متغيرات السياسة والميدان في ( المنطقة الآمنة )

177
تحقيق / رامان آزاد –

لم تكنِ المنطقة الآمنة بالصيغة المطبّقة حالياً هدفَ أنقرة، بل كانت تتطلعُ إلى مناطق منزوعة السلاح وانسحاباً عسكريّاً كاملاً، لتقوم بغزو المناطق وتدوير استخدام المرتزقة الموالين لها، والتغيير الديمغرافيّ بإسكان المناطق الحدوديّة باللاجئين السوريين، فيما شكّلتِ الغارات الأمريكيّة على مواقعِ النصرة بإدلب صدمةً لأنقرة.
اتفاقات على حساب السوريين
بالمجمل حال اتفاقِ المنطقةِ الآمنةِ دون وقوعِ العدوان على شمال سوريا، ويمكنُ اعتبار أيّ اتفاقٍ هدنةٍ فرصةً للحوارِ وإيجاد الحلّ السياسيّ إن تمّ استغلالها بشكلٍ صحيحٍ، وهو أول اتفاقٍ سياسيّ مع أنقرة سايرها شكلاً وخالفها مضموناً.
تاريخيّاً كانت كلّ الاتفاقيات والعلاقات بين تركيا وسوريا سواء أيام الاحتلالِ الفرنسيّ أو بعد الاستقلالِ لم تكن نديّةً ومتكافئة، ولم تتجاوز أنقرة نظرتها إلى سوريا ولاية عثمانيّة في مستوى الثقافة والفكر.
أنقرة هدّدت بالحرب على سوريا وحشدت قواتها على الحدود ووصل التصعيد السياسيّ أقصى مدى له وتدخلت مصر وإيران على الخط، ثم عقدت اتفاقية أضنة ١٩٩٨ والتي تسمح بدخول القوات التركيّة بعمق 5 كم إلى الأراضي السوريّة، وبوصول حزب العدالة والتنمية للسلطة تحسّنتِ العلاقات بين البلدين مع أرجحيّة اقتصاديّة كاملة لصالح تركيا وأُغرقت الأسواق السوريّة بالبضائع التركيّة وتمّ إلغاء سمة الدخول بين البلدين.
مع بداية الأزمة في سوريا بدا واضحاً تغيّر موقف أنقرة السياسيّ عبر تصريحات كبار المسؤولين، ومضى وقت طويل ومراحل من الفرز ليُعرف أنّ أنقرة ليست طرفاً في الأزمة السورية بل السبب المباشر فأنشأت مخيمات اللاجئين مبكراً واستقبلت أقطاب المعارضة السياسيّة وشكّلت مجالسهم وفتحت الحدود لعبور المسلحين وأقامت معسكرات التدريب لهم على أراضيهم ودعمتهم بالسلاح. وإذا كان تغيير النظام السياسيّ في سوريا هو هدف أنقرة المستجد، فإنّ مضمون سياستها الدائم في سوريا هو عداوة الكرد ومحاولة تصدير الأزمة الداخلية حرباً أو سلماً.
أدركت موسكو حجم الدور التركيّ وأهميته في قيادة كلِّ المجاميع المسلح، فبادرت للانفتاح عليها لتنجزَ ما عُرفَ باتفاقِ حلب والذي نجم عنه احتلال الباب مقابل خروج المسلحين من حلب، وضمّت تركيا إلى منصة أستانه لتنفذ الانعطاف المطلوب في سياستها في سوريا، فكانت النتيجة الاتفاق على ما سمّي “مناطق خفض التصعيد” وحصة أنقرة إنشاء ١٢ نقطة مراقبة (تمركز) في عُمق الأراضي السوريّة تكفلت بمهمةِ حمايةِ المجاميع المسلحة إلى حينٍ، إلى أن تمّ البدء بالعملية العسكريّة في إدلب بعد مماطلةٍ طويلةٍ، بعد توقفها بالتوازي مع العدوان على عفرين، فيما بقيت الحدود تحت تصرف تركيا تفتحها وتغلقها كيفما تشاء، ومضت لتتفق معها على اتفاق إخراج مسلحي جيش الإسلام من الغوطة وريف دمشق مقابل العدوان على عفرين. والسؤال هل ستستمرُّ هذه العملية للوصول إلى الحدود مع تركيا؟ ماذا عن مصير عشراتِ الفصائل وعشراتِ آلاف الجهاديين بينهم آلافُ الأجانب؟ هل سيتسمر تدفقُ الهاربين منهم إلى عفرين لتحويلها إلى نموذجِ “تورا بورا” سوريّ؟
وفق هذه المعطيات فإنّ كلّ الاتفاقات التي أنجزتها موسكو مع أنقرة كانت على حسابِ السيادةِ الوطنيّةِ والسوريين ومنحت مزيداً من الحصانةِ للمسلحين بكلّ تلاوينهم وانتماءاتِهم العقائديّة، وفي مناطق النفوذ التركيّ أقيمت حكومتان: الأولى إخوانيّة في ريف حلب هي الحكومة الوطنيّة المؤقتة، والأخرى قاعديّة في إدلب هي حكومة الإنقاذ.
