ الجويّة. وقال أردوغان: “إدلب ستكون من أولوياتنا خلال القمة القادمة”، ويقصد ثلاثي أستانة.

ومن أجل تعزيز موقفها التفاوضيّ تواصلُ أنقرة تقديم العسكريّ لأدواتها بإدلب، ففي ساعةٍ متأخرةٍ من الليل يوم 13/9/2019 دخل رتلٌ عسكريّ تركيّ يحملُ إمداداتٍ عسكريّة ولوجستيّة توجّه إلى نقاط المراقبة التركيّة، فيما كان رتلٌ آخر مؤلف من 30 آلية قد دخل عير معبر كفرلوسين الحدوديّ في اليوم سبقه.

انحياز أنقرة لصالح مشروعها الخاص على حسابِ موسكو وواشنطن، دفع موسكو ودمشق إلى تغييرِ الخطةِ باتجاه استعادة كاملِ محافظة إدلب، وعدم الاكتفاء بالسيطرة على الطرق الدوليّة ولم يكن ممكناً استمرار الهدنة بسببِ عجز أنقرة عن تنفيذ ما طُلب منها، لأنّ ذلك سيكونُ على حسابِ فقدان أوراقها الأساسيّة في إعادة ترتيب المنطقة اعتباراً من المستوى الداخليّ ووصولاً للخشية من الاصطدام مع الموقفين الروسيّ والأمريكيّ، وهذا ما دفع روسيا للتشدد أكثر وهو ما جاء في مصلحة دمشق. وهي بصدد تنفيذ خطتها على مرحلتين الأولى على عمق 30 كم تشمل معرة النعمان وسراقب، وترحيل المرتزقة إلى مناطق النفوذ التركيّ (سلقين وحارم) اللتين أصبحتا نقاط تجمع أساسيّة ويوضع المسلحون السوريون أمام خيارات إعادة التموضع لصالح دمشق، كما في الغوطة فيما الهدف في المرحلة الثانية هو الوصول إلى الحدود مع تركيا.

لم تكن أنقرة في وارد تنفيذ شرطِ الهدنةُ بحلَّ التنظيم القاعديّ هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة) إذ لا مصلحةَ لها واقعاً بذلك، فهي تعتبر الهيئة ذراعها الطولى في سوريا وقد حاولت استثمار هيئة تحرير الشام في أكثر منحى، فبعد انقلاب 15/7/2016 استخدمتها أداةَ ترهيبٍ لمناوئي الحزب الحاكم في تركيا نفسها. ولعلها تكون بصدد إعادة صياغتها وتجميلها وضمّها إلى ما يُسمّى “الجيشَ الوطنيّ” وتضمن عبره آليّة تفاوضيّة تدفعُ بها إلى الشراكة السياسيّة، أي أن تحافظ عليها، إلا أنّ ذلك لا يروق لموسكو ودمشق ولا حتى القوى الكبرى. وأما الغاية الأبعد فهو التأثيرُ على الموقفِ الصينيّ وإجراء مقايضة معها، فالأيغور القادمون من إقليم شينجيانغ غرب الصين هم أداة تركيا للضغط على بكين، ويبلغ تعدادهم نحو 25 ألفاً وعدد مقاتلي الحزب التركستانيّ نحو 15 ألفاً وهؤلاء لا ترغب بكين بعودتهم.

رسائل أمريكيّة في إدلب

وفي رسالة تأكيد إضافيّة لموقفها قصفت الطائرات الأمريكيّة مواقع لهيئة تحرير الشام، بالتوازي مع إعلان وزارة الخارجية الأمريكيّة، الخميس 12/9/2019، عن تخصيص مكافأة قدرها 5 ملايين دولار لمن يفيد بمعلوماتٍ تقودُ لتحديدِ هوية أو مكان ثلاثة من قياديي جماعة “حراس الدين” المتشددة وهم: فاروق السوريّ المعروف بأبي همام الشامي، هو القائد العام لحرَّاس الدين، أبو عبد الكريم المصريّ، وسامي العريدي.

