شيء عن العلمانية

73
“رياض درار” –

ونحن ندعو إلى إقامة بناء وطني يقوم على عقد اجتماعي تتلاقى فيه العلمانية مع قيم المجتمع، علينا البحث في تشكيل مرجعية مشتركة للجميع على أرضية المواطنة التي تخدم الحرية الفردية، وتقيم المساواة والعدالة الاجتماعية، وتحترم التعدد الديني، وتؤسس التضامن الوطني، عكس ما تكون عليه المجتمعات التقليدية التي تقوم على القهر والإذعان، وتتصف بأنها مجتمعات عصائب وطوائف وعشائر لا ديمقراطية فيها؛ لأن السلطة فيها مطلقة والنخب الحاكمة فيها تتماهى مع الدولة وتنشد الخلود لقادتها.
الديمقراطية من مستلزمات العلمانية، ومن مستلزمات العلمانية؛ أن العلماني غير كهنوتي وغير مقدس، وكل أمر نسبي لا قدسية له، وإنما هو شأن دنيوي. حيث “أنتم أعلم بشؤون دنياكم” وهذه إشارة إلى معنى آخر للعلمانية وهو المادية، بمعنى أنها مجرد قطاع من قطاعات الحياة يشير إلى الاعتقادات والممارسات التي تقوم على العقل الذي ينظر في الموجودات، ويستنبط المجهول من المعلوم ويستخرجه منه، وعليه تستند الأحكام، ويبنى ما يمس حياة الناس. وعلى العقل تستند إدارة الحياة الدنيا. وعليه يكون العلماني هو الإنسان المشغول بأمور المعاش في الحياة الدنيا، ويقابله الكاهن أو الشيخ المنقطع في المؤسسة الدينية، والمرتبط بتحقيق مسائلها من خلال الدعوة التي تبني الأخلاق وتوجه للخير العام، ولا علاقة لهما بالسلطة إلا سلطة التوجيه والتذكير.
بهذا المعنى؛ تكون العلمانية رؤية إجرائية للواقع، لا تتعامل مع أبعاده الكلية والنهائية كمعرفة، ولا تتسم بالشمول، وتلتزم الصمت تجاه مجالات الحياة الكبرى (المطلقات، والكليات الأخلاقية والدينية، والماورائيات). ولذلك؛ لا تتفرع عنها منظومات معرفية أو أخلاقية، بل ترى الإنسان يعيش رقعة حياته العامة وحسب، وتترك له حيزه الذي يتحرك فيه، وفي هذا لا تتعارض مع الإيمان الديني.
والدولة في النظام العلماني؛ تقوم على الحرية لجميع أبنائها، ولا تتدخل في معتقداتهم، بل تحمي الجميع، ولا تتبنى ديناً “تفرضه أو تلزم به أحداً”. وبهذه الرؤية تقوم العلمانية على فصل الدين عن الدولة، حيث أن الدولة ضرورة، ومنشأ ضرورتها النظام والأمن والإعمار، بينما عدمها الجور والظلم والفتنة. فوظيفة الدولة الأمان الاجتماعي الذي يقوم على وعي اجتماعي، وهو يتغير تبعاً لتغير وعي الأفراد لأدوارهم ومواقعهم وحقوقهم وواجباتهم، حيث تتغير المفاهيم والوظائف، وبذلك يتغير شكل الدولة أداءً وأدواراً، ومصدر شرعيةٍ، وآلياتِ تطبيق. هذا التغير هو مصدر عدم تنميط الدولة بكونها إسلامية، أو ليبرالية، أو اشتراكية بشكل مطلق.
 إن تنميط الدولة يصادر حق المشاركين فيها من التعبير عن انتماءاتهم أو رؤاهم أو معتقداتهم، ويلغي التنوع الذي هو من سمة الإنسان، ومصدر حيوية العالم. وبدون الاعتراف بالتعدد والتنوع البشري لا تقوم دولة ولا تبنى إلا على أساسه؛ لأنه مصدر حيوية العالم الذي يخدم التعارف ويحقق التناغم والانسجام بين البشر، كما الطبيعة بتنوعها وانسجامها.
وحين يدعى إلى الفصل بين الدولة والدين في إطار العلمانية، فإن في ذلك حماية من تدخل الدولة وآلياتها في الدين، وحماية للدين ذي الأصول الثابتة من الدولة كمتغير. فالدعوة العلمانية هي لصيانة المتغير من الثابت، ولصيانة الثابت من تعقيدات المتغير. بهذا المنظور يمكن أن نرى كيف قاد تطور النهضة الإنسانية إلى ثقافة تستمد مرجعيتها من العالم المحيط، وضرورات التعايش معه وفيه، هذه الضرورات أرست مفاهيم جديدة وأدت إلى تحديث المجتمعات. وتحديث المجتمع قاد إلى الفصل بين المؤسسة الدينية والمؤسسة السياسية، وأدى إلى إعادة تنظيم المجتمع على أسس الحرية والمساواة والعدالة والعقلانية والحقوق المدنية، وهي عملية لا تتوقف على جيل معين، بل هي في صلب المستقبل الذي لا يتوقف، وتجعل الإنسان “من دون النظر إلى عرقه وجنسه أو دينه أو لونه” نقطة ارتكاز في المجتمع، وتقدم له الضمانات القانونية اللازمة لممارسة تلك الحقوق واستقلاليته. العلمانية لم تكن خياراً “أيديولوجياً”، بل واقعاً “تاريخياً” “وموضوعياً”، وهي حركة منفتحة أبداً على التحول والصيرورة بلا نهائيات ولا غائيات، وتؤدي إلى الاستقلال النسبي للمجتمع الديني، والمساواة الكاملة للمواطنين أمام القانون. إنها ليست مجرد فصل الدين عن الدولة، بل صارت رؤية تحمل ملامح جوهرية لإنسانية الإنسان، وتعبر عن طموحه إلى السيطرة على المعوقات التي تقف في طريق تقدمه وسعادته.