موسكو لم تكن جادة بالتفاوض
في عفرين لم يكن الجانبَ الروسيّ في واردِ التفاوض الجديّ، بل مجرد إقامة الحجة الشكليّة، وسعى لاتفاقٍ مطابقٍ لما أجراه في حلب والغوطة مع من يعتبرهم إرهابيين، ولذلك لم يبدِ أيّ مرونة بهذا الصدد من قبيل إنشاء مناطق آمنة رغم التحفظ على مجملِ المسألة، ذلك لأنّ الحجّة التركيّة وذريعة الأمن القوميّ افتراضيّة لا أساسَ لها من الصحّة، ولم تشكّل مناطق شمال سوريا أيَّ تهديدٍ للأمنِ التركيّ، بالمقابل كانتِ الأراضي التركيّة معسكراتٍ للإرهابيين والحدودُ معابرَ لهم ليس بعلم الحكومة التركيّة وحسب بل برعايتها ودعمها، وقد تحدثت شخصياتٌ تركيّةٌ بهذا الصدد واُعتقل صحفيين تحدثوا عن ذلك.
ويكفي أن نتذكر ٥٨ يوماً من الحرب على عفرين وقيادة مجموعات الارتزاق واستباحة المنطقة وارتكاب كل أشكال الانتهاكات وبشكل يوميّ، وعملية التهجير القسريّ، ومخيمات النزوح القائمة حتى اليوم بمقابل التغيير الديمغرافيّ.
من حيث المبدأ الدول الكبرى ليست جمعيات خيريّة، ولا يمكن بأيّ صورةٍ التبرير والنظر بإيجابيّة إلى السلوك الروسيّ في سوريا، ما دام يعمل على الانتقائيّة لضمان مصالحه وبقائه على جغرافيا محددة على البحار الدافئة بعد إزاحته من ليبيا، وكان يمكن تقييم دوره بطريقة أخرى لو أنّه قام برعاية اتفاقٍ يمنع العدوان التركيّ من قبيل تسيير دوريات مراقبة في عفرين ليمنع النتائج المأساويّة للعدوان عليها.
في عفرين كان الاهالي منذ بداية الأزمة وكذلك الإدارة الذاتيّة أمام تحدٍّ كبيرٍ هو الدفاعُ الذاتيّ وحمايةُ منطقتهم، حتى كان العدوانُ التركيّ في إطارِ توافقٍ روسيّ-تركيٌّ انتهى بالاحتلال والتهجير واستباحة المنطقة، فيما تمّ إنجازُ ملفِ الغوطةِ بنفسِ التوافقِ أيضاً.
يقولُ البعضُ: “إنّ الإدارة الذاتيّة كان يمكنها تفادي الحرب عبر أقنيةِ السياسة، ولكنها تمسّكت بخيارِ المقاومة وفرضته دون أن تمتلك الإمكانية الكافية لذلك أمام قوة عسكريّة متطورة كالجيش التركيّ”.
ويتجاهل هؤلاء حقيقة أنّ الحربَ كانت مفروضةً بكلّ الأحوالِ، ولم يكن بالإمكانِ إحداثُ خرق فعليّ بالتفاوضِ لصالحِ السلام، كما أنّ الشروط الروسيّة كانت مجحفةً جداً، ولو تمّ قبولها لاُتهمت في وطنيتها والتنازلِ لصالح التركيّ أو الروسيّ، وتضييعِ منجزاتِ السنوات السابقة، والدليل هو سلوك الاحتلال ومرتزقته في عفرين، والانتهاكات والجرائم اليوميّة وسياسة التهجير القسريّ والتتريك والتغيير الديمغرافيّ.
