المرأة في شمال وشرق سوريا أسطورة كفاح متواصلة..

117
إعداد/ هيلين علي –

يتجسد الإصرار والطموح في حكاية المرأة الثورية في شمال وشرق سوريا، التي حققت  مقاومة وملاحم بطولية لتضفي المرأة لونها الخاص والريادي في ثورة الحرية، وتعزيز الحياة التشاركية المجتمعية؛ لإيمانها بأنها مليئة بالطاقات المحفزة للسمو والرقي وصولاً لأعلى درجات الحرية.
المرأة كانت وستظل حاضرة على الدوام, سواءً في مضمار العمل والتفاني من أجل رفعة الأسرة والمجتمع، أو في مضمار النضال من أجل الحرية والثورة على كل ما هو تقليدي.
 تعيش المرأة في شمال وشرق سوريا, في دائرة خاصة من النضال لتغيير صورتها النمطية في المجتمع وتحقيق المساواة بين الجنسين, وقادت الثورة بطابعها منذ اندلاعها في شمال وشرق سوريا, حيث كانت في طليعة الثورة، وأخذت مكاناً بارزاً ودوراً هاماً في كل مناحي وساحات النضال وساهمت فيها، من الساحة العسكرية وصولاً للساحة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية؛ بغية التصدي لأشرس السياسات الاحتلالية, متحديةً الأيدولوجيات الرجعية، والقمعية المستهترة بكيان المرأة وقدسيتها.
المرأة روح الفن
حضور ودور النساء الثائرات في مشهد الانتفاضات السائد في العالم لم يكن محض صدفة، بل يعود إلى كون المرأة جزء لا يتجزأ من عملية صناعة الثورة، ويستند إلى حقيقة، وهي أن صنع الثورة يستوجب لمسة فنية وإبداع أنامل تعيش فن الثورات وإبداع الانتفاض، وهنا لا يسعني إلا أن أعترف بأن المرأة هي روح الفن هذا, فالإلهام الفني خُلق هو نفسه على صورة امرأة، فهي تنثر ألوان الفن على البشرية، خاصةً وأنها توحي للجمال والرقة، والمرأة إذا تحطم من جهة، فهي تبني من جهة أخرى، كونها تملك عبقرية الفناء وعبقرية البناء، كالطبيعة تماماً، ومن المستحيل أن نرى على مر العصور حضارة قامت بدونها، ولا ثورة انتصرت بدونها، ولا أجيالاً ترعرعت وغدت تصارع الحياة بدون حنانها وحضنها وتربيتها ومشاركتها ومناصرتها وصنعها.
دورها الريادي في دحر المرتزقة
خاضت المرأة الكردية بطليعة وحدات حماية المرأة الـ  YPJ  وبدور قيادي  مع وحدات حماية الشعب الـ  YPG  في قوات سوريا الديمقراطية لتنضم إليها النساء من جميع شعوب الشمال السوري, وتمثل جوهر أخوّة الشعوب بعزيمة وقوة؛ لتحرير النساء وباقي الشعوب من ظلم وإرهاب مرتزقة داعش, حيث قدمت تضحيات عظيمة وسطرت ملاحم بطولية لتحطم الذهنية الظلامية، إذ باتت المرأة المقاتِلة ضمن وحدات حماية المرأة تتصدّر المشهد العسكري، وبات العالم يركز على انتصارات هذه الوحدات التي تضم في صفوفها نساء من أعمار مختلفة، واللاتي قاتلن بقوة وإيمان، واستشهدن في جبهات المقاومة, وخلفن بصمة عظيمة في تعزيز ثقافة المقاومة, من خلال نضالهن المسلح في سبيل حرية الشعوب والأمة الديمقراطية.
