سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

شيء عن السياسة .. “أفكار من وحي حنة أرندت”

24
” رياض درار ” –

السياسة هي عملية صنع القرار. ولذلك؛ تتعلق بالسلطة، وإمكانية إدارة الشؤون من حول المتصرف بالأمر؛ أي “المؤسسة السياسية”، والتمكن من السلطة التي تحدد من يحصل على ماذا ومتى وكيف. وهذا يتعلق بالجماعة وقيادتها، وبالسلطة وإدارتها. وهي فن التسويات وهذا أفضل من قولهم فن الممكن؛ لأن الممكن يعني الخضوع للواقع غالباً وعدم تغييره وفق حسابات القوة والمصالح، وكل فرض للرأي على الآخرين ليس من السياسة؛ لأنه من الإكراه، والإكراه من وسائل الدولة. ولكنه؛ في غير مكانه يكون تسلطاً واستبداداً، والتسلط والاستبداد هما ضد الدولة وليس من السياسة التي توازن بين القوة والنفوذ، وتمارس السلطة بالإقناع، وتكون معادلاً موضوعياً لمفهوم الحرية.
إن معنى السياسة هي الحرية وهو أمر ارتبط بالمدينة ويرتكز إلى تعريف “البيوس” لدى أرسطو فهو يعني لديه “الحياة المكرسة للشؤون السياسية أو الحياة المدنية أو الحياة العامة” أو الحياة العملية مقابل الحياة التأملية، حيث الفعل هو ميدان السياسة. والفعل يتطلب الانطلاق من جديد دون قيود ليؤدي مبتغاه. ونجد الفعل المتجلي في السياسة قد فقد معناه المتمثل بالحرية حين تقرر الحصول على حكومات تحافظ على حياة الشعوب وأملاكها حتى تتحرر من عبء السياسة. (وهذا معنى تنازل الأفراد عن جزء من حقوقهم من أجل تركيز إدارة الشأن العام بيد منتخبين لكن السلطات غير الديمقراطية تقلص حق الحرية، أو تعدم هذا الحق. والسلطات الديمقراطية أيضاً تتحكم باسم الأكثرية بحريات الجزء الآخر؛ فهو استبداد ديمقراطي يؤسّس لتفاوت القدرات على الفعل الحر، والأغلبية قد تشكل ما يسمى اضطهاد الإرادة الجماعية لأنه ليس كل ما تريد جماعة الأغلبية هو يمثل كل شرائح المجتمع). والتحرر من عبء السياسة استغناء عن الحرية.
إن الشعب هو مجموع الأفراد فيه {وليس تلك الكتلة المتحركة كجماعة أو طبقة أو مجتمع} وإن تحويل الأفراد إلى فئة واحدة كما تفعل الدكتاتوريات هو ضد الحرية، والشعبية والشعبوية هي ضد الحرية، وهي انتقال إلى اللاسياسة. وشعار “الشعب يريد” خارج هدف الحرية سيقود إلى فشل الثورات؛ لأن الشعب لا يريد الحرية بالمعنى المطلق، بل يريد التحرر لبلوغ أهداف لا تتعلق في النهاية بالتأسيس للحرية، بل يناضل من أجل عبودية جديدة يعتقدها تحرراً، ويسلمها لقادة تستأثر بقراره. لذلك؛ لا بد من تحديد هدف المؤسسة السياسية ليصل الشعب إلى مبتغاه.
 وإن ربط مفهوم الشعب بالسيادة، هو إرث لبنية فكرية تربط الحرية بالإرادة الحرة. والشعب ليس لديه إرادة واحدة؛ لأنه ليس ذاتاً، بل هو تعدد الأفراد فيه “فليس هناك أنا معنوي يمثل الشعب كله؛ لأنه بالجوهر عبارة عن تعدد” كما يقول روسو الذي أطلق مفهوم الإرادة الجماعية لتحل محل الإرادة الملكية. ثم ظهرت الإرادة الواحدة على يد روبسبير، وهي تعني خضوع الجميع للأكثر معرفة، وبالتالي لسلطة مركزية تمثل هذه الإرادة. وهنا نعود إلى الاستبداد باسم السيادة الشعبية، حيث تظهر حسابات جديدة قد لا تتعلق بالحرية، إنها حسابات اجتماعية مرتبطة بحل مشاكل الفقر والانشغال بحلول معيشية، وبظهور نخب سياسية تكوّن الأغلبية وتصادر ما حققته الثورات من حريات، وتستغل بريق الثورة لمصالحها بخيبة أمل الثورة وتُهدر أول ما تهدر الحريات.
 هدف المؤسسة السياسية هو تحرير الفرد من الخوف ومن الاضطهاد ومن الخضوع لرأي الآخرين. وهذا هو الهدف من تأسيس الدولة، فالحرية الحقيقية هي الهدف من قيام الدولة. لذلك؛ فإن الشعوب حين تنتفض فلأنها تعي حريتها وتحاول استعادة حقها في الحكم؛ لأنها بدافع التخلص من التسلط تتحدى أولئك الذين يعتدون على حياتهم وأملاكهم. والسياسة هي التي تحرك هذه الشعوب لتقوم بالثورات، بمعنى أن تأسيس الحرية هو ما يحرك الثورات، كما أن الثورة التي لا تؤسس للحرية فسوف تهلك وتموت. فالحرية سبب وجود السياسة، والسياسة مجال تمظهر الحرية. ومحلها هو العالم، وليس التأمل الداخلي.