اتفاقٌ يجهضُ نوايا العدوان
بعد احتلالِ عفرين دقّت أنقرة طبولَ الحرب شرق الفرات، وصمت العالم، فيما كانتِ المعاركُ مستمرةً ضد داعش وانتهت بمعركةِ الباغوز وأُسر آلاف المسلحين وعشرات الآلاف من عوائلهم. ولعل أنقرة أرادت إنقاذهم، فاستمرّت تهددُ بالعدوان جدياً وواصلت حشد القواتِ على الحدود، وقصفت مراراً بعض القرى والبلدات الحدوديّة، وهنا عملت أقنية التفاوضِ علناً وأنتجت اتفاقاً بمسمّى “المنطقة الآمنة”، ليحولَ مبدئيّاً دون الحرب.
ميدانيّاً انطلقت الدوريات الأمريكيّة -التركيّة في 8/9/2019 على الحدود فيما وجّه أردوغان انتقاداً حاداً إلى الولايات المتحدة واتهمها بأنّها لا تقيم المنطقة الآمنة من أجل تركيا، أما في الجانب العمليّ فقد حال الاتفاق الأمنيّ دون العدوان. وهنا يقول قائل “إنّ الأمريكيّ لا يختلف أيضاً بحرصه على مصالحه وضمان أمن إسرائيل، والحيلولة دون تمدد النفوذ الإيرانيّ في المنطقة”، نعم ذلك صحيح والمسألة ليست جديدة، ولكن العلاقة مع التحالف الغربيّ تأتي في سياق الانفتاح على موقف إيجابيّ هو محاربة الإرهاب باعتباره تهديداً عالميّاً يهدد الأمن والسلم والدوليين، والناسُ تحصدُ واقعاً ثمار تحرير المناطق من الإرهاب، وفي هذا السياق لم يجاملِ الأمريكيّ أنقرة، لا بل إنّ العلاقة بينهما تردّت، والنتيجة أنّه لجمها ومنع العدوان، ومنح فرصة لعملية سلام وحوار وطنيّ، لأنّ مجرد توقف الحرب ولو بصورةِ هدنةٍ هو فرصة للحوار والسلام.
إذاً هو اتفاقٌ أملته الضرورة، وربما لم يكن بالإمكان إنجازُ أكثر منه، وبذلك تمّ حالياً تجنيبُ المنطقةِ مخاطرَ حربٍ وشيكةٍ، وبالأمس بُدئ بتسيير الدوريات على الحدود وفق الاتفاق، وهو أمرٌ ينطوي على إقرارٍ بالمجالسِ العسكريّة للمناطق والتي تضمّ مواطنين سوريين من أبناء المناطق نفسها، فيما كانت أنقرة تحاولُ تدوير استخدام المرتزقة من عابري الحدود والمارقين على القوانين الدوليّة والمتطاولين على السيادة الوطنيّة السوريّة كما فعلت في جرابلس وعفرين. والصحيحُ أنّ جملة من المتغيرات نتجت عن الاتفاق من ذلك عودة أنقرة لتهديدِ أوروبا بموجاتٍ جديدةٍ من اللاجئين وتعبيرُ أردوغان عن الامتعاض تجاه واشنطن، والغارات الأمريكيّة على مواقع النصرة في إدلب.
لكنَّ العقائر نفسها ارتفعت لتدينَ الاتفاقَ، والتي قالت فيما سبق: “كان يجبُ القبول بأيّ صيغةٍ اتفاقِ لمنعِ الحربِ على عفرين، ووقوعِ المأساة وإهراقِ الدم في مقاومةٍ عبثيةٍ محسومةِ النتيجة مسبقاً”. وبعضُ الكردُ الذين ينتقدون الاتفاقَ ويتحدثون عن انتهاكِ تركيا لمناطق شمال سوريا، هم أنفسهم من صفّق للاحتلال التركيّ لعفرين، وتحدثت أبواقهم طويلاً وبرّرتِ التعاونَ مع التركيّ ومشاركته بالعدوانِ عسكريّاً وتحتَ العلمِ التركيّ.