ومنذ انطلاق معركة دحر الإرهاب التي تعتبر آخر معركة أطلقتها قوات سوريا الديمقراطية في شمال وشرق سوريا، شاركت وحدات حماية المرأة فيها واستلمت قيادة الجبهات الأمامية, ولعبت دوراً ريادياً في تحرير آلاف المدنيين من براثن متطرفي داعش الإرهابيين، ناهيك عن تحرير المئات من النساء ومن بينهن الإيزيديات اللواتي اختطفهن داعش خلال المجزرة التي ارتكبوها في شنكال عام 2014.
كما لم يقتصر دور المرأة في شمال وشرق سوريا, على الدور العسكري فحسب، بل حاولت التواجد بقوة في كافة المجالات، ففي النظام الإداري للمنطقة، توجد هيئات ومؤسسات قائمة بذاتها قوامها المرأة، وكذلك بروز منظمات فاعلة خاصة بها، تعمل في شتى مجالات الحياة سواءً في القطاع التربوي، أو في القطاع الاقتصادي، حيث تقوم منظمات فاعلة مثل وقفة المرأة الحرة ومؤتمر ستار للمرأة بالكثير من الأنشطة الاقتصادية كالحرف والتدبير المنزلي والاقتصاد الموازي, حيث أن المرأة في الشمال السوري أصبحت قادرة أكثر على تنظيم عملها من خلال التنظيمات المدنية، وخاصةً تلك المعنية بمناهضة العنف ضد المرأة.
تاريخ المرأة الثوري
إن العلاقة بين المرأة والثورة علاقة قديمة جداً, فقد شاركت المرأة البريطانية بقوة في الثورة الإنجليزية التي اندلعت في منتصف القرن السابع عشر، وخلال عام 1789 وحين ارتفع سعر الخبز بنسبة 88% في فرنسا؛ نظمت نساء الأسواق الشعبية في باريس لموجة التمرد الثانية من الثورة الفرنسية تلك الثورة التي قوضت عرش أوروبا الإقطاعية وساهمت في ظهور المجتمع الحديث, وقد توجه حينها أكثر من 7000 امرأة إلى قصر فرساي الملكي من أجل إجبار العائلة المالكة على مواجهة الثوار.
وحين اندلعت أول ثورة عمالية في التاريخ الحديث بمدينة باريس خلال عام 1871شاركت المرأة الفرنسية منذ البداية وقامت بدور هام للغاية في الانتفاضة التي أدت في نهاية المطاف إلى ظهور “كوميونة باريس” أو الثورة الفرنسية الرابعة والتي تمخضت عن أول دولة عمالية في التاريخ، وعلى الرغم من أنها لم تستمر سوى 72 يوماً فقط؛ إلا أنها برهنت على أن بمقدور العمال الحالمين بتحرير الطبقة العاملة, خلق مجتمع ديمقراطي.
لتحرر المجتمع يستوجب تحرر المرأة أولاً
إن تحرر الشعوب والبشر من القهر والدكتاتورية والعبودية يستوجب تحرير المرأة أولاً، كونها المحرك الأساس في تحريك الحشود وبعث الحياة الثائرة والمنتفضة في قلوب بني البشر، وهذه الحقيقة لا يمكن تجاهلها، فقد نحتتها الثائرات اللواتي خضن الثورة إلى جانب الثوار في معركة دحر داعش في سوريا, وغيرها على جبين التاريخ والبشرية، فالمرأة هي النور الذي يضيء درب المجتمعات، لتهديها إلى عوالم الحضارة والتطور، الحرية والحب، وبدونها تصبح المجتمعات مجرد جماد وأصنام.
إن ثورة تحرير المرأة وتمكينها وتنميتها، كفيلة بالقضاء على الجهل والتخلف والانغلاق والمظاهر السلبية المتنوعة، وتنقية العالم من المجتمعات الظالمة والحكام المستبدين، وهذه الثورة حتما ستأتي كرد فعل لغريزة البقاء حتى دون أي محرض على الثورة؛ وذلك لأن المرأة عنصر أساس في تطور البشرية وازدهارها، وإرساء أسس الإنسانية.