ونشرت وزارة الخارجيّة الأمريكيّة بياناً صنَّفت فيه تنظيم “حرَّاس الدين” على قائمة الإرهاب، وأوضح أنّ الجماعة تابعة لتنظيم “القاعدة” في سوريا، وأكّد وزير الخارجية الأمريكيّ مايك بومبيو بعد البيان على أنَّ بلاده لن تتغاضى عن أيّ “جماعات إرهابية” في سوريا وغيرها من البلدان.

لا يُعتقد أنّ واشنطن قامت باستدارةٍ مفاجئةٍ إزاء إدلب، بل هو شكلٌ من التدرّجِ وفق خطةٍ معدّةٍ مسبقاً، لم ينقطع فيها التنسيقُ بين واشنطن وموسكو، فمن غير المسموح أن تتجاوزهما أنقرة، وفي هذا السياق جاءت استقالة جون بولتون مستشار الأمن القوميّ لأنّه رؤيته لا تتناسبُ مع الخطةِ الأمريكيّةِ التي تتفادى الصراعَ المباشر مع دول المنطقةِ وتركّز على التنسيق واستخدام القفازات، وإذا ما أخذ عزم موسكو باستكمال العملية العسكريّة فإنّ تركيا تواجه تضييقاً على دورها بالإجمال، ولكنها تخشى عواقب معركة إدلب لجهة فرار الجهاديين ومختلف المسلحين إلى أراضيها.

بهذه الصورة فإنّ أنقرة تواجه وحدها توافقاً دوليّاً لا يسعها تجاهله، وقد أفادت مصادر سياسيّة تركيّة أنّ أنقرة بصدد تقديم تنازلات كبيرة لروسيا قد تشمل تسليم مناطق مقابل الحفاظ على أخرى وضمانِ سلامةِ الجنود الأتراك، ويتردد الحديث حول متغيرات في نقاطِ المراقبة، ومسعى أردوغان لإيقاف العملية خشية موجات نزوح جديدة للاجئين، وكان أردوغان قد لوّح بورقة اللاجئين وفتح أبواب الهجرة إلى أوروبا ليكسب موقفاً أوروبيّاً لصالحه.

مشروعُ احتلال تركيّ

من المؤكد أن أنقرة وصلت إلى الحد الأقصى من الاستثمار في الأزمة السوريّة، وهي اليوم أمام خيارين إما التخلّي عن المجموعاتِ المسلّحة بالكامل، أو الذهاب لخيارِ التصعيد الميدانيّ ما يعرّضها لخسائر كبيرةٍ لن تصبّ في مصلحة الطغمة الحاكمة في هذا التوقيت الحسّاس.

المتغيّرُ الحالي هو الأسوأ بالنسبة لأنقرة، فالتوصل إلى اتفاقٍ أمنيّ مع واشنطن وضع حداً لاحتمال عدوانٍ وشيكٍ شرق الفرات، وفرضَ الإقرار بالمجالس العسكريّة للمدن واقعاً، ولتقومَ قواتُ أمنِ الحدودِ التابعة لتلك المجالس بمهامها وتشاركَ في دورياتِ المراقبةِ، كما أنّه عطّل خطة حلفاء أنقرة من الائتلاف بملء الفراغ بانسحاب مقاتلي من الحدود، إذ تطلعوا لأداء هذا الدور برعاية تركيّة في تكرارٍ مباشر لما جرى في عفرين. وفي تقرير بعنوان “خطة تركيا الراديكالية” قالت صحيفة “نيويورك” الأمريكية، إن أردوغان يخطط لإقامة المنطقة الآمنة في منطقة شرق الفرات بشمال سوريا، من أجل لإسكان (استيطان) نحو مليون لاجئ سوريّ فيها وأنّه مستعد لتأسيس مدن في تلك المنطقة.

