سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

يوسف الرحيم؛ في ألق الفن، وجماليات التلقي

   تقرير/ آزاد كردي –

روناهي/ منبج: لعلنا نتساءل عن سرِّ إبداعات بعض الفنانين وما يملكونه من مهارات غير تقليدية، تمكنهم ذات يوم أن يكونوا أحد المشاهير. أو أنهم إن لم يحظوا بذلك، فعلى الأقل تتلقف نجاحاتهم الوسائل الإعلامية، ويكونوا محط ترقب واهتمام عن كثب؛ وهذا ما يحدث مع الفنان؛ يوسف الرحيم.
هذا الفنان الذي التقيته على هامش فعاليات منبج أنيسة الشعر والطرب، وشاركنا الحديث معاً، عن هذا الفن الذي يبدو أنه غير مألوف في مدينة منبج بعد. رأيته كما لو كان منعزلاً أو لنقل لم يجد أحداً يحادثه، هل للفن المختلف علاقة بذلك، لا أدري. فهو ممن لا يتنازل قيد أنملة عن متابعة ما يظن أنه قد فقده ذات يوم، ويعرف أنه لم يعد بإمكانه أن يحقق حلمه الصغير، لكنه على يقين أن الساحة الأدبية ولاسيما الإبداع يحتاج كثيراً من الجهد المضاعف حتى يتسنى أن ينال ثقة وإعجاب محبيه ويتمكن من وضع اسمه مع قافلة الفنانين الكبار في منبج.
 تغمر أعماله المطروحة التساؤلات التجريدية:
ربما تكون هي فئة قليلة من الفنانين الذين يحاولون إيجاد روح فيما يبدعونه من أعمال فنية، ويعطونها الطابع السيكولوجي والصوفي والمعماري والفني. مما تجعله قادراً على تحميل ما ينجزه العديد من الرؤى والتصورات التي تغمر أجزاء أعماله بأعمق تفاصيلها بالتساؤلات التجريدية المطروحة، وكيفية مزجها بالواقعية الكلاسيكية بطريقة لا تخلو من الطرافة والظرافة على الرغم من أن أدواته البسيطة ما هي سوى بضعة أخشاب وخيطان وعيدان الكبريت والبوظة ومادة الصمغ والغراء والدهان أيضاً، وأشياء أخرى.
الفنان يوسف الرحيم منذ ولادته في مدينة منبج منذ عام 1978م، وشبَّ على التفكير، المجسمات التي يتناولها ويلتقط الغريب من الأشياء، يفكر ملياً بما يدور حوله من أشياء، ليكون باستطاعته أن يجمعها مع بعضها البعض مكونة في خاطره رسوماً جميلة، لم تكد تبزغ بعد موهبته عن كامل نضوجها الفني، بل أدرك في ذات الوقت حين كان لا يزال طالباً بالابتدائية، من أن الفن لا يخضع مسبقاً لاعتبارات وإطار أشكالٍ محددة، فكل شيء في الوجود لديه قابل أن يكون بمتناول البحث التجريبي؛ عبر نقل أحاسيسه بما يراه في المراحل الأولى من صنع المجسمات المصنوعة، وفيما يجب أن يكون بشكله الجديد ولا يراهن على نتيجة مسبقة لوصف حالته الشعورية، ولا ينتظر أيضاً أن يتطابق الشكل الحيوي الحي مع استحضاره للفكرة المجردة؛ بل لا ضفاف لحدود بنات أفكاره. فلا غرابة أن يستحضر كائناته الجديدة بروحه لكن كما يتصورها، في كل قطعة منها ينبعث معها أعماق كثيرة من الرؤى المتأملة بوقائع الحياة وتقاليدها وإرثها الشعبي، إضافة إلى الفلكلور والطراز المعماري الفني. إنه عندما يصمم عمله الذي يسميه” الخيمة البدوية”، المؤلفة من منسوج يدوي تقليدي إلى جانب أوتاد ومجلس ودلة قهوة؛ لاعتزاز الإنسان السوري بالموروث الشعبي للأجداد، وتعني امتزاج كافة المكونات في سماء الإخاء والمحبة بعيداً عن الأحقاد والكراهية والأضغان، إنه يتحرر من المعنى الجاهز المنتظر من المتلقي العادي بل يذهب أبعد من ذلك، ليصل إلى الينابيع التي تنبعث منها أبخرة الحيوية والنبض والحياة، في إطار بحثه عن العمق كائناته التي تكشف عن نزعة تجريدية متأصلة.
مجسمات تعكس اختلافاً عما تحفل به الوقائع اليومية:
في كل المعارض التي شارك فيها الرحيم يحاول أن يبدو مختلفاً بنظرته إلى الموجودات التي من حوله، ويظهر أنه في كل ما يصممه، وتجسد مجسماته المختلفة تعبيراً مختلفاً عما تحفل به الوقائع اليومية من نقائض وثنائيات وتقاطعات، ما يهمه أن يصل إخلاصه في كل التصميمات الفنية من تجليات المادة إلى المستوى الذي يؤهله لاقتناص فرص تصويرية ليست متاحة عند غيره من الفنانين. وهذا ما حدث في تصميمه لمسجد كبير، وجسر إسطنبول، وبرج خليفة، والهرم الصيني؛ وغيرها من الأعمال، التي تشف في كل منها إلى نظرة فاحصة عن تجربة عميقة أعطت مدة خمس عشر عاماً من العطاء الذي لا ينضب ما دام الإلهام حاضراً في كل عمل الذي يعبر بطريقة أو بأخرى عن تجربة الفنان التي يعالجها في مختبره الفني الكائن في منزله الذي حوّله إلى مرسم ومختبر لأعماله الفنية الكثيرة؛ لتبقى رؤيته للحياة أكثر خصوبة التي يتضح شطراً منها في الشقاء والغربة والتراث.