خطاباتٌ لا طائل منها
البعض يقفز فوق الحقائق، ويتجاهل التاريخ القريب، فيكررُ نموذجَ خطابٍ مقولب تمّت صياغته وفق معايير تجتزئ مفاهيم الوطن والعيش المشترك وحقيقة التعدديّة السوريّة، ولكنها خطابات لا طائل منها ولا يُعتد بها أمام حقائق التاريخ وواقعيّة الحاضر، وببساطة يمكن القول إنّ كلّ خطابٍ لا يدعو للسلام هو خطابُ حربٍ، وكلّ خطابٍ لا يدعو للحوار هو خطاب كراهية، وهنا يمكنُ أن الإشارة إلى موقفِ دمشق خلال الأزمة، ونختصر بأنّ مجملَ ما حققته تمّ بمساعدة الحلفاء، وهي تتقدمُ على محورٍ واحد اعتباراً من دمشق وباتجاهين جنوباً حتى حدود الأردن وشمالاً حتى حلب وريف إدلب الجنوبيّ، واخترقت البادية شرقاً فوصلت مدينة دير الزور، فيما لازالت مدينة حلب محاصرةً من الشمال والغرب وتُقصفُ أحياؤها الغربيّة من وقتٍ لآخر.
بمعنى أنّه لولا أنَّ قوات سوريا الديمقراطية بدأت حملاتِها شرق الفرات لبقيت تلك المناطق تحت الإرهاب حتى اليوم، ولذلك فالاتهامُ بالعمالةِ غريبٌ، ولعله يقصدُ منه النكاية بسببِ الوجود الأمريكيّ في تلك المناطق. ولكن بالمقابل تمّ تعزيزُ الوجودِ الروسيّ في قاعدة جويّة وأخرى بحريّة.
البعضُ لن يرضى بكلّ الأحوال، وسيعارضُ دون أن يقدّم بديلاً إلا خطابات التخوين والعمالة. ولكن من الأهمية بمكانٍ القولُ إنّه أيّاً كان حجمُ التباين، فإنَّ الإدارة الذاتيّة تطرحُ مشروعاً سياسيّاً لمجمل الأزمة، والصحيحُ أن تتم مناقشته على طاولةِ الحوار الوطنيّ مهما كان حجم الاختلاف معه، على مبدأ مقابلة المسائل بمثيلاتها، وما هو سياسيٌّ يُقابل بموقفٍ سياسيّ، كما أنّ بديلَ للحوارِ هو الصدامُ المسلّحِ ومزيدٌ من المعاناةِ، ولنا أن نسألَ من سيحاربُ من؟
وطنيّاً ليس صحيحاً انتصارُ سوريّ على سوريّ، بل أن ينتصرا معاً لينتصرَ الوطن كله، والحرصُ على الوطن يعني طرحَ مبادراتِ حوارٍ غير مشروطة إلا بالثوابتِ الوطنيّةِ وعلى رأسها وحدة سوريا أرضاً وشعباً واحتواءُ كلِّ اختلاف عبر الحوار، وتأكيد أن لا طرفَ مخوّلٌ بمنحِ شهادات الوطنيّة. والمعلوم أنّ الفرات هو نهر خيرٍ وعطاءٍ وليس فاصلاً بين السوريين، والمطلوب إقامة جسور الحوار للعبور، وليس الوقوف على الضفةِ والاكتفاء برسائل سلبيّة تقوّض فرص الحوار
مؤكد أنّ حلَّ الأزمة السوريّة يتطلب مواصلة تطهير البلاد من الإرهاب وإرغام القوات التركيّة على الخروج من المناطق السوريّة وإنهاء الاحتلال بكلّ أشكاله وخروج القوات الأجنبية، وذلك رهنُ عواملَ كثيرة منها توافق موسكو وواشنطن وهما مضطرتان لذلك بعد مماطلة سياسيّة، فالميدان السوريّ لا يتسع مواجهة روسية-أمريكيّة. وانطلاق حوارٍ وطنيّ غير مشروطٍ، ومن المهم اعتبارُ كلِّ عملياتِ دحر الإرهاب منجزاتٍ وطنيّة على كامل الجغرافيا السوريّة يتشاركُ في عوائدها كلّ السوريين لترسيخِ مفهوم الوحدة الوطنيّة أرضاً وشعباً، والتوقف عن خطابات التخوين والعمالة.