تحدثت صحيفة دير شبيغل Der Spiegel الألمانيّة عن قيامِ المخابراتِ التركيّة بجمع المعلومات عن الداخل السوريّ بين اللاجئين السوريين ومحاولة تجنيدهم لتقديمِ المعلومات، وأشارت تقارير وكالة الاستخبارات الخارجيّة الألمانيّة (BND) إلى “تورط أحزاب من المجلس الوطنيّ الكرديّ في رضوخها وتنفيذها لأجندة حكومة العدالة والتنمية AKP وجهاز مخابراتها MIT في شمال وشرق سوريا.

ووفقاً لمصادر الصحيفة ذكرت تقارير أنّ الاستخبارات التركيّة (MIT) لا تكتفي فقط بعقدِ العلاقات مع قيادات تلك الأحزاب، بل توجّهها وترسم تحرّكات قياداتها في الدول الأوروبيّة بما يتناسب مع سياسات حكومة العدالة والتنمية ورعاية مصالحها. وأكّدت التقارير انعقاد 22 اجتماعٍ بين المجلس الوطني الكرديّ والمخابرات التركيّة MIT وتكشفُ تفاصيل اللقاءات مدى تورط أشخاص مثل (إبراهيم برو، كاميران حاجو، عبد الحكيم بشار، سيامند حاجو، عبد الباسط حمو) وغيرهم من القيادات واختراق المخابرات التركيّة لقراراتهم والسيطرة عليها.

كما أشارت تلك الوثائق، إلى أنَّ هذه القيادات نفسها تشارك الاستخباراتِ التركيّة بمخطط احتلاليّ أوسع يشملُ كافة مناطق شمال وشرق سوريا، وأنّ مهاماً أُوكلت إلى تلك القيادات بتوظيفِ أحزابها وكوادرها، ووضعها بتصرفِ أنقرة لخدمةِ أجندةِ العدالةِ والتنميةِ، في حال حدوث أيّ هجوم تركيّ محتملٍ على شمال وشرق سوريا”.

أصدقاء سابقون وحزب سياسيّ جديد

داخلياً تلقّى الحزب الحاكم ضربةً جديدةً بإعلان أحمد داوود أوغلو، وثلاثة أعضاء آخرين استقالتهم من الحزب الذي تعرّض قبل أسابيع لهزةٍ كبيرةٍ بخسارته بلدية إسطنبول لصالح حزب الشعب الجمهوريّ المعارض. فقد أعلن رئيس الوزراء التركيّ السابق، أحمد داوود أوغلو، استقالته من حزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان، وأكّد في مؤتمر صحفيّ يوم الجمعة 13/9/2019 اتجاهه إلى إنشاءِ حركةٍ سياسيّةٍ جديدةٍ. ويأتي ذلك، بعد أيامٍ من قيام حزب العدالة والتنمية بإحالة أوغلو إلى مجلس الحزب التأديبيّ مع ثلاثة أعضاء آخرين بتهمة خرق القانون الداخليّ، تمهيداً لعزلهم.

ووجّه داوود أوغلو انتقاداتٍ كبيرةٍ لأردوغان في مجالات متعددة منها حرية التعبير وتباطؤ الاقتصاد، كما كان رافضاً لإعادة انتخابات بلدية إسطنبول، وسجن رؤساء البلديات الكرد بتهم الإرهاب. وجاء في استقالة أوغلو، الذي كان برفقة الأعضاء الثلاثة الآخرين، إيهان سيف أوستون وسلجوق أوزداغ وعبد الله باسكي: “نعلن استقالتنا من الحزب الذي خدمناه بجهود كبيرة لسنوات، من مسؤوليتنا التاريخيّة وواجبنا تجاه الأمة، أن نؤسس حركة سياسيّة جديدة). ومن جهة أخرى يشكّل الثلاثيّ أحمد داوود أوغلو وعبد الله غول وعلي باباجان أرفع وأخطر مسؤولين يواجههم أردوغان.